وافقت لجنة
"التضامن الوطني والأخوّة والديمقراطية" البرلمانية المعنية بمشروع
"
تركيا خالية من
الإرهاب"، بأصوات أغلبية أعضائها الأسبوع الماضي، على
تقرير يتضمن حزمة من الإصلاحات الإدارية والقانونية المقترحة. وكانت اللجنة بدأت
أعمالها في آب/ أغسطس الماضي لترسم إطارا للخطوات الإدارية والقانونية التي سيتم
تقديمها ضمن المشروع الهادف إلى طي صفحة الإرهاب الانفصالي. وبإنهاء اللجنة
أعمالها بإقرار هذا التقرير، تجاوز المشروع الطموح عتبة مهمة نحو الوصول إلى
أهدافه.
التقرير يتألف من
60 صفحة، ويقترح إصلاحات لتعزيز الجهود المبذولة من أجل إنهاء أنشطة حزب العمال
الكردستاني داخل البلاد وخارجها، ويشير إلى أن التقدم في تلك الإصلاحات لا يمكن
فصله عن تسليم التنظيم الإرهابي سلاحه. وفي هذه النقطة، يأتي دور جهاز الاستخبارات
الوطنية التركي الذي سيراقب عملية نزع سلاح حزب
العمال الكردستاني، ليتأكد من أن
التنظيم الإرهابي الذي أعلن عن حل نفسه التزم بتعهده وقام بتسليم كافة أسلحته.
الحكومة التركية تبدو متفائلة بنجاح مشروع "تركيا خالية من الإرهاب"، إلا أنه لا يمكن القول بوجود ذات التفاؤل في الشارع التركي، في ظل غياب الثقة بوعود قادة حزب العمال الكردستاني
هناك ثلاثة آراء
في التعديلات الإدارية والقانونية المقترحة؛ فيرى الأول أن هذه الإصلاحات يجب أن
تتم فورا دون انتظار نزع سلاح حزب العمال الكردستاني، فيما يرى الثاني أنه لا بد
من التريث والانتظار حتى يؤكد جهاز الاستخبارات الوطنية أن التنظيم الإرهابي قام
بتسليم جميع أسلحته. وأما الرأي الثالث فيقول إن بعض التعديلات يمكن إجراؤها على
وجه السرعة في إطار الإصلاحات الديمقراطية، إلا أن البقية من التعديلات المقترحة،
كتلك المتعلقة بدمج عناصر حزب العمال الكردستاني في المجتمع التركي، يجب أن تجري
بعد التأكد من نزع السلاح.
التقرير يقدم
إطارا عاما ويعتبر خارطة طريق لمرحلة ما بعد حزب العمال الكردستاني، ولكن هناك
قراءات وتفسيرات مختلفة له، الأمر الذي يشير إلى خلافات محتملة يمكن أن تنفجر أثناء
التطبيق. ومن المبكر الآن التكهن في مصير التقرير، إلا أن الأطراف المعنية بنجاح
المشروع يجب أن تضع نصب أعينها أن الشيطان يكمن في التفاصيل، وأن تستعد للتصدي
لمحاولات إفشال المسار من خلال أعمال وتصريحات استفزازية وتأجيج خلافات في تفسير
بنود التقرير وتطبيقها.
الكرة الآن في
ملعب حزب العمال الكردستاني، فإن كان التنظيم الإرهابي يريد إنهاء القتال ضد
القوات التركية، كما أعلن، فعليه تسليم جميع أسلحته، وحل قيادته، والتخلي تماما عن
أحلامه الانفصالية. وحتى اللحظة، لم يتم تسليم السلاح، بل اكتفى التنظيم بإقامة
مراسم حرق السلاح بالقرب من مدينة السليمانية العراقية كخطوة رمزية، كما أن قيادة
حزب العمال الكردستاني تواصل أنشطتها دون انقطاع. وهو ما أشار إليه رئيس حزب
الحركة القومية دولت بهتشلي، أمس الثلاثاء، في كلمته أمام نواب حزبه، قائلا إن
القيادة العليا لحزب العمال الكردستاني يجب أن تحل نفسها فورا كي يتم تقديم
الخطوات السياسية والقانونية. وإضافة إلى ذلك، ما زال الفرع السوري لحزب العمال
الكردستاني يطالب بالحكم الذاتي في المناطق ذات الأغلبية الكردية، كما صرح قائد
قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، مظلوم عبدي، ليمهد الطريق لتحقيق حلم
الانفصال في المستقبل.
الحكومة التركية
تبدو متفائلة بنجاح مشروع "تركيا خالية من الإرهاب"، إلا أنه لا يمكن
القول بوجود ذات التفاؤل في الشارع التركي، في ظل غياب الثقة بوعود قادة حزب
العمال الكردستاني الذين قد يتنصلون من تعهداتهم ليرجع التنظيم إلى أعماله
الإرهابية بدعم قوى دولية وإقليمية وتشجيعها. وبالتالي،
مشروع "تركيا خالية من الإرهاب" لا يهدف إلى شرعنة حزب العمال الكردستاني وإرهابه، بل التنظيم الإرهابي سيبقى مدانا حتى بعد حل نفسه وتفكيك جميع فروعه
لا يُتوقع أن تقدم الحكومة
على إجراء جميع التعديلات المقترحة في التقرير قبل أوانها، لأنه يعد مغامرة كبيرة
قد تدفع ثمنها غاليا بتراجع شعبيتها في حال فشلت الجهود المبذولة لطي صفحة الإرهاب
الانفصالي.
موافقة اللجنة
البرلمانية على التقرير بتصويت 47 نائبا لصالحه، في مقابل رفض نائبين وامتناع آخر
من أعضائها، نجاح لا يستهان، وبها قطع مشروع "تركيا خالية من الإرهاب"
شوطا جديدا نحو أهدافه، ولكن الطريق الذي أمامه ما زال مليئا بالعقبات والتحديات.
وعلى الحكومة التركية أن تدير هذه المرحلة بحساسية بالغة تراعي مشاعر الشارع
التركي، كي لا يشعر بأن الحكومة تقدم تنازلات مجانية إلى التنظيم الإرهابي، وأن
الإرهابيين الذين تلطخت أيديهم بدماء الجنود ورجال الأمن والمدنيين سيفلتون من
العقاب بحجة دمجهم في المجتمع.
نجاح دمج عناصر
حزب العمال الكردستاني في المجتمع التركي، مرهون بمدى نجاح إقناع هؤلاء بالتخلي عن
أيديولوجية العنف والإرهاب، كما أنهم يجب أن يبتعدوا عن رفع شعارات التنظيم
وأعلامه والدعاية له ولأنشطته، وأن يتجنب استفزاز الشارع التركي بعد عودتهم إلى
الحياة المدنية؛ لأن مشروع "تركيا خالية من الإرهاب" لا يهدف إلى شرعنة
حزب العمال الكردستاني وإرهابه، بل التنظيم الإرهابي سيبقى مدانا حتى بعد حل نفسه
وتفكيك جميع فروعه.
x.com/ismail_yasa