لا شك أن
موقف المملكة العربية السعودية فيما يتعلق بالوضع في الجمهورية العربية
اليمنية،
يتطابق مع متطلبات الأمن القومي
المصري، من حيث اليمن الموحدة، غير الخاضعة
للهيمنة الإسرائيلية، المنضوية تحت لواء الجامعة العربية، إلى غير ذلك مما يمكن أن
يساعد اليمن الشقيق على استعادة مواقفه التاريخية الداعمة للقضايا العربية، وهو ما
كان يتطلب موقفا مصريا رسميا، على المستوى نفسه، يعلن تأييده بقوة للموقف السعودي،
بمجرد قصف شحنات الأسلحة
الإماراتية، بميناء المكلا اليمني، إلا أن البيان الرسمي
الصادر عن وزارة الخارجية في هذا الصدد، لم يكن يعكس ذلك من قريب أو بعيد.
على عكس
الموقف الرسمي، كان الموقف الشعبي مغايرا تماما، حيث حالة الابتهاج الواسعة في
صفوف المواطنين على كل المستويات، الثقافية والعمرية والسياسية، إدراكا لحجم ما
تمثله الممارسات الإماراتية في المنطقة من مخاطر، لمصر بشكل خاص، في كل من
السودان، والصومال، وأرض الصومال، وإثيوبيا، واليمن، وليبيا، وفلسطين، وسوريا،
ناهيك عن ممارساتها داخل مصر، حيث الاستحواذ على صفقات تمس صميم الأمن القومي،
بذريعة الاستثمار، سواء ما يتعلق منها بشراء الأراضي، أو الموانئ، أو المصانع، أو
المستشفيات، إلى غير ذلك من أصول تاريخية وتراثية، وهو ما كان يتطلب مشاركة في
الموقف السعودي، وليس مجرد تأييده.
تقاعس النظام في مصر عن اتخاذ موقف يتناسب مع حجم وطبيعة الأحداث، حتى عندما قادت المملكة السعودية موقفا، نال احترام وتأييد العرب كافة، بدليل أنه لم يصدر عن أي من العواصم أية إدانة للقصف السعودي، الذي يرى المراقبون أيضا أنه قد تأخر كثيرا، في ضوء العبث الإماراتي بأمن واستقرار المنطقة ككل
الصمت
الرسمي المصري، تجاه ممارسات دولة الإمارات في المنطقة بشكل عام، يطرح العديد من
علامات الاستفهام، خصوصا أن تلك الممارسات تصب في نهاية الأمر في خدمة مصالح
الكيان الصهيوني كما هو واضح، بل يرى المراقبون أنها ممارسات بالوكالة عن الكيان،
ما يثير الريبة حول تقاعس النظام في مصر عن اتخاذ موقف يتناسب مع حجم وطبيعة
الأحداث، حتى عندما قادت المملكة السعودية موقفا، نال احترام وتأييد العرب كافة،
بدليل أنه لم يصدر عن أي من العواصم أية إدانة للقصف السعودي، الذي يرى المراقبون
أيضا أنه قد تأخر كثيرا، في ضوء العبث الإماراتي بأمن واستقرار المنطقة ككل.
وقد جاء
التزامن بين اعتراف الكيان الصهيوني بكيان أرض الصومال، والتصعيد تجاه انفصال جنوب
اليمن، بإيعاز من الإمارات، ليؤكد التنسيق القوي بين كل من أبو ظبي وتل أبيب فيما
يتعلق بالهيمنة على البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، وبحر العرب، في الوقت الذي
ساد فيه الصمت العربي تجاه ممارسات الإمارات في السودان وليبيا، وقبل ذلك في
الصومال وجيبوتي، وحتى تونس والجزائر، ولو من خلال تسجيل موقف للتاريخ من جامعة
الدول العربية، سواء على مستوى المندوبين أو المستوى الوزاري، على الرغم من أن
الأمر كان يتطلب موقفا صارما على مستوى القادة.
الموقف
الرسمي المصري المهادن تجاه الأحداث الساخنة في المنطقة، يلقى انتقادا شعبيا كبيرا
في كل الأحوال، وقد جاء الموقف السعودي الأخير ليضع القيادة السياسية المصرية في
موقف حرج، بل في أزمة مع شعبها، عبرت عنه الجماهير بكل لغات الحزن والأسى، وكل
أشكال السخرية والتندر، على اعتبار أن أموال الإمارات تبدو أشد تأثيرا على السلطة
التنفيذية بكل مستوياتها، أو أن مصالح الكيان الصهيوني أهم من مصالح الدولة
المصرية، وهي أوضاع استثنائية لم يألفها المواطن من قبل، خصوصا عندما يتعلق الأمر
بمستقبل الأجيال المقبلة، من ماء وغذاء واقتصاد وحدود ودول جوار وتحالفات، إلى غير
ذلك من قضايا كشفت الاختراق الإماراتي لمستويات عديدة، وتحديدا منذ عام 2013 وحتى
الآن.
ربما لم
تكن العلاقات المصرية- السعودية في أفضل حالاتها خلال السنوات الأخيرة، لأكثر من
سبب، إلا أن المؤكد أن المصالح تتلاقى في معظم القضايا، خصوصا ما يتعلق منها بأمن
البحر الأحمر، وأمن الملاحة في مضيق باب المندب، كما قناة السويس، واستقرار اليمن،
وعودة الوئام إلى كل من السودان والصومال، بل يمكن القول أنه ليس مقبولا بأي حال،
العودة لمشاحنات وتوترات ستينيات القرن الماضي، بفعل الطموحات الاشتراكية والتحررية
للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، في ظل ما تشهده المنطقة حاليا من توترات واضحة على
السطح، وبوادر عدوان على إيران، وأطماع صهيونية معلنة، بدعم أمريكي- غربي لا محدود.
