انتشار الإدمان يدق ناقوس الخطر في تركيا

إسماعيل ياشا
"الفاجعة الغريبة على المجتمع التركي، أثارت نقاشا ساخنا حول الأسباب التي دفعت الفتى إلى ارتكاب تلك الجريمة"- الأناضول
"الفاجعة الغريبة على المجتمع التركي، أثارت نقاشا ساخنا حول الأسباب التي دفعت الفتى إلى ارتكاب تلك الجريمة"- الأناضول
شارك الخبر
أعلنت وزارة التعليم التركية عن حزمة من التدابير للحيلولة دون وقوع حوادث عنف في المدارس على غرار الهجوم المسلح الذي استهدف في 15 أبريل/ نيسان الماضي مدرسة متوسطة في مدينة قهرمان مرعش، وراح ضحيته 10 قتلى، بالإضافة إلى عدد من المصابين. وكان جميع الضحايا من الطلاب والطالبات الصغار، باستثناء مُدَرِّسة كانت تحاول أن تحمي الأطفال، كما أن المهاجم كان فتى يبلغ من العمر 14 عاما فقط. وكانت الفاجعة الغريبة على المجتمع التركي، أثارت نقاشا ساخنا حول الأسباب التي دفعت الفتى إلى ارتكاب تلك الجريمة المروعة.

الباحث التركي عثمان آتالاي، عضو مجلس الأمناء لهيئة الإغاثة التركية (İHH)، لفت الأنظار إلى خطر محدق يهدد مستقبل البلاد ويمكن عده ضمن أسباب العنف المدرسي، وهو انتشار الإدمان بكل أنواعه. وأعلن آتالاي، في مؤتمر صحفي عقده قبل أيام، عن التقرير الذي أعده بعد لقاءات أجراها في 42 محافظة تركية مع الأطباء والمدرسين ورجال الدين وأسر المدمنين ومسؤولي مراكز العلاج ومؤسسات المجتمع المدني المعنية. ويشير التقرير الذي يحمل عنوان "دور المجتمع المدني في مكافحة الإدمان: التحديات والحلول الإستراتيجية المقترحة"، إلى إحصائيات مخيفة عن مدى انتشار إدمان السجائر والمشروبات الكحولية والمخدرات، وإدمان القمار والمراهنات القانونية وغير القانونية، وإدمان الألعاب الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، بين الشباب والمراهقين وحتى الأطفال الصغار.

إحصائيات مخيفة عن مدى انتشار إدمان السجائر والمشروبات الكحولية والمخدرات، وإدمان القمار والمراهنات القانونية وغير القانونية، وإدمان الألعاب الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، بين الشباب والمراهقين وحتى الأطفال الصغار

سن بداية الإدمان على المخدرات والمشروبات الكحولية والمراهنات انخفض من 15 عاما إلى 13 عاما، وفقا للتقرير، ويبدأ إدمان أكثر من 71 في المائة من المدمنين في مراحل عمرية مبكرة تتراوح ما بين 15 عاما و24 عاما. ويقول آتالاي إن برامج الوقاية من الإدمان على المخدرات والمشروبات الكحولية يجب أن تستهدف بالدرجة الأولى هذه الفئة العمرية. وتشير الإحصائيات إلى أن أكثر من 74 في المائة من المدمنين تعاطوا المخدرات لأول مرة بتشجيع أصدقائهم والبيئة المحيطة بهم، الأمر الذي يؤكد مدى أهمية اختيار الأصدقاء، بالإضافة إلى مسؤولية الأسرة والحكومة ومؤسسات المجتمع المدني في خلق بيئات صالحة للأطفال والمراهقين والشباب.

التقرير الذي يؤكد أن ظاهرة الإدمان في تركيا بلغت مستويات متقدمة، وانتشرت في كافة شرائح المجتمع. يذكر أن ما بين 10 ملايين و30 مليون من المواطنين مدمنون بالقمار والمراهنات، بالإضافة إلى 6 ملايين مدمن بالمشروبات الكحولية، وحوالي 7 ملايين مدمن بالمخدرات. ويلفت الأنظار إلى أن صلة المراهقين والشباب بمؤسسات المجتمع المدني والحياة الاجتماعية تضعف، وأن الأجيال الناشئة تميل إلى الانعزال والانغلاق واللجوء إلى العالم الافتراضي ومنصات التواصل الاجتماعي.

