يبدو
أنه تنازل عن فخامته لرئيس مصلحة
الجمارك، حيث غاب النظام
المصري، ووجد رئيس
المصلحة فراغا تمدد فيه، فصار من يصدر الفرمانات ويؤكد سريانها، ومن لا يعجبه هذا
فليشرب من البحر أو يلقي بنفسه فيه!
لقد
اشتهر المحامي محمود عطية، ضيف قناة الجزيرة مباشر لسنوات، باللقب، فكان لا ينطق
اسم الرئيس إلا مسبوقا أو متبوعا بلقب "فخامته" بصيغة الغائب أو الحاضر،
ولأنها معاملة غير مسبوقة في تاريخ الحياة السياسية المصرية، فقد كان هذا من شأنه
أن ينزع منا الابتسامات العريضة، ولو مع احتدام المناقشة عندما يشتد الوطيس، ثم
جرى التعامل الرسمي باللقب، وفي الاحتفالات الرسمية. وقد جرت التقاليد على أن اسم
الرئيس وصفته يسبقهما لقب "السيد"، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازيّنت،
لم يعد "السيد" هو المعادل الموضوعي لشاغل الموقع!
وقد
بدا لي أن "الفخامة" تم التنازل عنها لرئيس مصلحة الجمارك، في أزمة
الهاتف الجوال، فحضر الرجل وغابت السلطة، وأصدر فرمانه بإلغاء فرمان آخر يخص
الدخول بالهاتف من الخارج، وبدا لي أنه يستغل غياب السلطة عن البلاد لحضور مؤتمر
دافوس، بما في ذلك الوزير المختص، لفرض إرادته. فالجمارك ليست من الهيئات المستقلة
في الدولة المصرية، مثل المجلس الأعلى للقضاء، أو المجلس القومي لحقوق الإنسان،
والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، ولكنها مصلحة حكومية تتبع وزير المالية، والوزير
كان أيضا في دافوس، "والغائب حجته معه"!
واعتقدت
في البداية أن رئيس مصلحة الجمارك استغل هذا الفراغ، وقرر أن يضرب ضربته لصالح
صاحب "القسمة والنصيب"، فأصدر قراره التاريخي، حتى إذا عاد الغائب كان
قد فرض سياسة الأمر الواقع، وأنه لم يكن يتوقع ردة فعل الرأي العام، حد أن الأذرع
الإعلامية نددت بالقرار، وبدا أنها حريصة على نزع فتيل الأزمة، فزفت إلينا بشرى أن
أجهزة الدولة تجتمع وتبحث الخروج من الأزمة، وكنا ندرك أنها محاولة منهم للتعامل
مع حالة الاحتقان، والموضوع لا يحتاج إلى اجتماع الأجهزة، أو الانشغال بالتفكير
والبحث، وما يلزم هو فقط العودة إلى حدود ما قبل قرار صاحب الفخامة رئيس المصلحة!
بيد
أن الغائب عاد، ولم يفتح الله على الوزير المختص بكلمة في الموضوع، ومع هذا تمطى
رئيس مصلحة الجمارك، وأعلن بثقة مولانا ولي النعم أنه لا عدول عن القرار. والرجل
صار فخما، فهل بانتقال الفخامة انتقلت معها صفة التشريع إليه، فجمع بين اختصاصين
لصفتين في شخصه الكريم؛ صفة إصدار القرار (سلطة تشريعية)، وصفة تنفيذه (سلطة
تنفيذية)؟ ليكون السؤال: لماذا لم يتم نشر القرار في أي من الصحيفتين التي تنشر
بهما القوانين والقرارات، وهما "الجريدة الرسمية"، وجريدة "الوقائع
المصرية"؟!
التحايل
على الدستور والأحكام القضائية:
بداية
المشكلة لم تكن مع القرار الأخير، الذي نص على العدول عن قرار سابق، فالمشكلة بدأت
مع القرار الذي تم العدول عنه، وهو قرار معيب عندما تم تحديد هاتف جوال واحد كل
ثلاث سنوات للعائد من الخارج لا تفرض عليه الضريبة، لكن يبدو أن السكوت على هذا
القرار كان سببا في المضي قدما في اتجاه إلغائه، وفرض الضريبة على كل جهاز، وإلا
فقد صلاحيته بعد ثلاثة شهور!
وكان
الحال قديما هو السماح للعائد من الخارج بهاتف واحد جديد، بجانب جهازه القديم، لكن
بعد الصمت على قرار هاتف واحد كل ثلاث سنوات، تحرك رئيس مصلحة الجمارك خطوة للأمام
(فقد سكتنا له فدخل بحماره) كما يقول المثل المصري، مع إدغام "له" في ما
قبلها لتحقيق السجع عند النطق!
الضريبة
المقررة تمثل تحايلا على حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية فرض
ضرائب على
المصريين العاملين في الخارج. والأصل أن يسري على المنقولات التي يحملونها في
عودتهم لمصر ما يسري على أموالهم، وما يحملونه من أجهزة دفعوا ثمنها من الأموال
التي اكتسبوها في الخارج، بدون خدمة قدمتها لهم الدولة، والمصري العائد بهاتف
محمول لم يضغط على العملة الأجنبية للدولة المصرية، فضلا عن أنه يدفع ثمن الخدمات
التي تتولاها السفارات والقنصليات أضعافا مضاعفة، والتي لم يعد لها من دور تؤديه
إلا الاتجار في الاستمارات المختلفة، مثل استمارة تجديد جواز السفر، أو استخراج
بطاقة الرقم القومي، أو شهادة ميلاد للمواليد الجدد، ونحو ذلك. والضرائب تُفرض
مقابل خدمة!
