كتاب عربي 21

فنزويلا بين الجيش والشعب!

سليم عزوز
"لا يمكن لهذه العملية أن تتم إلا بتواطؤ داخلي"
"لا يمكن لهذه العملية أن تتم إلا بتواطؤ داخلي"
شارك الخبر
لا تحتاج عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي إلى الذهاب بعيدا واستدعاء المحاولة الأمريكية الفاشلة للانقلاب في تركيا لعقد المقارنة بين تجربتين، كما لا تحتاج إلى استدعاء الهزيمة في أفغانستان لنسف الأسطورة الأمريكية، وتقديم ترامب نفسه كما لو كان رامبو أو شمشون الجبار!

فالقوة الأمريكية التي سوّق لها القرصان الأمريكي مُنيت بهزيمة في فنزويلا نفسها؛ فقد وقفت الولايات المتحدة الأمريكية وراء الانقلاب على الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز في نيسان/ أبريل عام 2002. عندئذ أعلنت واشنطن دعمها للمسار الجديد، ومع أنه انقلاب عسكري مكتمل الأركان، إلا أنها وصفته بـ"الانتقال الديمقراطي". لكن شعب فنزويلا لم يستسلم لما جرى وتقف خلفه القوى الباطشة في العالم، وخرج للشوارع وفك أسر الرئيس الزعيم، وأفشل الانقلاب، رغم أنف البيت الأبيض!

التعامل مع الثغرة:

وقد تعامل هوغو تشافيز مع هذه الثغرة الداخلية بإعادة تشكيل الجيش على أساس الولاء السياسي، وربط المؤسسة العسكرية مباشرة بمصير النظام. وإن لم تعدم واشنطن حيلة، لكنها كانت بذلك تتحدى الملل، وتخوض تجربة جديدة انضمت إلى تجاربها الفاشلة من قبل ومن بعد؛ حيث دعمت إضرابا عاما واسعا باسم الديمقراطية أيضا شلّ شركة النفط الوطنية، ومضى ليل المؤامرة!

لا يمكن للمخطط الأمريكي أن ينجح إلا بتواطؤ داخلي تشارك فيه مؤسسة، وليس فقط أفراد، وعندما ينقشع الغبار سوف تصل إلينا الحقيقة من الأمريكيين أنفسهم. وقد لا يغيب هذا عن الرئيس ترامب، الذي لا يعنيه سوى اللحظة، ولا يهمه سوى اللقطة

وإذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ظهر في صورة شمشون الجبار، القادر بجيشه على اختطاف أي رئيس وفرض أي إرادة، فإن الأمر كله بدا كما فيلم "كارتون". وكيف أنه أظلم فنزويلا، وقام باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، فلا يمكن لهذه العملية أن تتم إلا بتواطؤ داخلي، يتجاوز الفرد إلى المؤسسة، وشخص وزير الدفاع ونائبة الرئيس إلى ما هو أبعد من هذا. فإذا كان الوزير يملك السيطرة على الجيش، فلا يستقيم عقلا أن يسيطر على الحرس الرئاسي الذي سمح بعملية اختطاف نظيفة لم تُطلق خلالها طلقة واحدة، وأهان بذلك الشرف العسكري. ولا يستقيم منطقا الاستسلام لرواية الرئيس الأمريكي عن قطع الكهرباء، وكأن بيت الرئيس، فضلا عن فنزويلا، ليس فيه مولدات بديلة للكهرباء، في بلد نفطي بالأساس!

فإن خان الجيش الفنزويلي نيكولاس مادورو، فقد خان هوغو تشافيز من قبل، فلا جديد في ذلك. ولا نسلم بإدانة الوزير؛ فقد يكون آخر من يعلم، وهو من نتاج إعادة تشكيل الجيش في عهد الرئيس السابق، ومكّنه هذا من الصعود، وإن لم يكن من الطبقة العسكرية المحيطة بتشافيز، مع التسليم بأن النفوس قد تتغير، والرئيس الحالي لا يمتلك كاريزما الرئيس السابق!

