قراءة في التحالف التركي السعودي الباكستاني المرتقب

إسماعيل ياشا
"التحالف بين الدول الإسلامية الوازنة يخدم العالم الإسلامي"- الأناضول
"التحالف بين الدول الإسلامية الوازنة يخدم العالم الإسلامي"- الأناضول
شارك الخبر
ذكرت وسائل الإعلام التركية أن رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان، سيزور السعودية ومصر في الثالث والرابع من شباط/ فبراير القادم، في ظل التطورات الإقليمية الساخنة، والأنباء التي تشير إلى رغبة أنقرة في الانضمام إلى التحالف الدفاعي الاستراتيجي بين إسلام آباد والرياض. وكان وزير الإنتاج الدفاعي الباكستاني رضا حياة حراج، ذكر قبل أيام أن باكستان والسعودية وتركيا أعدت مسودة اتفاق دفاعي بعد مفاوضات استمرّت نحو عام، مشيرا إلى أن الدول الثلاث تجري حاليا مداولات داخلية بشأنها.

ليست هناك تفاصيل حتى الآن عن مضمون مسودة الاتفاق الثلاثي، إلا أن الوزير الباكستاني أشار إلى أنه منفصل عن الاتفاق الثنائي السعودي الباكستاني المعلن العام الماضي، وهو أمر مفهوم نظرا لطبيعة العلاقات بين السعودية وباكستان واختلافها عن العلاقات السعودية التركية التي شهدت قبل عدة سنوات تدهورا غير مسبوق. ومع ذلك، لقي مجرد احتمال توقيع اتفاقية دفاعية بين ثلاث دول إسلامية ذات ثقل، ترحيبا واسعا.
التحديات التي تواجه المنطقة تفرض على دولها إعادة النظر في حساباتها لحماية أمنها القومي بمختلف الطرق، مثل تطوير صناعاتها الدفاعية لتعزيز قوة جيوشها وتوسيع تحالفاتها من أجل التصدي لخطط إعادة ترسيم خارطة المنطقة
وقال رئيس قطر الأسبق الشيخ حمد بن جاسم بن جبر، في تعليقه على احتمال انضمام تركيا ومصر إلى التحالف السعودي الباكستاني، إنه يشكل خطوة مهمة لحماية المنطقة، داعيا دول الخليج للانضمام إلى هذا التحالف.

التحديات التي تواجه المنطقة تفرض على دولها إعادة النظر في حساباتها لحماية أمنها القومي بمختلف الطرق، مثل تطوير صناعاتها الدفاعية لتعزيز قوة جيوشها وتوسيع تحالفاتها من أجل التصدي لخطط إعادة ترسيم خارطة المنطقة وتقسيم دولها. ومن المعلوم أن تركيا حققت في السنوات الأخيرة قفزة نوعية في مجال الإنتاج العسكري عموما والطائرات المسيرة على وجه الخصوص، وتسعى إلى تتويج هذا النجاح وتطويره بالتحالف والشراكة مع الدول الإسلامية الصديقة.

التحالف بين الدول الإسلامية الوازنة يخدم العالم الإسلامي وقضايا المسلمين، إن بني على أسس سليمة وتم استغلاله كما ينبغي. ولعل أولى فوائده أنه يبطل الدعاية التي تروجها إسرائيل بأن دول المنطقة بحاجة إلى التطبيع والتحالف معها لحماية أمنها القومي. وكانت تل أبيب تسعى إلى استمالة الرياض لتنضم إلى الدول التي وقعت معها اتفاقية أبراهام، إلا أن السعودية اتجهت إلى البحث عن خيارات أخرى لحماية نفسها ومواجهة التهديدات الإقليمية، بدلا من الارتماء في أحضان إسرائيل.

العربدة الإسرائيلية التي ازدادت شراستها بعد عملية طوفان الأقصى، دفعت دول المنطقة إلى مراجعة حساباتها، كما أن سماح الولايات المتحدة لإسرائيل بضرب قطر هز ثقة حلفاء واشنطن بالمظلة الأمريكية. وبدأت غيوم الحرب تتكثف فوق الشرق الأوسط، فيما تتشكل تحالفات إقليمية، مثل تحالف إسرائيل واليونان وقبرص الجنوبية، وتحالف إسرائيل والإمارات والهند. وإضافة إلى ذلك، تشهد العلاقات السعودية الإماراتية توترا فجَّره خلاف البلدين في الملف اليمني وتحرك الرياض لكبح جماح أبو ظبي. ومن المؤكد أن الظروف الدولية والإقليمية أسهمت في التقارب التركي السعودي ودفعت البلدين باتجاه بعضهما البعض.

تحالف تركيا مع السعودية لا يعني تطابق المواقف ووجهات النظر في جميع القضايا والملفات، ولكن البلدين يمكن أن يتركا خلافاتهما جانبا ليعززا شراكتهما فيما يتفقان عليه ضمن مصالحهما المشتركة

العلاقات التركية الباكستانية متميزة، وتتعاون أنقرة وإسلام آباد في عدد من المشاريع الدفاعية. وتبني تركيا سفن كورفيت للبحرية الباكستانية، بالإضافة إلى قيامها بتحديث عشرات طائرات "أف-16" للجيش الباكستاني، وتستعد تركيا لإنشاء مصنع في باكستان للطائرات المسيرة. كما أن السعودية أبرمت في عام 2023 صفقة مع تركيا لشراء عدد من طائرات "بيرقدار أكينجي" المسيرة. وترغب تركيا في انضمام باكستان والسعودية إلى برنامج مقاتلتها الوطنية من الجيل الخامس "كآن"، ومن المؤكد أن انضمام البلدين إلى هذا البرنامج الإستراتيجي سيعززه، وسيسرعه، وسيريح تركيا في تمويله.

التحالف الثلاثي، إن تم توقيعه، فسيؤدي أيضا إلى تعزيز العلاقات التركية السعودية، وزوال "فوبيا تركيا" التي أصيبت بها الرياض بعد تفجر ثورات الربيع العربي ووقوف أنقرة إلى جانب مطالب الشعوب الثائرة وتطلعاتها. وكانت تلك الفوبيا التي أسهمت الإمارات آنذاك في تأجيجها وبلغت ذروتها إثر اغتيال الصحفي جمال خاشقجي، دفعت السعودية إلى التقارب مع اليونان وقبرص الجنوبية، ودعم قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، نكاية بتركيا. وبعد انطفاء جذوة الربيع العربي والجهود الدبلوماسية التي بذلتها أنقرة لترميم علاقاتها مع كل من الرياض والقاهرة وأبو ظبي، خفَّت "فوبيا تركيا" لدى تلك الدول.

تحالف تركيا مع السعودية لا يعني تطابق المواقف ووجهات النظر في جميع القضايا والملفات، ولكن البلدين يمكن أن يتركا خلافاتهما جانبا ليعززا شراكتهما فيما يتفقان عليه ضمن مصالحهما المشتركة. وهو ما كان يدعو إليه الزميل الشهيد جمال خاشقجي رحمه الله قبل اغتياله، ولم تجد دعوته آنذاك آذانا صاغية، إلا أن أمنيته يمكن أن تتحقق اليوم بعد أكثر من سبع سنوات من رحيله.

x.com/ismail_yasa
التعليقات (0)