كما
أن قرار سلطان زمانه رئيس مصلحة الجمارك يمثل مخالفة للدستور ولأحكام الدستورية
العليا، بأن فرض قرارات مرتبطة بجني الأموال لا يكون إلا بقانون، لكن فخامته يتصرف
في البلد تصرف المالك فيما يملك، وعندما تحضر السلطة بعد غياب في دافوس، ثم يستمر
متمددا في الفراغ، فالمعنى أنه يقوم بمهمة، فلا يعقل أن يكون رئيس المصلحة قد
استولى على الحكم في مصر!
غطرسة
المسؤول الصغير:
ومثلي
يتفهم غطرسة المسؤول الصغير، عندما يكلف الصبي نفسه بمهمة نيابة عن معلمه، الأمر
الذي ذكرني عندما تم وقف برنامج حمدي قنديل على التلفزيون المصري، وكان الجنين في
بطن أمه يعلم أنه قرار وزير الإعلام صفوت الشريف، وإزاء الهجوم على القرار، إذ
انبعث أشقاها ثروت مكي رئيس قطاع الأخبار، وتصرف كصبي محترف لمعلمه ونادى بصوت
جهير: أنا منعت برنامج حمدي قنديل، عندئذ طالبت بعدم الالتفات إليه، فمن فعلها هو
الوزير، والوزير في حالة رئيس مصلحة الجمارك صامت، صمت صفوت الشريف، وكأن "المصلحة"
دولة فوق الدولة!
لا
يمكن فهم هذا الاستفزاز إلا في إطاره الطبيعي، ليكون السؤال: لحساب من صدر قرار
الحاكم بأمره رئيس مصلحة الجمارك؟!
قد
نتفهم سياسة النظام الحالي في فرض المزيد من الرسوم والضرائب، لأنه لم يعد له من
إنجازات لجني الأموال إلا الضرائب والاستدانة، فالكباري التي استنزف فيها أموال
البلد ليست مشروعات إنتاجية، لكن اللافت هنا أن القرار تضمن أن عدم السماح بدخول
ولو هاتف واحد من الخارج بدون دفع "المعلوم" هو نظرا لقيام مصر بإقامة
مصنع لصناعته!
وتبحث
عن المصنع فلا تجد دليلا واحدا على إنشائه، فمتى أنشئ؟ ومتى تم افتتاحه؟ ومن
صاحبه؟ ليطرح هذا سؤالا: وكيف يكون الجهاز بعد تصنيعه في الداخل المصري أغلى سعرا
منه في دول الخليج مثلا، وهي التي تقوم باستيراده وليس بتصنيعه على أراضيها؟!
الأمر
ليس صحيحا، ولكن في حال صحته، أليس من العبث أن نحمي فشلا لا صناعة، على نحو ذكرنا
بفرض ضرائب مهولة على السيارات المستوردة بحجة حماية الصناعة الوطنية، وكان هذا
حماية لعملية تجميع، فكل المكونات من الخارج، لصناعة سيارات متواضعة، ورغم مرور
أكثر من نصف قرن على ذلك لم تتقدم مصر خطوة للأمام في المجال، وظل المواطن هو من
يتحمل فاتورة هذا العبث والشعارات الفارغة من أي مضمون؟!
التصدير
لدول الجوار:
لقد
دخل رئيس هيئة الاتصالات على الخط، وأعلن أن الدولة تعمل على توطين صناعة
الموبايلات في مصر وتصديره لدول الجوار.
وهنا
نحن أمام محاولة لإدخال الغش والتدليس على المواطن، فإذا صحت عملية توطين صناعة
الموبايلات في مصر، ولا دليل عليها إلى الآن، فكيف يفهم المرء تصديرها للخارج، وهي
تباع في مصر بضعف ثمنها إلا قليلا في دول الجوار المستهدف التصدير إليها، ومن هناك
جاء فرض فرق القيمة بين الخارج والداخل كرسوم وجمارك؟
هل
مصنع الموبايلات في مصر سيكون مملوكا للحكومة أم لسين من الناس؟ فلماذا لم تتم
الإجابة بشكل صريح على ذلك؟ إذا كانت النية تتجه فعلا لتوطين صناعته في المحروسة،
فلماذا لم تقم الحكومة بما هو أهم، وهو الاتفاق المباشر مع الشركات المنتجة بدون
وسطاء، لإقامة مصانع لهم مع تقديم التسهيلات اللازمة، بما يمكنه هذا من توفير
للعملة الصعبة، وتوفير فرص عمل، وإحداث حركة في السوق؟ ومما لا شك فيه أن مائة
مليون مستهلك يمثلون إغراء كبيرا لهذه الشركات، ولن يكون المصريون العاملون في
الخارج بحاجة لحمل تليفون محمول من الخارج لأنفسهم أو هدايا لذويهم، وهل يعد ترفا
أن يحمل المصري معه هاتفا لابنه أو زوجته أو صديقه، لكي تتعامل مصلحة الجمارك معه
على أنه ترف ينبغي فرض رسوما هائلة عليه؟!
لقد
بلغ العبث منتهاه، عندما تم قطع خدمة الاتصالات عن هواتف سائحين، الأصل أنه مقرر
لهم السماح لثلاثة شهور، دون أن يحاسب أحد على هذا الإجراء غير المسؤول، ثم يتبين
أن الأجنبي سيسري عليه ما يسري على المصري، فإذا كان السائح لن يبقى في البلاد كل
هذه الفترة (ثلاثة شهور)، فماذا عن الأجانب من عرب وعجم الذين يعملون أو يدرسون في
مصر، ثم تفرض عليهم ضرائب نظير حملهم هواتفهم من بلادهم، فما هي صفة الدولة
المصرية لتفرض عليهم الجزية؟!
هذه
قضية
فساد مكتملة الأركان!
x.com/selimazouz1