جهل قادة إسرائيل بحقائق الساحة السياسية التركية!

إسماعيل ياشا
"القادة الإسرائيليون يريدون أن يعتقد الجميع بأن تركيا بقيادة أردوغان تشكل خطرا، مثل إيران"- الأناضول
"القادة الإسرائيليون يريدون أن يعتقد الجميع بأن تركيا بقيادة أردوغان تشكل خطرا، مثل إيران"- الأناضول
شارك الخبر
هاجم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان، وقال في حسابه بمنصة "إكس" إن إسرائيل تحت قيادته ستستمر في محاربة نظام إيران ووكلائه، ووصف النظام الإيراني بـ"الإرهابي"، واتهم أردوغان بـ"التسامح معهم، وقتل مواطنيه الأكراد". وانضم وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس، إلى نتنياهو في الهجوم على الرئيس التركي قائلا: "أردوغان، الذي لم يرد على إطلاق صواريخ من إيران على الأراضي التركية وكشف أنه نمر من ورق، يهرب إلى مناطق معاداة السامية، ويعلن عن محاكمات ميدانية في تركيا ضد القيادة السياسية والعسكرية لإسرائيل".

الوزراء والمسؤولون الأتراك ردوا على نتنياهو وكاتس، كما أصدرت وزارة الخارجية التركية بيانا وصفت فيه نتنياهو بـ"هتلر العصر"، مشيرة إلى أنه يجب أن يحاكم أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية. وقال رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية برهان الدين دوران، إن "الجميع يعلم أن نتنياهو لا يمتلك القيم الأخلاقية ولا الشرعية التي تخوله إعطاء دروس للآخرين". إلا أن الرد الأهم على المسؤولين الإسرائيليين جاء من قادة المعارضة التركية.

تأييد 68,1 في المائة من الأتراك بقاء بلادهم محايدة في النزاع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وبعيدة عن الحرب، ومطالبة 22,6 في المائة بدعم إيران، في مقابل دعوة 2,1 في المائة إلى الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل

وزير الحرب الإسرائيلي أضاف أسماء كل من رئيس حزب الشعب الجمهوري السابق كمال كليتشدار أوغلو، ورئيس بلدية إسطنبول المقال أكرم إمام أوغلو، ورئيس بلدية أنقرة منصور ياواش، إلى منشوره الذي هاجم فيه أردوغان. ومن الواضح أنه كان يحلم بدعم هؤلاء القادة السياسيين وأنصارهم لهجومه على الرئيس التركي. ويبدو أنه لم يخطر في باله أنه يحرجهم أمام الرأي العام التركي الذي يرفض العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، الأمر الذي يعكس مدى ضحالة تفكير المسؤولين الإسرائيليين وغبائهم وجهلهم بحقائق الساحة السياسية التركية.

كليتشدار أوغلو قال إن محاولة مسؤول لدولة أجنبية أن يوجّه السياسة الداخلية والإرادة الشعبية ومؤسسات الدولة في تركيا تجاوز غير مقبول، مؤكدا أن هناك استفزازات تهدف إلى جر تركيا، من خلال التصعيد في المنطقة، إلى المواجهة مع جيرانها، على رأسها إيران. وذكر إمام أوغلو أنه لن يتلقى دروسا في الديمقراطية والقانون ممن تلطخت أيديهم بدماء عشرات الآلاف من الأبرياء، فيما أشار ياواش إلى أن كاتس جزء من نظام يقتل المدنيين في غزة، مضيفا أن التاريخ والضمير سيسجلان المسؤولين الإسرائيليين كمرتكبي إبادة جماعية.