فلا يمكن للمخطط الأمريكي أن ينجح إلا بتواطؤ داخلي تشارك فيه مؤسسة، وليس فقط أفراد، وعندما ينقشع الغبار سوف تصل إلينا الحقيقة من الأمريكيين أنفسهم. وقد لا يغيب هذا عن الرئيس ترامب، الذي لا يعنيه سوى اللحظة، ولا يهمه سوى اللقطة. وقد صك الوجدان الشعبي العربي مصطلح "اللقطة الأمريكاني" في مجال التصوير، حيث كثافة الضوء الخارج من الكاميرا دون التقاط صورة حقيقية!

ذهب إلى شعبه يتمطّى:

بيد أن اللافت هنا أننا أمام جهر بالمعصية واستحسان لها، ولهذا ذهب ترامب إلى شعبه يتمطّى بما فعل. وكان المنطق يحتم أن تخرج المظاهرات في العالم الغربي، وفي قلب واشنطن، منددة بهذا التصرف الذي ينتمي لأزمنة كانت القوة تفرض فيها نفسها، ولم يكن هناك قانون يتم الاحتكام إليه. ونحن نشاهد خروجا سافرا على قيم التحضر، والتي أثبتت الحوادث أنها ليست أكثر من مادة للدعاية يرددها المنسحقون في عالمنا العربي عن الحضارة الغربية، وهي مادة لتبرير هذه الهزيمة النفسية، والتبرؤ من تجارب الأجداد، وكأن التجارب الغربية نقية خالية من الشوائب!

إن اختطاف رئيس دولة، والضرب بالقانون الدولي عرض الحائط وطوله، ليس جديدا، بيد أن الجديد هو الوعي بما يحدث، ومع رئيس هو أكثر قدرة من غيره على الجهر بما يفعل، وقد سيطرت عليه جينات الغزاة البيض وما فعلوه في الهنود الحمر!

وفي الربع قرن الأخير كان الاتجاه العام هو محاولة تغليف التصرفات الغربية بما يستر العورات، مثل المحاولة الفاشلة لحصول بوش الابن على موافقة دولية بأن العراق يملك أسلحة دمار شامل، وهو ما فشل فيه، إلا أن هناك من وفروا له غطاء رقيقا لذلك، فقام بالغزو، واعتقل الرئيس، وعرضه على محاكمة تفتقد لقيم العدالة، تمهيدا لإعدامه بعد ذلك بحكم تخلق في رحم البطلان!

الآن، مع ترامب، صار اللعب على المكشوف، والتباهي بالقدرات الخارقة التي لا تحتاج إلى أي غطاء أخلاقي، فذهب إلى شعبه يتمطى وهو في قمة الفخر بغزوته لاختطاف رئيس دولة أخرى، وتقديم الولايات المتحدة الأمريكية على أنها قادرة على اختطاف أي رئيس آخر. إنها الجاهلية الأولى!

شعارات باطلة:

وكعادة الغزوات الأمريكية السابقة، فإنها ترفع شعارات الديمقراطية والدفاع عنها. فترامب رفع نفس الشعار، وهو الشعار ذاته الذي تم رفعه لتأييد انقلاب عسكري على الرئيس تشافيز، ووصفه بـ"الانتقال الديمقراطي"، وهو الشعار ذاته الذي رفعوه وهم يغزون العراق، وكأن ديكتاتورية صدام كانت جديدة على حكمه، وكأنه كان حاكما ديمقراطيا من قبل! لكن ما فعلوه في سجن أبي غريب مع المعارضين للغزو يتأذى منه الاستبداد العربي، وأثبتت التجربة أن سجانيهم جلادون ينتظرون الفرصة!

فشعارات الديمقراطية هنا هي حق يُراد به باطل، وكلام يتم الضحك به على ذقون السذج في عالمنا العربي. فتاريخ الأنظمة الأمريكية المتعاقبة يثبت ذلك؛ فهم الرعاة الرسميون للطغاة في منطقة الشرق الأوسط!

