طُويت صفحة
الإرهاب الانفصالي في الجزيرة السورية بالعملية العسكرية التي قام بها الجيش
السوري لتطهير حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، ثم امتدّت إلى مناطق أخرى
غرب الفرات كانت تحتلها قوات
سوريا الديمقراطية "
قسد". وجاء الاتفاق
الأخير الذي وقَّعه الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي
ليدفن الأحلام الانفصالية ومشاريع التقسيم، ويعلن أن سوريا لا مكان فيها لحزب
العمال الكردستاني. كما أزالت التطورات الأخيرة
عائقا كبيرا كان يقف أمام تقدم مشروع "
تركيا خالية من الإرهاب" الذي
يهدف إلى دفع جميع فروع حزب العمال الكردستاني في المنطقة لإلقاء
السلاح. وكان ذاك العائق يتمثل في ادعاء الفرع السوري للتنظيم الإرهابي
الانفصالي بأن دعوة زعيم التنظيم ومؤسسه، عبد الله أوجلان، إلى إلقاء السلاح لا
تشمله، وإصراره على مواصلة أنشطته الإرهابية والانفصالية.
قادة التنظيم
الإرهابي ظنوا أن بإمكانهم أن يقيموا دولة كردية على جزء من الأراضي السورية، إن
استغلوا ظروف الربيع العربي والثورة السورية. وتعاونوا مع النظام البائد في قمع
المظاهرات الاحتجاجية، ثم حصلوا على دعم سخي من الولايات المتحدة بدعوى محاربة
تنظيم "داعش" الإرهابي.
الاتفاق الأخير لصالح سوريا وأكرادها، إلا أن حزب العمال الكردستاني قد لا يلتزم به رغم توقيعه من قبل مظلوم عبدي؛ لأن الأحداث كشفت عن خلافات عميقة في صفوف قادة التنظيم الإرهابي العابر للحدود وخيبة أمل كبيرة بين عناصره ومؤيديه
ولما نجحت الثورة السورية في إسقاط النظام وأدرك
قادة التنظيم بأن الظروف لم تعد مواتية للانفصال، بدأوا يطالبون بالفيدرالية
لحماية "الإدارة الذاتية" التي أقاموها في الجزيرة السورية. وبعد
العملية العسكرية الأخيرة التي قام بها الجيش السوري، حتى حلم الفيدرالية أو اللا مركزية
أصبح من الماضي.
الاتفاق الأخير
لصالح سوريا وأكرادها، إلا أن حزب العمال الكردستاني قد لا يلتزم به رغم توقيعه من
قبل مظلوم عبدي؛ لأن الأحداث كشفت عن خلافات عميقة في صفوف قادة التنظيم الإرهابي
العابر للحدود وخيبة أمل كبيرة بين عناصره ومؤيديه؛ لأنهم كانوا يحلمون حتى الأمس
القريب بالانفصال وإقامة دولة مستقلة أو إقليم يتمتع بالحكم الذاتي في شؤونه
الداخلية، ولكن كل تلك الأحلام تبخرت في يوم وليلة. وإضافة إلى ذلك، فقد التنظيم
الإرهابي سيطرته على حقول النفط والغاز، كما انشقت عشائر عربية كانت تدعمه تحت
مظلة "قسد".
حزب العمال
الكردستاني احتل ثلث الأراضي السورية بدعم الولايات المتحدة، ولما غابت المساندة
الجوية له انكشف ضعفه، وجاء الانهيار السريع. كما أن التنظيم الإرهابي الانفصالي
تجاهل حقائق الديموغرافيا وظن أن بإمكانه أن يحكم المناطق العربية، مثل دير الزور
والرقة، بالحديد والنار. ولم يأت الدعم الذي كان ينتظره؛ لا من الولايات المتحدة
ولا من إسرائيل، رغم مناشداتهم المتكررة، وبالتالي أصيبوا بصدمة. ودفعت هذه الصدمة
قادة حزب العمال الكردستاني وعناصره إلى التخبط وعدم تقبل الحقائق، واتهام واشنطن
وتل أبيب بالتخلي عنهم. كما أن مؤيدي التنظيم الإرهابي الانفصالي الذين صدَّقوا
أكاذيب قادته حين قالوا إنهم يملكون 100 ألف مقاتل وجيشا قادرا على الزحف نحو دمشق
للسيطرة عليها، أصيبوا بخيبة أمل كبيرة لما رأوا هروب عناصر التنظيم دون قتال
يذكر، رغم كل تلك الاستعدادات وحفر الخنادق والأسلحة التي أعطتهم إياها الولايات
المتحدة.
أنقرة أكدت مرارا
أنها لن تسمح بتقسيم سوريا مهما كان الثمن، وقام الجيش التركي بعدة عمليات عسكرية
لمنع إقامة ممر إرهابي على حدودها. وبعد الهزيمة التي مُنيت بها "قسد"
أمام الجيش السوري وفقدان سيطرتها على معظم الأراضي التي كانت تحتلها، أعاد
الأتراك تغريدة رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان، التي نشرها في 26 يونيو/
حزيران 2015 وقال فيها: "أقول للعالم كله: مهما كان الثمن، لن نسمح أبدا
بإقامة دولة في جنوب تركيا وشمال سوريا".
إرهاب حزب العمال
الكردستاني انتهى في سوريا بعد هزيمته المدوية كما انتهى قبل ذلك في تركيا، إلا أن
مطاردة فلوله قد تستمر لمدة في ظل إصرار قادة التنظيم القابعين في جبال قنديل على
مواصلة الإرهاب. ولم يدرك هؤلاء أن التوازنات في سوريا والمنطقة تغيرت تماما، وأن
الظروف الدولية والإقليمية ليست لصالحهم، في ظل انشغال الولايات المتحدة والدول
الأوروبية بالخلاف الذي فجره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحاته حول جزيرة غرينلاند.
مشروع "تركيا خالية من الإرهاب" سيحقق أهدافه، سواء تخلى حزب العمال الكردستاني عن الإرهاب أو تراجع عن إلقاء السلاح
ورقة محاربة
"داعش" التي استغلتها "قسد" في احتلال ثلث الأراضي السورية
احترقت تماما بعد أن أعلن السفير الأمريكي لدى أنقرة ومبعوث واشنطن إلى سوريا، توماس
باراك، انتهاء الغرض الأصلي لـ"قسد" كقوة رئيسية لمكافحة داعش، مضيفا أن
دمشق مستعدة ومؤهلة الآن لتولي المسؤوليات الأمنية والسيطرة على مراكز احتجاز
عناصر "داعش". ولقَّن ضربة قاتلة لأحلام التنظيم الإرهابي الانفصالي حين
قال إن أعظم فرصة للأكراد في سوريا تكمن حاليا في ظل الحكومة الجديدة بقيادة
الرئيس الشرع. كما قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتذكير "قسد" أنها
ليست حليف الولايات المتحدة، بل تم توظيفها ودفعت لها مبالغ هائلة وانتهت وظيفتها.
مشروع
"تركيا خالية من الإرهاب" سيحقق أهدافه، سواء تخلى حزب العمال
الكردستاني عن الإرهاب أو تراجع عن إلقاء السلاح. ولم يبق أمامه عائق يذكر بعد
الهزيمة المدوية التي مني بها التنظيم الإرهابي في سوريا. وهناك فرصة ثمينة لترسيخ
قواعد التعايش ودعائم التآخي بين شعوب المنطقة من العرب والترك والكرد، بعد منح
الأكراد كافة حقوقهم وطي صفحة حزب العمال الكردستاني الذي قام لعقود بتسميم علاقات
الأكراد مع العرب والأتراك.
x.com/ismail_yasa