كان وزير
الخارجية التركي هاكان فيدان، في 9 شباط/ فبراير، ضيف برنامج "المنطقة
المحايدة" التي يقدمها الإعلامي أحمد هاكان جوشكون، على قناة "سي أن أن
تورك"، وأجاب على أسئلة عديدة حول التطورات الدولية والإقليمية ومواقف
تركيا
منها. وكانت الأسئلة الأولى عن المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن حول البرنامج
النووي الإيراني، واحتمال ضرب إيران من قبل الولايات المتحدة، واندلاع حرب جديدة
في المنطقة. وحين سئل فيدان: "هل يجب على تركيا امتلاك السلاح النووي"،
لم يُجِب على هذا السؤال، لا بالنفي ولا بالإيجاب، بل اكتفى بصمت طويل وابتسامة
عريضة ذات مغزى.
امتناع وزير
الخارجية التركي عن الإجابة على السؤال فتح الباب على مصراعيه أمام التفسيرات، كما
لفت انتباه وسائل الإعلام الأجنبية، على رأسها الإسرائيلية واليونانية. وقالت
صحيفة معاريف إن تل أبيب فسرت صمت فيدان بأن أنقرة لا تريد أن تكشف عن خططها في
المنطقة، فيما رأت صحيفة إسرائيل اليوم أن ابتسامة وزير الخارجية التركي كانت أقوى
من الكلمات، وأنه بعث رسالته إلى الأطراف المعنية بتلك الابتسامة.
أنقرة ترى أن سباق التسلح بأسلحة نووية يخل بالتوازنات في المنطقة، ويهدد أمنها واستقرارها، إلا أنها في ذات الوقت ترى أن من حق تركيا امتلاك السلاح النووي لحماية نفسها، في ظل امتلاك قوى إقليمية أخرى، مثل إسرائيل، ذاك السلاح
وأشار الإعلام
اليوناني إلى أن صمت فيدان أثار مخاوف أثينا التي اعتبرت عدم إجابة وزير الخارجية
التركي على السؤال اعترافا ضمنيا بأن تركيا تسعى إلى امتلاك السلاح النووي، ووصف
ذلك بـ"السيناريو السيئ".
أنقرة ترى أن
سباق التسلح بأسلحة نووية يخل بالتوازنات في المنطقة، ويهدد أمنها واستقرارها، إلا
أنها في ذات الوقت ترى أن من حق تركيا امتلاك السلاح النووي لحماية نفسها، في ظل
امتلاك قوى إقليمية أخرى، مثل إسرائيل، ذاك السلاح الرادع. ومن المؤكد أن وزير
الخارجية التركي لم يُرد أن يرفض حق بلاده في امتلاك السلاح النووي، كما لا يعني
صمته أن تركيا تسعى حاليا إلى امتلاك هذا السلاح. وإضافة إلى ذلك، لفت فيدان في
ذات البرنامج إلى ازدواجية معايير المجتمع الدولي في التعامل مع مسألة امتلاك
السلاح النووي، كما ذكر أن تركيا ستجد
نفسها مضطرة للانضمام إلى سباق التسلح النووي في حال امتلكت أي من دول الجوار سلاحا نوويا.
لا يخفى على
المتابعين للشأن التركي أن أنقرة تسابق الزمن في تعزيز قدرات الجيش التركي وتسليحه
بأسلحة حديثة وذخائر متطورة، ويرى بعض المحللين أن على تركيا أن تمتلك السلاح النووي
لتتويج القفزة الكبيرة التي حققتها في مجال الصناعات الدفاعية. ولكن هذا الأمر يجب
التعامل معه بحذر شديد، نظرا لحساسيته وخطورته، كما أنه يجب أن لا يُنسى أن هناك
دولا تمتلك السلاح النووي أو تسعى لامتلاكه، مثل باكستان وإيران، ولا بد من النظر
في تجارب تلك الدول وأوضاعها، واتخاذ دروس وعبر منها.
باكستان قوة
نووية منذ زمن بعيد، إلا أنه يستحيل القول بأن امتلاك السلاح النووي ضمن لها
ولشعبها الأمن والاستقرار والرفاهية. وبعبارة أخرى، أن امتلاك السلاح النووي لا
يكفي وحده لترتقي أي دولة إلى مستوى الدول المتقدمة التي توفر لشعوبها حياة كريمة،
بل هناك عوامل أخرى تأتي في ترتيب الأولويات قبل امتلاك السلاح النووي،
كتحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية، وتعزيز الجبهة الداخلية والتلاحم بين الشعب
والحكومة، من خلال إجراء الإصلاحات المطلوبة وضمان الحريات.
من الطبيعي إخفاء الأسرار العسكرية، إلا أن أي برنامج نووي عسكري يكاد يستحيل إخفاؤه تماما في ظروف اليوم، ولكن يمكن إخفاء الرغبة في إطلاق برنامج للحصول على السلاح النووي
إيران تسعى منذ
سنين إلى امتلاك السلاح النووي، وتعرضت بسبب برنامجها النووي لعقوبات قاسية دفع
ثمنها الشعب الإيراني. كما أن طهران لم تستطع أن تحمي مواقعها النووية من الضربات،
وقادتها العسكريين ومهندسيها النوويين من الاغتيالات. وها هي اليوم تتفاوض مع
الولايات المتحدة؛ إما ستتخلى عن برنامجها النووي وإما ستتعرض لضربات الجيش
الأمريكي الذي يواصل حشد قواته على المناطق المحيطة بإيران. وهذا يعني أن بناء
قدرات سياسية واقتصادية وعسكرية تحمي البرنامج النووي يجب أن يكون مقدما على السعي
لامتلاك السلاح النووي، كيلا تذهب كل الجهود المبذولة في سبيل ذلك هباء منثورا.
تركيا لديها
برنامج لاستخدام
الطاقة النووية لأغراض مدنية، وسيتم قريبا تشغيل أول مفاعل في
محطة أكُّويو النووية لتوليد الكهرباء. ويضم مشروع محطة أكُّويو في محافظة مرسين
أربعة مفاعلات نووية، ومن المتوقع أن يتم تشغيل المفاعلات الثلاثة الأخرى في
السنوات القادمة، كما أن تركيا تخطط لبناء محطات نووية جديدة لتوليد الكهرباء من
أجل تعزيز أمن الطاقة، وتقليص الاعتماد على الخارج، وضمان التنمية المستدامة. إلا
أن البرنامج النووي لأغراض عسكرية أمر آخر يختلف عن البرنامج النووي السلمي.
تركيا لديها
مشاريع عسكرية عديدة، منها معلن ومنها غير معلن، كما أن بعض تلك المشاريع يتم
الكشف عنها حين تدخل الخدمة بعد الانتهاء من مراحل التطوير والاختبار. ومن الطبيعي
إخفاء الأسرار العسكرية، إلا أن أي برنامج نووي عسكري يكاد يستحيل إخفاؤه تماما في
ظروف اليوم، ولكن يمكن إخفاء الرغبة في إطلاق برنامج للحصول على السلاح النووي حتى
تتهيأ له الظروف والإمكانيات.
x.com/ismail_yasa