تشهد
"السوشيال ميديا" كما الشارع، في عالمنا العربي، جدلا صاخبا، كلما توفي
أحد
الطغاة أو المنافقين، قاضيا كان أو ضابطا، رئيسا كان أو أميرا، سياسيا كان أو
إعلاميا، تنفيذيا أو برلمانيا، أو أي شيء من هذا القبيل المؤثر في حياة الناس،
سلبا أو نهبا أو ظلما، نفاقا أو انبطاحا أو عمالة، ويدور السجال بين مؤيد لضرورة
تقييم هؤلاء وأولئك بعد رحيلهم، باعتبارهم شخصيات عامة، وآخرون يرون من منظور ديني
أن الأمر بعد الوفاة يستوجب الرحمة على الجميع، صالحين كانوا أم طالحين.
وفي كل
الأحوال، فإن لعنات المؤيدين والمعارضين على السواء تطارد هؤلاء، سرا وعلانية، ذلك
أن الضحايا إما لايزالون أحياء يعانون، وإما في حال رحيلهم فإن ذويهم يحملون على
عاتقهم مسؤولية الثأر، بينما يسدد ذوو الطغاة كلفة باهظة من السخط والكراهية، تظل
تطاردهم أحياء، كما تطارد أسلافهم سواء بسواء، وهو ما لم يدركه هؤلاء مبكرا، حينما
كانوا في أوج جبروتهم، يخضعون لشياطينهم، غير مبالين بما كان وما يكون.
السؤال
هو: كيف يمكن إقناع من سُجنوا ظلما بالتجاوز عن القاضي الظالم، دون شرح ملابسات
إصدار الأحكام الظالمة بحقهم، ولعنة من فعل بهم ذلك؟ كيف يمكن الضغط على ذوي من
لقي حتفه على يد ضابط قاتل، للتغاضي عن دماء سُفكت ظلما وعدوانا؟ كيف يمكن إقناع
شعب كامل بنسيان سنوات طويلة من الكبت والقهر والذل، حال موت الحاكم الظالم، دون
صب اللعنات عليه؟ كيف يمكن إقناع أطفال يتامى وأمهات ثكالى وأرامل، بالترحم على من
كان سببا في شقائهم يوما ما، فما بالنا بسنوات طويلة من الشقاء والضنك؟
أعتقد أن
القضية إذا تعاملنا معها من منظور ديني، فإن الحديث الشريف "أنتم شهداء الله
في الأرض" يعد قاعدة أصيلة حاكمة في هذا المجال، وإذا تعاملنا معها من منظور
اجتماعي، فإن توعية العامة والخاصة مسؤولية إنسانية مشتركة، انطلاقا من قاعدة
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإذا نظرنا إليها من الوجهة السياسية، فإن تقويم
أولي الأمر، في مواقعهم المختلفة، يتأتى بالدرجة الأولى من قراءة تاريخ الأولين أو
السابقين، ومدى الحكم عليهم وعلى أدائهم جماهيريا، وهو ما لن يتاح إلا بحوار
مجتمعي، في حياة المسؤول وفي مماته في آن واحد.
ولأن
حوارات التقييم في مجتمعات العالم الثالث بشكل خاص ليست متاحة في حياة المسؤولين
بشكل عام، فيصبح من الطبيعي الفضفضة فيما بعد، ويصبح من الطبيعي أيضا أن تتجاوز
عملية الفضفضة آفاقا مختلفة، إلى الشماتة والابتهاج والفرح، نتيجة سنوات طويلة من
الكبت والذل، وهو أقل ما يمكن التعبير به عن الحالة، مع الوضع في الاعتبار أننا في
نهاية الأمر أمام حالة من حرية الرأي والتعبير، كان الحرمان منها سابقا سببا في
حالة الانفجار التي نشهدها حالة أي وفاة من هذا النوع.
في الآونة
الأخيرة، شهدت مصر حالات متعددة من هذا النوع، ما بين قاض ظالم، وآخر عادل، مفكر
ملحد وآخر مشهود له بالإيمان، إعلامي منافق، وسياسي تابع، ضابط متجاوز، ومسؤول
منبطح، فكانت "السوشيال ميديا" أو الشارع بمثابة الحكم العدل على كل
هؤلاء، بصب اللعنات هنا، والدعاء بالمغفرة هناك، في دلالة بالغة على أنه لا يمكن
الاختلاف على الحق أو
الظلم، حتى وإن حاولت بعض وسائل الإعلام تجميل صورة هذا
القاضي الظالم، أو تلويث سمعة هذا السياسي أو المعارض الفاضل.
وإذا
تجاوزنا الحالة المصرية إلى المحيط العربي، فقد تكون حالة الانشغال بصحة هذا
الحاكم أو ذاك، أكثر القضايا إثارة وسخطا في الوقت الراهن، بما يشبه الإجماع،
خصوصا إذا وضعنا في الاعتبار حجم الكوارث التي تنتج عن ممارسات سياسية غير مسؤولة،
وحجم الدماء التي تسفك داخل العديد من الأوطان، نتيجة الدعم المستمر بالسلاح
والمال لمليشيات ما كان لها أن تكون، في أكثر من مكان، وفي إطار مخططات خارجية يتم
تنفيذها بأموال عربية، بهدف إثارة القلاقل في المنطقة، لا أكثر ولا أقل.
لا أعتقد
أنه يمكن السيطرة على
المشاعر الإنسانية بحرمان مواطن من الفرح والبهجة، أو حتى
الحزن والنكد، بقرار فوقي أو سيادي، فما بالنا إذا كان الأمر يتعلق به شخصيا، حال
تعرضه لظلم من هذا، أو إنصاف من ذاك. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الأمر يتعلق أكثر
بمن عاثوا في الأرض فسادا على المستوى العام داخل القطر، أو المستوى العام في المنطقة
ككل، ما أسفر عن تراجعها وتوترها، واندلاع الحروب فيها، وسقوط آلاف بل عشرات
الآلاف من القتلى والجرحى، في الوقت الذي تعج فيه عواصم الداعمين للحروب بحفلات
المجون والخلاعة والفسق والفجور.
لهذه
الأسباب وغيرها، سوف نفرح ونبتهج ونحتفل، كل بطريقته، حال رحيل هذا الظالم، أو ذاك
الطاغية، هذا الديكتاتور أو ذاك المجرم. لا أعتقد أبدا أن هناك شريعة تحرم ذلك، أو
قانونا يمنع، أو عُرفا يشجب، فما للخونة علينا حق، وما للعملاء علينا سبيل، وهو ما
يجب أن يعيه الحاكم والمحكوم في آن واحد، وما يجب أن تتعلمه الأجيال تلو الأجيال،
عل وعسى يمكننا تصدير العظة والعبرة للاحقين، والتي لا يريد أن يستوعبها من هم في
سدة الحكم الآن.