ولأن الكذب ليس له رِجلان، فقد نسي ترامب الأهداف المدّعاة من غزوته، وقالها بصريح العبارة إن النفط هو هدفه، وأنه يريد لفنزويلا نظاما يمكّنه من التصرف في نفط البلاد تصرف المالك فيما يملك، وكأنها ليست بلدا ذا سيادة، وكأنه لا وجود للشعب الفنزويلي، ليطرح هذا سؤالا مفاده: هل تغيّر الشعب؟! فكما بينّا أن شعب فنزويلا خرج عقب انقلاب العسكر على الرئيس تشافيز وأعاده للحكم، فكيف صمت على ما يجري؟!

لا ننكر أن حكم فنزويلا مستبد، وآفة الاستبداد أنه يمنع الإعلام من العمل ونقل الحقائق، ثم تكون هذه أزمته هو عندما تكون في مصلحته نقل الحقيقة للخارج. ومن هنا فلا يمكن الحكم على الداخل الفنزويلي من رسائل تلفزيونية فقيرة قادمة من هناك.

محاولة الإطاحة بالرئيس هوغو تشافيز كانت بانقلاب عسكري واضح وصريح، وقد وُضع في سجن بالداخل، وهذا خدم موقف الشعب. أما الحاصل الآن فهو اختفاء المتواطئين في الداخل، ومنح الإنجاز كاملا لقرصان البيت الأبيض، والطغمة الحاكمة تظهر بريئة تماما

صحيح أن مادورو يفتقد لكاريزما تشافيز، وصحيح أن الشعب يئن من الفقر عما كان عليه الحال نسبيا في عهد الرئيس الراحل، لكن هناك فارقا كبيرا بين العمليتين الأولى والأخيرة. فمحاولة الإطاحة بالرئيس هوغو تشافيز كانت بانقلاب عسكري واضح وصريح، وقد وُضع في سجن بالداخل، وهذا خدم موقف الشعب. أما الحاصل الآن فهو اختفاء المتواطئين في الداخل، ومنح الإنجاز كاملا لقرصان البيت الأبيض، والطغمة الحاكمة تظهر بريئة تماما، فلا سجن في الداخل يمكن حصاره، ولا عدو في المواجهة يمكن التعامل معه!

رد الاعتبار للمقاومة:

وعلى كل حال، فقد ردّت الغزوة الأمريكية لفنزويلا الاعتبار للمقاومة الفلسطينية؛ فلم يستطع الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر بحسب دعايته، وفي ظهره كان يقف البيت الأبيض، أن يجلب يحيى السنوار أو أبو عبيدة إلى الداخل الإسرائيلي، لتحقيق النصر بلقطة كما ظهر الرئيس الفنزويلي!

وبمنطق القوة المعتمد لدى البيت الأبيض، فقد ردّت الغزوة الاعتبار للنضال الأفغاني، الذي دفع ترامب نفسه إلى أن يهرول في اتجاه الهروب من الجحيم، وقدّم هو ومن بعده بايدن تنازلات مهينة في المفاوضات مع طالبان. وبينما كان يتمدد بالحرارة ويتحدث عن قوة جيشه التي هي بلا حدود، كان الهروب غير المنظم للجيش الأمريكي من أفغانستان يتراءى أمام ناظري، كما تتراءى صورة الطائرة الأمريكية وقد تعلق بجناحيها العملاء الأفغان! وهو الهروب الذي لم يمكن الجيش الأمريكي الباسل من حمل كل معداته، فتركها وغادر، وعندما طالب بها الرئيس الأمريكي قال له قادة طالبان بسخرية: تعالَ خذها!

ومع هذا، وقبل هذا، فإنه بعد الغزوة الأمريكية الجبارة وهذا الاستعراض الأمريكي، لم يستطع ترامب فرض العميلة السافرة رئيسا، وهي عندما حصلت على جائزة نوبل أهدتها إليه. ولا يمكن فهم ذلك إلا أنها لن تكون مقبولة من جانب الشعب.

إن للقوة حدودا يا هذا!

x.com/selimazouz1
التعليقات (0)

خبر عاجل