صاروخ يلديريم خان.. رسائل تركيا بعيدة المدى

علي باكير
إنّ ما تشهده تركيا الآن هو بمثابة ثورة تكنولوجية على مستوى التصنيع العسكري وهو نتيجة لتخطط وتدبير وصبر وتنفيذ طويل الأمد.. الأناضول
إنّ ما تشهده تركيا الآن هو بمثابة ثورة تكنولوجية على مستوى التصنيع العسكري وهو نتيجة لتخطط وتدبير وصبر وتنفيذ طويل الأمد.. الأناضول
شارك الخبر
أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أمس، أنّ نسخة هذا العام من معرض الصناعات الدفاعية الوطني (SAHA 2026) شهدت توقيع أكثر من 128 اتفاقية بقيمة 8 مليار دولار. لكن المفاجأة الأبرز التي فجّرها المعرض بحضور وزير الدفاع يشار غولر ومشاركة حوالي 1700 شركة من 120 دولة هي كشف النقاب عن نموذج أوّلي لصاروخ (يلديريم خان).

ما يميز هذا الصاروخ هو مداه وسرعته وقدرته على حمل أوزان مرتفعة. وفقاً للمعلومات التي تم نشرها عن هذا الصاروخ، يبلغ مداه 6000 كلم، وهو ما يجعل منه صاروخاً عابراً للقارات. أمّا سرعته القصوى فبإمكانها أن تصل إلى حدود 25 ضعف سرعة الصوت، ويستطيع أن يحمل رأسا حربيا بوزن 3 طن.

تُصنف الصواريخ التي يزيد مداها عن 5500 كلم عادة كصواريخ باليستية عابرة للقارات. وينظر إلى هذه المسافة منذ الحرب الباردة بين الولايات المتّحدة والاتحاد السوفييتي على أنّها أقصر مسافة ذات أهمية استراتيجية بين الطرفين، وأنّه كلما زادت المدى كلما أصبحت الحسابات أكثر تعقيداً. ولذلك، يعتقد البعض أن رقم 6000 كلم المعلن هو أقل من القدرات الحقيقية للصاروخ لكن أنقرة تفضّل ألاّ تذهب أبعد من ذلك رقماً لما يمكن أن يحمله مثل هذا الأمر من تداعيات.
ويشير امتلاك صاروخ باليستي عابر للقارات إلى أن الدولة المعنية لديها رؤية أو طموحات تتجاوز حدودها المباشرة، وأنّها تأخذ ما يجري حولها وفي مناطق بعيدة عنها بعين الاعتبار.

وفي هذا السياق، تريد أنقرة أن تثبت لنفسها وللآخرين بأنّها ليست لاعباً محلياً، وإنما قوة صاعدة ذات تأثير يتجاوز البعد الإقليمي وأنها قادرة على المنافسة في مجالات ظل كثيرون يعتبرونها حكراً على مجموعة صغيرة محددة من الدول.

وتُصنف الصواريخ التي يزيد مداها عن 5500 كلم عادة كصواريخ باليستية عابرة للقارات. وينظر إلى هذه المسافة منذ الحرب الباردة بين الولايات المتّحدة والاتحاد السوفييتي على أنّها أقصر مسافة ذات أهمية استراتيجية بين الطرفين، وأنّه كلما زادت المدى كلما أصبحت الحسابات أكثر تعقيداً. ولذلك، يعتقد البعض أن رقم 6000 كلم المعلن هو أقل من القدرات الحقيقية للصاروخ لكن أنقرة تفضّل ألاّ تذهب أبعد من ذلك رقماً لما يمكن أن يحمله مثل هذا الأمر من تداعيات.

وعليه، فإنّ منطقة تغطية الصاروخ المحتملة ستشمل كامل أوروبا وأجزاءً كبيرة من آسيا وأفريقيا، وهي قدرات تتفوق أنقرة فيها على دول في محيطها مثل باكستان التي تمتلك سلاحاً نووياً لكنها لم تطوّر صواريخ عابرة للقارات، وكذلك إيران التي لم تستطع الحصول بعد على هذه القدرات. هذا الإنجاز هو وليد سنوات طويلة من العمل الدؤوب و10 سنوات من تدشين البرنامج الخاص بإنتاج الصواريخ البالستية التركية المتطورة.

يضع يلديريم خان تركيا في مصاف القوى القليلة التي تمتلك هذا النوع من التكنولوجيا في العالم، حيث تمتلك تكنولوجيا الصواريخ العابرة للقارات 8 دول في العالم فقط، هي: الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، المملكة المتحدة، الهند، إسرائيل، وكوريا الشمالية. وبموازاة ذلك تم الكشف عن الجهة الوطنية التي قامت بعملية التصميم وهي مركز البحث والتطوير التابع لوزارة الدفاع التركية وترأسه نيلوفر كوزولو.

برز نجم المركز للعامة في نسخة العام الماضي من معرض الصناعات الدفاعية الدولي في إسطنبول عندما كشف عن أحدث إنجازاته العسكرية آنذاك وعلى رأسها قنبلة "غضب" وذلك بوصفها أقوى قنبلة غير نووية، وقنبلة "شبح" الخارقة للتحصينات على عمق 90 م تحت الأرض.

وفيما ربط البعض بين الإعلان عن الصاروخ يلديريم خان والتهديدات الإسرائيلية المتصاعدة في المنطقة، فإنّ تصميم هذا الصاروخ كما غيره من الأسلحة والمعدات العسكرية التركية هي نتاج رؤية طويلة الأمد لحزب العدالة والتنمية والرئيس أردوغان وليست ردّ فعل على تطورات آنية هنا أو هناك في الإقليم. هذه الرؤية تقوم على ضرورة أن يتم تقليل الاعتماد على الخارج في القدرات العسكرية والدفاعية إلى أقصى حد ممكن ورفع الاعتماد على الذات، أي على الإنتاج الوطني، إلى أقصى حد ممكن.

إنّ القدرات العسكرية التركية المتقدّمة التي يتم تدشينها الواحدة تلو الأخرى ليست ردّ فعل على أي جهة. لكن توقيت الإعلان عن مثل هذه الأسلحة والمعدات المتقدّمة يحمل معانٍ عديدة ودلالات سياسية وعسكرية، خاصّة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التطورات التي تجري مؤخراً على المستوى الإقليمي والدولي، ومحاولة إسرائيل فرض هيمنتها المطلقة من خلال القوة العسكرية، والتفوق النوعي الذي تضمنه القوى الغربية لها.
ونتيجة لهذه السياسة، تحوّلت تركيا، خلال حوالي عقدين من الزمن، من دولة تعتمد على الخارج في الدفاع والتسلح بنسبة حوالي 70% إلى دولة تعتمد بنسبة حوالي 75% على نفسها، لا بل تقوم بإنتاج أسلحة ومعدات عسكرية تدخلها النادي الحصري للكبار وتساعد على منافستهم فيها.

بهذا المعنى، فإنّ القدرات العسكرية التركية المتقدّمة التي يتم تدشينها الواحدة تلو الأخرى ليست ردّ فعل على أي جهة. لكن توقيت الإعلان عن مثل هذه الأسلحة والمعدات المتقدّمة يحمل معانٍ عديدة ودلالات سياسية وعسكرية، خاصّة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التطورات التي تجري مؤخراً على المستوى الإقليمي والدولي، ومحاولة إسرائيل فرض هيمنتها المطلقة من خلال القوة العسكرية، والتفوق النوعي الذي تضمنه القوى الغربية لها.

خلال العامين الماضيين، بدأت العديد من الأصوات المؤثرة داخل إسرائيل سواء على مستوى السياسيين أو على مستوى المؤسسات الأمنية تصنيف تركيا باعتبارها الخطر القادم أو التهديد الصاعد. تبع ذلك محاولات تشبيه تركيا بإيران وتذكير بمصير الأخيرة. واحدة من الرسائل الصامتة التي يحملها صاروخ يلديرين خان هو أنّ تركيا ليست إيران، وأنّ طبقات الردع المتعددة لا تقف عند حدود منظومة دون غيرها، وأنّ قدرات أنقرة الهجومية أكبر بكثير من أن يتم استيعابها.

صاروخ يلديريم العابر للقارات تبلغ سرعته ضعفي سرعة أسرع صاروخ إيراني. صحيح أن تركيا لا تمتلك رأساً نووياً لتجهيز الصاروخ به، إلاّ أنّه قادر على حمل أنواع أخرى كقنبلة غضب. لا بل إنّ الأخيرة بوصفها أقوى قنبلة غير نووية ستكون فعّالة للغاية في تدمير الهدف دون الإضرار بما يقع خارج نطاقها وسط غياب القدرة على اعتراضها.

خلاصة القول إنّ ما تشهده تركيا الآن هو بمثابة ثورة تكنولوجية على مستوى التصنيع العسكري وهو نتيجة لتخطط وتدبير وصبر وتنفيذ طويل الأمد. هذه الثورة جاءت نتيجة توفير الرؤية والإرادة السياسية والدعم اللازم للنهوض بقطاع الصناعات الدفاعية الوطني، وهي تجربة رائدة وجديرة بالدراسة والاستفادة منها لاسيما بالنسبة إلى دول الإقليم.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)