تشهد
العلاقات
التركية الأرمينية في الأيام الأخيرة خطوات جديدة نحو التطبيع الكامل، في ظل
المتغيرات التي أحدثها العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران وإغلاق مضيق هرمز،
والبحث عن طرق بديلة لنقل الطاقة والبضائع بين الشرق والغرب. وكانت أنقرة ويريفان
تسعيان منذ فترة طويلة إلى إزالة العوائق التي تعرقل تطبيع علاقاتهما، وتقدمان
خطوات حذرة، إلا أن التطورات التي حدثت في المنطقة جعلتهما تشعران بضرورة الإسراع
في التطبيع من أجل استغلال الظروف الدولية والإقليمية لصالحهما.
المتحدث باسم
الخارجية التركية أونجو كتشالي، قال،
اليوم الأربعاء على حسابه في منصة "إكس"، إن الاستعدادات البيروقراطية
لبدء التبادل التجاري المباشر بين
تركيا وأرمينيا انتهت قبل يومين، مشيرا إلى تواصل الأعمال التقنية والبيرقراطية لفتح
الحدود بين البلدين.
نائب رئيس
الجمهورية التركي جودت يلماز، زار العاصمة الأرمينية الأسبوع الماضي، للمشاركة في
القمة الثامنة للمجموعة السياسية الأوروبية، والتقى على هامش القمة رئيس الوزراء
الأرميني نيكول باشينيان. وخلال هذا اللقاء تم التوقيع على مذكرة تفاهم لتنفيذ
مشروع الترميم المشترك لجسر "آني" التاريخي على الحدود بين البلدين.
ويعود تاريخ هذا الجسر إلى القرن التاسع أو العاشر،
تركيا وأرمينيا تقعان في منطقة استراتيجية بين قارتي آسيا وأوروبا، وهو ما يُكسب تطبيع علاقاتهما أهمية بالغة، سواء للاستقرار والازدهار في المنطقة أو لنقل البضائع والطاقة من الدول الآسيوية المنتجة إلى الأوروبية
ويسمى أيضا "جسر طريق
الحرير" لكونه بوابة طريق الحرير إلى الأناضول. وهو جزء من الموقع التاريخي
المدرج في قائمة التراث العالمي لليونيسكو منذ عام 2016، ولم يبق اليوم من الجسر
الذي انهار بسبب الحروب والزلازل سوى بقايا دعاماته.
الممثلون من
أنقرة ويريفان عقدوا في نهاية الشهر الماضي اجتماعا في مدينة قارص شرقي تركيا
لإجراء مباحثات تهدف إلى تأهيل خط السكك الحديدية بين قارص ومدينة غيومري
الأرمينية، وتشغيله. وأكد الجانبان أهمية إعادة تفعيل الخط في أسرع وقت ممكن، في
إطار تعزيز روابط النقل الإقليمية. كما لقيت الخطوة ترحيب واشنطن، وقال السفير
الأمريكي لدى أنقرة توماس باراك، إن هذا التطور يمثل نقطة تحول مهمة من حيث
الترابط الإقليمي والسلام. وكان هذا الخط شريانا حيويا للنقل والتبادل التجاري بين
البلدين، إلا أن تركيا أوقفت تشغيله عام 1993 أثناء حرب قراباغ الأولى، دعما لأذربيجان.
تركيا وأرمينيا
تقعان في منطقة استراتيجية بين قارتي آسيا وأوروبا، وهو ما يُكسب تطبيع علاقاتهما
أهمية بالغة، سواء للاستقرار والازدهار في المنطقة أو لنقل البضائع والطاقة من
الدول الآسيوية المنتجة إلى الأوروبية التي تحتاج إليها. ومن المؤكد أن تطبيع
العلاقات بين أنقرة ويريفان بشكل كامل سيسهل أيضا فتح ممر زنغزور الذي سيربط أذربيجان
بإقليم نحجوان، كما سيربط آسيا الوسطى وحوض قزوين بتركيا وأوروبا، عبر الطرق
السريعة، وخطوط السكك الحديدية، وأنابيب النفط والغاز، وشبكات الكهرباء.