هذه الردود من القادة السياسيين الثلاثة كانت متوقعة في ظل تأييد 68,1 في المائة من الأتراك بقاء بلادهم محايدة في النزاع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وبعيدة عن الحرب، ومطالبة 22,6 في المائة بدعم إيران، في مقابل دعوة 2,1 في المائة إلى الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل. وإن كان الوزير الإسرائيلي أضاف أسماء كليتشدار أوغلو وإمام أوغلو وياواش إلى منشوره باللغة التركية دون أن يعلم هذه الأرقام، فما قام به جهل بلا شك، وإلا فغباء وحماقة قلَّ نظيرهما. وهل كان كاتس ينتظر من قادة المعارضة التركية أن يصطفوا معه ضاربين آراء الناخبين أرض الحائط؟ وإضافة إلى ذلك، يبدو أن وزير الحرب الإسرائيلي يظن أن كليتشدار أوغلو ما زال يترأس حزب الشعب الجمهوري.

الإسرائيليون، سواء كانوا مؤيدين لحكومة نتنياهو أو معارضين لها، منزعجون من تركيا ودورها البناء في المنطقة، ويرونها خطرا استراتيجيا يتفاقم يوما بعد يوم، ولذلك، يبحثون عن أي سبيل يمكِّنهم من شيطنة تركيا وتصويرها كـ"إيران ثانية"

الإسرائيليون، سواء كانوا مؤيدين لحكومة نتنياهو أو معارضين لها، منزعجون من تركيا ودورها البناء في المنطقة، ويرونها خطرا استراتيجيا يتفاقم يوما بعد يوم، ولذلك، يبحثون عن أي سبيل يمكِّنهم من شيطنة تركيا وتصويرها كـ"إيران ثانية". ووصل الجنون بالصهاينة لدرجة أنهم يختلقون تصريحات وينسبونها إلى أردوغان، كما فعلت صحيفة التلغراف البريطانية التي نشرت تقريرا زعمت فيه أن أردوغان هدد بغزو إسرائيل وقال: "كما دخلنا ليبيا وقره باغ، يمكننا دخول إسرائيل". واضطرت الصحيفة لحذف ذاك التقرير بعد أن قام مركز مكافحة التضليل التابع لرئاسة الجمهورية التركية بفضح الفبركة التي من المؤكد أنها لم تكن بريئة.

أنقرة تتابع تحركات إسرائيل في أكثر من منطقة وتعرف خططها التدميرية والتوسعية، وتتخذ التدابير اللازمة لمواجهتها. وهذا ما لفت إليه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، خلال مشاركته في برنامج حواري مع محرري وكالة الأناضول للأنباء، قائلا إن "عدم قيام إسرائيل بشيء ضد سوريا بسبب الحرب في إيران لا يعني أنها لن تفعل ذلك في المستقبل"، مؤكدا أن الهجمات الإسرائيلية في سوريا تشكل مشكلة كبيرة وخطرا بالغا بالنسبة لتركيا. وقد يقول قائل إن هذه حقيقة يمكن أن يشير إليها أي محلل يتابع التطورات في المنطقة، وهذا صحيح، إلا أن الجزء الأهم لتصريحات وزير الخارجية التركي جاء بعدها، حيث ذكر أن بلاده تتخذ كافة التدابير وتقوم بالمبادرات اللازمة، مشددا على أن تركيا يجب أن تكون مستعدة لجميع السيناريوهات.

القادة الإسرائيليون يريدون أن يعتقد الجميع بأن تركيا بقيادة أردوغان تشكل خطرا، مثل إيران، على المنطقة والعالم. ولكنهم يشعرون بالعجز أمام السياسة الخارجية المتوازنة التي تتبناها أنقرة وحقيقة ما تحمله تركيا من أهمية بالغة لأمن أوروبا. ومن المؤكد أنهم سيدركون، عاجلا أم آجلا، أن "شيطنة تركيا"، على غرار شيطنة إيران، مهمة مستحيلة، خاصة بعد فشلهم في تبرير العدوان على إيران، إلا أن ذلك لا يعني أنهم لن يحاولوا بشتى الوسائل، بل سيبحثون عن ثغرات وأساليب جديدة لاستهداف تركيا ورئيسها.

x.com/ismail_yasa


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل