ما الذي تحمله المرحلة الثانية لغزة وفلسطين؟

سعيد الحاج
"المطلوب أمريكيا -وإسرائيليا- التقدم في الخطة مع حماس ورغما عنها في آنٍ معا"- جيتي
"المطلوب أمريكيا -وإسرائيليا- التقدم في الخطة مع حماس ورغما عنها في آنٍ معا"- جيتي
شارك الخبر
في الرابع عشر من كانون الثاني/ يناير الجاري، أعلن المبعوث الأمريكي ويتكوف بدء المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخصوص قطاع غزة. وبعد ذلك بيومين، أعلن ترامب نفسه عن تشكيل "مجلس السلام".

فعلى هامش منتدى دافوس، في الـ22 من الشهر الحالي، دشن ترامب "مجلس السلام"، بمشاركة ممثلين عن 21 دولة من أصل 35 وافقت على المشاركة، بعد أن كانت الدعوة قد وُجهت لأكثر من 60 دولة. وكان معظم الحضور من الدول العربية والإسلامية ودول العالم الثالث، في مقدمتها السعودية وقطر والإمارات ومصر والأردن وتركيا وإندونيسيا وباكستان، مع غياب شبه كامل للدول الأوروبية والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي. كما ترافق ذلك مع الإعلان عن لجنة التكنوقراط التي ستدير قطاع غزة في المرحلة الحالية.

ورغم وجود عقبات حقيقية في المسار المعلن، من قبيل الاعتراض "الإسرائيلي" على عضوية تركيا وقطر في المجلس، والصعوبات أمام تشكيل قوة الاستقرار الدولية، وإعاقة الاحتلال لدخول لجنة التكنوقراط للقطاع، إلا أن الدول المشاركة وفي مقدمتها الولايات المتحدة أعلنت بشكل لا مواربة فيه انطلاق المرحلة الثانية من خطة ترامب المدعّمة بقرار مجلس الأمن الدولي 2803.

المرحلة الأولى قد انتهت وطُويت صفحتها، لكنها لم تنفذ، أو بشكل أكثر دقة لم ينفذ منها المطلوب من جانب الاحتلال. فقد سلمت المقاومة ما لديها من أسرى أحياء وجثامين الجنود، وبذلت جهدها للتوصل إلى الجثة الأخيرة، والتزمت بوقف إطلاق النار، بينما لم ينفذ الاحتلال تقريبا شيئا مما يليه من التزامات

في السياق والخطاب والإشارات، ثمة ما يدعو لتقييم المجلس المعلن في سياق دولي وليس فقط على مستوى غزة، بما في ذلك إشارة ترامب لإمكانية أن "يحل مكان الأمم المتحدة"، وهو ما ساهم في التحفظات الأوروبية والدولية على المشاركة في المجلس، ما دفع ترامب لاحقا للاستدراك حول "التنسيق مع الأمم المتحدة"، لكن هذا المقال يركز بشكل أساسي على البعد الفلسطيني حصرا.

وهنا، لا بد من إقرار حقيقة ماثلة بالغة الدلالة، وهي أن المرحلة الأولى قد انتهت وطُويت صفحتها، لكنها لم تنفذ، أو بشكل أكثر دقة لم ينفذ منها المطلوب من جانب الاحتلال. فقد سلمت المقاومة ما لديها من أسرى أحياء وجثامين الجنود، وبذلت جهدها للتوصل إلى الجثة الأخيرة، والتزمت بوقف إطلاق النار، بينما لم ينفذ الاحتلال تقريبا شيئا مما يليه من التزامات باستثناء الانسحاب الأولي للخط الأصفر، والذي عدّله لاحقا.

ورغم ذلك توحي التصريحات الأمريكية وكأن المرحلة الأولى قد نُفذت بدقة فائقة تدعو للتفاؤل بالقادم، بيد أن مضمون التصريحات يكشف ما هو أهم، فقد ركز ويتكوف على أن المرحلة الأولى قد حققت وقف إطلاق النار وإعادة المحتجزين ومعظم الرفات، مضيفا لذلك "إدخال مساعدات إنسانية تاريخية". يتفق معه ترامب في المضمون والأسلوب حين يتحدث عن "مستويات قياسية من المساعدات الإنسانية" يدّعي أنها دخلت غزة خلال المرحلة الأولى، وهو ما يعرف الجميع أنه غير دقيق، فضلا عن عدم فتح المعابر ولا إدخال الأدوات التي يمكن أن تساهم في رفع الأنقاض وبالتالي البدء بتأهيل البنية التحتية.

والملحوظة الرئيسة هنا هي أن التقييمات الأمريكية لم تشمل الخروقات "الإسرائيلية" لاتفاق وقف إطلاق النار، والتي ربا عددها عن الألف، بما في ذلك عمليات القصف والقتل والاغتيال، وإعاقة دخول المساعدات، وعدم فتح المعابر، والاستمرار بالتفجير والهدم.

يدفعنا ذلك للقول إن الرؤية الأمريكية للخطة، ولا سيما في مرحلتها الثانية، تتضمن ثلاثة أركان رئيسة؛ أولها فرض وقف إطلاق النار ولكن وفق المنظور الأمريكي (الذي لا يتعارض مع "الإسرائيلي" كثيرا)، أي عدم العودة لوتيرة الإبادة السابقة، مع تمرير ومنح غطاء لكل خروقات الاحتلال بما في ذلك استهداف المدنيين.

وأما الثاني فهو التركيز والرقابة على الجانب الفلسطيني حصرا، حيث لن تقع على كثير من رصد فضلا عن نقد للخروقات "الإسرائيلية"، مقابل بعض الأصوات الأمريكية التي تدعي انتهاك حركة حماس والفصائل الفلسطينية للاتفاق، ما يعكس رؤية للتقييم وليس مجرد خطأ في المتابعة.

والثالث هو التركيز على المطلوب من الجانب الفلسطيني في المرحلة الثانية دون الحديث عن التزامات دولة الاحتلال. ولذلك فقد ركز ترامب في خطابه في دافوس على كون المرحلة الثانية "اتفاقا شاملا لنزع السلاح من حماس"، وعلى ما عدّه التزامات مطلوبة منها بما في ذلك "إعادة آخر جثمان إلى إسرائيل"، دون الإشارة إلى أي استحقاق مطلوب من دولة الاحتلال بما في ذلك الانسحاب. وقد كان ويتكوف قدّم للمرحلة الثانية بعدِّها "انتقالا من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، وإقامة إدارة فلسطينية تكنوقراطية، وبدء عملية إعادة الإعمار".

وإذا كان ذلك يعني أن تطبيق -أو بالأحرى عدم تطبيق- المرحلة الثانية لن يختلف عن الأولى، دون أي ضمانات باختلاف متوقع، فمن المهم التذكير بالفلسفة الرئيسة التي قامت عليها خطة ترامب منذ البداية، وهي إنزال نتنياهو عن الشجرة، وتخفيف الضغوط التي تعرض لها على الساحة الدولية من خلال الإيهام بوجود مسار هدوء وتسوية وسلام، مع التركيز في الجوهر على تجريم الفلسطينيين. ولذلك كان نتنياهو -مرتكب الإبادة والمطلوب توقيفه بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية- شريكا في الخطة وليس هدفا لها أو مجرد طرف فيها. وعليه، وإن أرغم ترامب نتنياهو بجزئية وقف إطلاق النار وتوقيتها، إلا أنه لم ولا يختلف معه لا شخصيا ولا كدولة على أهداف الحرب بعيدة الأمد، وهي تلك المتعلقة بالمقاومة الفلسطينية بشكل رئيس.

اليوم، المطلوب أمريكيا -و"إسرائيليا"- التقدم في الخطة مع حماس ورغما عنها في آنٍ معا، أي استمرار التواصل معها مرحليا بغية الوصول لمحطة إبعادها تماما عن إدارة غزة وتجريدها من كامل سلاحها وتسليم أنفاقها، وربما حتى نفي قياداتها وكوادرها. كل ذلك بالتلويح المستمر بالعقاب الكبير و"جهنم" التي يمكن أن تفتح عليها، بما في ذلك إعادة الضوء الأخضر لوتيرة الإبادة السابقة "في حال لم تلتزم"، وهو ما يحصل حتى الآن بالقوة الباطشة الأمريكية، وبشبكة دعم عربي- إسلامي رسمي غير مسبوق.

خطة ترامب، وتحديدا في مرحلتها الثانية، هي مسار لتصفية القضية وإنهاء المقاومة وتثبيت هيمنة "إسرائيل" على كامل المنطقة

غاية الخطة الأمريكية، كما كان واضحا وتأكد لاحقا، هو تصفية المقاومة لتأمين الهدوء الكامل بالنسبة لـ"إسرائيل" ومنع أي تهديد لها، وتصفية القضية الفلسطينية، واستئناف دمج "إسرائيل" في المنطقة عبر الاتفاقات الإبراهيمية أو ما يشبهها، وهو ما يمكن أن نسميه صفقة قرن معدلة أو مطورة أو صفقة القرن 2.

وفي القلب من هذه الخطة إخراج قطاع غزة من فلسطينيتها، بتدويلها، وصنع نموذج جديد لها يعمل على تنسية ومسح نموذج المقاومة و"طوفان الأقصى" لصالح نموذج عقاري- استثماري- تجاري، مع سردية "ثقافة السلام" وتغيير مناهج التعليم و"محاربة الكراهية".

ولعله من المهم العودة لتصريح ترامب عن لجنة تكنوقراط إدارة غزة، حين سماها "الحكومة التكنوقراطية الفلسطينية"، لا مجرد لجنة، بمرجعية بعيدة عن حماس والفصائل بل وعن السلطة نفسها. فمرجعيتها المعلنة هي "الممثل السامي لمجلس السلام" نيكولاي ميلادينوف، وهو ما يكرس الفصل عن الكيان الفلسطيني وفرض الوصاية الدولية. وزيادة في تلك الدلالة، فقد جاء اجتماع اللجنة في السفارة الأمريكية في القاهرة، وليس في السفارة الفلسطينية، ولا في أي جهة مصرية مثلا.

إن خطة ترامب، وتحديدا في مرحلتها الثانية، هي مسار لتصفية القضية وإنهاء المقاومة وتثبيت هيمنة "إسرائيل" على كامل المنطقة. هكذا يجب فهمها، وبناء على ذلك مواجهتها والتعامل معها.

x.com/saidelhaj
التعليقات (0)

خبر عاجل