ولأن
الأمر كذلك، يصبح التنسيق المصري- السعودي حتميا، على كل جبهات الصراع سالفة
الذكر، خصوصا إذا وضعنا في الاعتبار أن الكيان الصهيوني، هو اللاعب الأساسي فيها
جميعا، حتى وإن كانت دولة الإمارات رأس الحربة في معظمها، وهو ما جعل الموقف
المصري مترددا طوال الوقت، لأسباب تتعلق بدعم مالي إماراتي بين الحين والآخر، في
صورة ودائع تارة، أو شراء أصول تارة أخرى، وهو أمر لا يليق بحجم مصر من جهة، ولا
يتناسب مع مصالحها وأمنها القومي من جهة أخرى، إذا وضعنا في الاعتبار أن كل أزمات
المنطقة تستهدف مصر في المقام الأول، وتصب في صالح الكيان الصهيوني في الوقت نفسه.
لا نستطيع
إغفال أن مصر تتحاشى الصدام العسكري أو حتى السياسي مع كيان الاحتلال لأسباب
مختلفة، أهمها ذلك الدعم الأمريكي الكبير للكيان، أو بمعنى أدق: خشية إغضاب
الجبروت الأمريكي، في ظل اختطاف رؤساء، وتهديد آخرين، والتلويح بالقوة هنا وهناك،
وهي قضية يجب أن تفتح باب النقاش واسعا مع كل الطوائف، حول أهمية اصطفاف الجبهة
الداخلية، لمواجهة الأخطار الخارجية، وبشكل خاص عندما يتعلق الأمر بمصر، ذلك أن
اهتراء الجبهة الداخلية ليس أقل خطرا من التحديات الخارجية، في ضوء الإصرار على
استمرار عشرات آلاف السجناء خلف القضبان، وعشرات آلاف آخرين هاربين خارج الوطن، مع
انسداد أي أفق سياسي، يمكن أن يفتح نافذة أمل حول مستقبل أكثر اصطفافا.
يصبح موقف المملكة السعودية من أحداث اليمن بمثابة رسالة لمصر، كان يجب البناء عليه فيما يتعلق بالوجود الإماراتي في السودان على وجه التحديد، وذلك بتوجيه إنذار شديد اللهجة بالانسحاب من هناك عاجلا وليس آجلا، مع غل أيديهم عن التدخل في الشأن الليبي والصومالي
وفي كل
الأحوال، يصبح موقف المملكة السعودية من أحداث اليمن بمثابة رسالة لمصر، كان يجب
البناء عليه فيما يتعلق بالوجود الإماراتي في السودان على وجه التحديد، وذلك
بتوجيه إنذار شديد اللهجة بالانسحاب من هناك عاجلا وليس آجلا، مع غل أيديهم عن
التدخل في الشأن الليبي والصومالي في آن واحد، أيا كانت العواقب فيما يتعلق
بالعلاقات الثنائية بين البلدين، والتي لا تعدو حاليا عن كونها استحواذ على مقدرات
الدولة المصرية، وسط امتعاض شعبي منقطع النظير، في الوقت الذي ارتفعت فيه أسهم
القيادة السعودية في الأوساط الشعبية المصرية، انطلاقا من نظرية السيئ والأسوأ.
وفي هذا
الصدد تجدر الإشارة إلى الزيارة المفاجئة التي قام بها وزير الخارجية السعودي الأمير
فيصل بن فرحان آل سعود، إلى القاهرة الأسبوع الماضي، ولقاء الرئيس عبد الفتاح
السيسي، في الوقت الذي قال فيه المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية إن "اللقاء
شهد تأكيدا على تطابق الموقف المصري-السعودي، بضرورة الحفاظ على وحدة وسيادة الدول
وسلامة أراضيها، لا سيما في السودان واليمن والصومال وقطاع غزة"، وهو
بالتأكيد ما يتعارض مع ما تصبو إليه دولة الإمارات، من خلال دعم واضح لكل قوى
التمرد والانشقاق في هذه الدول، وغيرها من بلدان أخرى.
كما هو
واضح، يبدو أن أحداث 2026 سوف تكون مختلفة كثيرا عما سبقها من أحداث العام الماضي،
التكتلات مختلفة، ردود الفعل مختلفة، المواجهات سوف تكون مختلفة، الأطماع
الأمريكية في ثروات الآخرين انتقلت من حالة التهديد إلى حيز التنفيذ، نازية الكيان
الصهيوني سوف تأخذ أبعادا أكبر وأوسع نحو الحرب والعدوان، في الوقت الذي نشهد فيه
فتح جبهات قتال جديدة لم تكن متوقعة، وهو ما يجعل من عالم الضعفاء فريسة سهلة
للساديين من عشاق الدم والتوسع، الأمر الذي يحتم على النظام في مصر عدم إطالة
النظر تحت قدميه، ذلك أن أمن الأمة المصرية يبدأ من الشام شرقا، إلى المغرب العربي
غربا، حتى منابع النيل جنوبا، وتركيا واليونان شمالا، وهو ما يجب أن يعيه الكيان
الصهيوني تحديدا، من خلال ممارسات ومواقف مصرية فاعلة على أرض الواقع.