الممر الذي يربط
تركيا بآسيا الوسطى عبر الأراضي الأرمينية يشكل بديلا لذاك الذي يمر من إيران،
ولذلك ترفض طهران فتح ممر زنغزور بشدة، بدعوى أنه سيغير الحدود الإيرانية
الأرمينية. ولكن احتمال منع إنجاز المشروع من قبل طهران شبه معدوم، في ظل الظروف
الراهنة وما تعانيه إيران من آثار الحرب وتبعاتها. وإضافة إلى ذلك، يحظى هذا
المشروع الجيوستراتيجي بدعم الولايات المتحدة والدول الأوروبية. وكان الرئيس
الأمريكي، دونالد ترامب، أعلن في مؤتمر صحفي عقده في آب/ أغسطس الماضي عقب اجتماعه
مع الرئيس الاذربيجاني إلهام علييف، ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، أن
ممر زنغزور سيسمى "طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين"، وأن الولايات
المتحدة ستتولى تشغيله وتطويره لمدة 99 سنة.
حكومة باشينيان
تسعى إلى إبعاد
أرمينيا عن روسيا بخطوات حذرة، وتدرك أن تطبيع العلاقات بين أنقرة
ويريفان أمر ضروري لنجاح سياسة الانفتاح والخروج من العزلة، وأن فتح البلاد أمام
الطرق التجارية العالمية وخطوط نقل الطاقة لصالح الشعب الأرميني الفقير. ولذلك
تبدو متحمسة لتطبيع العلاقات التركية الأرمينية وتحسينها، وهو ما أعرب عنه نائب
وزير الخارجية الأرميني فاهان كوستانيان، قائلا إن ثمة رغبة عامة داخل مجتمع بلاده
لتطبيع العلاقات مع تركيا.
تقدم هذه الظروف إلى بعض الدول، مثل تركيا وأرمينيا، فرصة لا تعوض، كما تفرض على أنقرة ويريفان إسراع خطواتهما نحو التطبيع الكامل وفتح الحدود كيلا تفوت تلك الفرصة
كما صرح رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان
الأرميني سركيس خاندانيان، بأن الحكومة والشعب في أرمينيا مستعدان للتطبيع الكامل
مع تركيا، وأنهم ينتظرون من أنقرة إقامة علاقات دبلوماسية مع يريفان وفتح حدود
تركيا مع أرمينيا.
الجهود
الدبلوماسية المبذولة من أجل تطبيع العلاقات بين تركيا وأرمينيا قطعت شوطا لا بأس
به بعد أن تجاوزت عوائق كبيرة، كان أولها الاحتلال الأرميني في جزء من الأراضي
الأذربيجانية، وزال ذاك العائق مع تحرير إقليم قراباغ. كما أن فعاليات الجاليات
الأرمينية في الولايات المتحدة والدول الأوروبية ضد تركيا، ونفوذ السياسيين
والجنرالات المنحدرين من إقليم قراباغ وأحلامهم الشوفينية كانت تعيق التقدم في
مسار تطبيع العلاقات بين تركيا وأرمينيا، إلا أن رئيس الوزراء الأرميني الحالي
يتصدى لهؤلاء ويتبنى سياسة خارجية واقعية.
العالم اليوم
يبحث عن طرق وممرات جديدة لنقل الطاقة والبضائع من الشرق إلى الغرب، ومن الجنوب
إلى الشمال، بديلة لتلك القديمة التي تشهد أزمات بسبب الحروب والتطورات الساخنة.
وتقدم هذه الظروف إلى بعض الدول، مثل تركيا وأرمينيا، فرصة لا تعوض،
كما تفرض على أنقرة ويريفان إسراع خطواتهما نحو التطبيع الكامل وفتح الحدود كيلا
تفوت تلك الفرصة. ومن المؤكد أن قادة البلدين يدركون مدى أهمية استكمال جهود
التطبيع في هذه الظروف دون إضاعة الوقت.
x.com/ismail_yasa
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.