آتالاي يرى أن ألعاب اليانصيب والمراهنات القانونية بوابة للأخرى غير القانونية، ويذكر أن عدد تلك الألعاب القانونية ارتفع إلى 13 عام 2023 بعد أن كان 5 عام 2002. ويطالب بتقييد الوصول إلى أماكن بيع المشروبات الكحولية وفروع ألعاب اليانصيب والمراهنات القانونية، مضيفا أن الإنترنت سهَّل وصول المراهقين والشباب إلى مواقع المراهنات غير القانونية وانتشار القمار الافتراضي بين الطلاب، وأن الدراسات الميدانية التي أجريت عام 2024 تشير إلى أن سدس المواطنين يلعبون القمار وأن الأغلبية الساحقة من الطلاب يتعرفون على ألعاب القمار والمراهنات عبر منصات التواصل الاجتماعي.

الإدمان على الألعاب الإلكترونية والتكنولوجيا قصة أخرى، وينخفض فيه سن البداية إلى 5 أعوام. ويقول 90 في المائة من الشباب، وفقا للتقرير، إنهم يشعرون بالسعادة حين يتواجدون في منصات التواصل الاجتماعي. ويقول 76 في المائة منهم إنهم يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي للتواصل مع أصدقائهم، كما يستخدم 64 في المائة من المواطنين الأجهزة التكنولوجية للتسلية. ويذكر التقرير بعض علامات الإدمان على استخدام منصات التواصل الاجتماعي، مثل الكذب حول مدة الاستخدام اليومي وفشل محاولات تقليل تلك المدة، والابتعاد عن الأهل والأصدقاء لمتابعة ما ينشر في تلك المنصات، والشعور بالقلق في حال عدم التمكن من الوصول إليها.

تعزيز أواصر الأسرة وحمايتها مكافحة الإدمان بعزم وصرامة، ومعالجته من جذوره بدلا من اللجوء إلى حلول مؤقتة

التقرير الذي أعده آتالاي لتسليط الضوء على خطر الإدمان، يقول إن نسبة نجاح البرامج الحالية في علاج الإدمان على تعاطي المخدرات لا تتجاوز 3 في المائة، ويقدم عدة مقترحات لمكافحة كافة أنواع الإدمان. ولعل الاقتراح الأهم هو تأسيس رئاسة لمكافحة الإدمان تابعة لرئاسة الجمهورية أو تحويل الهيئة العليا لمكافحة الإدمان إلى مؤسسة ذات كوادر وميزانية من أجل تنظيم الفعاليات ومتابعتها بالتنسيق والتعاون مع جميع الجهات المعنية. كما يقترح إقامة برامج توعوية مكثفة في المدارس لرفع مستوى الوعي لدى الطلاب بشأن أضرار الإدمان. ويذكر أن العلاج الناجح للإدمان يعتمد بنسبة 10 في المائة على الجانب الطبي، و15 في المائة على الجانب السيكولوجي، و75 في المائة على الجانب الاجتماعي، وبالتالي، يقترح تأسيس "قرى" لعلاج الإدمان في بيئة اجتماعية صالحة.

الحكومة التركية أعلنت السنوات العشر من 2026 إلى 2035 "عقد الأسرة والسكان" لحماية الأسرة واستمرارية الأجيال وتشجيع الزواج ورفع معدل الخصوبة. ويتطلب تعزيز أواصر الأسرة وحمايتها مكافحة الإدمان بعزم وصرامة، ومعالجته من جذوره بدلا من اللجوء إلى حلول مؤقتة، لأن ظاهرة الإدمان بكل أنواعها تهدد الأسرة وتؤدي في كثير من الحالات إلى تفككها.

x.com/ismail_yasa


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)