خلال العقود الأربعة الماضية، شكّلت
الميليشيات المسلحة أحد أبرز ملامح السياسة في الشرق الأوسط. قدّمت هذه الميليشيات
نفسها تحت عناوين مختلفة بوصفها بدائل مؤقتة عن الدولة تهدف الى الحلول محلّها
للقيام بالواجب الذي تقاعست فيه الدولة نيابة عنها. وفي الوقت الذي كانت فيه
الغالبية الساحقة من هذه المليشيات تبرر عملها بوجود بيئة حاضنة، وشرعية داخلية،
وعجز للدولة، عرّت التحولات المتراكمة في البيئة الداخلية والإقليمية والدولية هذا
المنطق حيث لم يعد بإمكان هذه الميليشيات أن تخفي انّ نشأتها ذات طبيعية خارجية،
وأنّ شرعيتها مستمدة من الدعم الخارجي، وأنّ عملها يجعل منها مجرّد ذراع أو ورقة
لمشاريع خارجية.
تشير التحولات الجارية اليوم إلى أن المنطقة
تدخل طوراً جديداً يتسم بانحسار الصعود التاريخي للميليشيات، أو على الأقل تراجع
قدرتها على الاستمرار بوصفها فاعلاً مستقلاً ومقرِّراً في المعادلات الداخلية
والإقليمية والدولية. قد لا يعني ذلك نهاية مطلقة لعصر الميليشيات، لكنه بالتأكيد
مؤشر على نهاية مرحلتها التوسعية والوظيفية الأكثر فاعلية. أحد أهم أسباب هذا
التحول يكمن في العوامل الذاتية المرتبطة ببنية الميليشيات نفسها. فقد نشأت غالبية
هذه التشكيلات الطائفية أو القومية أو المذهبية في سياقات انهيار الدولة أو ضعفها،
واكتسبت شرعيتها الأولى من إدّعائها قدرتها على توفير الأمن المحلي أو تمثيل
مجتمعاتها التي غالبا ما تنتمي إلى الأقليات.
لعب تغيّر موقف القوى الراعية أو الحاضنة لهذه الميليشيات ـ سواءً لناحية تراجع قدراتها أو لانتقال الحريق إليها أو لتفادي إمكانية إصطدام مباشر مع قوى إقليمية أخرى ـ دوراً حاسماً في تقليص قدرات هذه الحركات المسلّحة. فالدول التي استثمرت لعقود في الميليشيات بوصفها أدوات نفوذ غير مباشر باتت تواجه ضغوطاً اقتصادية وسياسية وأمنيّة متزايدة، تجعل كلفة هذا الاستثمار أعلى بكثير من عوائده، على الأقل في الوضع الحالي.
إلا أنّ تحوّلها من "قوى حماية"
إلى "قوى سيطرة" وبعدها إلى مشروع انفصال أو حلول محل الدولة بشكل مباشر
أو غير مباشر أفضى إلى تآكل سردياتها عن رأس مالها الاجتماعي، حيث بات يُنظر إليها
باعتبارها مصدراً للفوضى، والفساد، والتطرّف، والقمع، والتبعية للمشاريع الخارجية
لا كأداة خلاص أو مقاومة. ومع غياب الخطاب الوطني الجامع، والتمسك بالخطاب
الأيديولوجي البالي وغير الواقعي الى جانب طغيان الأولويات المتعلقة بضرورة
استمرار المشروع المسلّح كغاية وليس كوسيلة باعتباره مصدر إثراء وفساد وتبعية،
فقدت هذه الميليشيات قدرتها على التعبئة طويلة الأمد، وأصبحت أكثر هشاشة أمام
الانقسامات والصراعات الداخلية.
إقليمياً، لعب تغيّر موقف القوى الراعية أو
الحاضنة لهذه الميليشيات ـ سواءً لناحية تراجع قدراتها أو لانتقال الحريق إليها أو
لتفادي إمكانية إصطدام مباشر مع قوى إقليمية أخرى ـ دوراً حاسماً في تقليص قدرات
هذه الحركات المسلّحة. فالدول التي استثمرت لعقود في الميليشيات بوصفها أدوات نفوذ
غير مباشر باتت تواجه ضغوطاً اقتصادية وسياسية وأمنيّة متزايدة، تجعل كلفة هذا
الاستثمار أعلى بكثير من عوائده، على الأقل في الوضع الحالي.
كما أن البيئة الإقليمية تشهد عودة تدريجية
لمنطق "الدولة المركزية" بوصفه الإطار الأكثر قابلية لضبط التفاعلات
الأمنية والاقتصادية. علاوة على ذلك، لم يعد التمدد عبر الفاعلين غير الدولتيين
خياراً مفضلاً، بل أضحى عبئاً يهدد الاستقرار الإقليمي ويستجلب تدخلاً غير مرغوب
فيه او ربما يهدد باصطدام اللاعبين الكبار بشكل غير مرغوب. إلى ذلك، فإن مسارات
التسوية في عدد من ساحات الصراع فرضت واقعاً جديداً يتم فيه التعامل مع الميليشيات
كورقة تفاوض مؤقتة، لا كحقيقة دائمة.
الأولويات الدولية اليوم تتركز على أمن الطاقة، حماية الممرات البحرية، وضبط بؤر الهجرة والإرهاب، وهي أهداف تتناقض مع منطق الميليشيات.
أما على المستوى الدولي، فإن التحول أكثر
وضوحاً. فالقوى الكبرى، رغم تنافسها الحاد، تتقاطع مصالحها عند حدٍّ أدنى يتمثل في
رفض الفوضى المسلحة. الأولويات الدولية اليوم تتركز على أمن الطاقة، حماية الممرات
البحرية، وضبط بؤر الهجرة والإرهاب، وهي أهداف تتناقض مع منطق الميليشيات. أضف الى
ذلك انّ استداد التنافس على مستوى الدول إقليميا ودولياً جعل من هذه الميليشيات
تفصيلا صغيراً في الحسابات الكبرى. في هذا السياق، لم تعد الميليشيات أصولاً
استراتيجية طويلة الأمد، بل تحولت إلى أدوات ضغط تكتيكي محدود العمر.
انعكست هذه التحولات مجتمعة على مسار بناء
الدولة في الشرق الأوسط. فبعد سنوات من تفكيك مفهوم السيادة واحتكار العنف، عاد
هذا المفهوم ليحتل موقعاً مركزياً في النقاشات السياسية. غير أن العودة ليست
كلاسيكية ولا مثالية؛ إذ لا يجري تفكيك الميليشيات بالضرورة عبر المواجهة الشاملة
حصراً، بل عبر مسارات أكثر براغماتية تشمل الاحتواء، الدمج الجزئي، أو التحجيم
الوظيفي، الخ. الدولة التي تتبلور اليوم في كثير من السياقات ليست دولة قوية
بالمعنى المؤسسي الكامل، بل "دولة وظيفية" قادرة على توفير حد أدنى من
الأمن والخدمات، بانتظار ما ستؤول إليه الأحوال مستقبلا، وهو ما يكفي في الحسابات
الإقليمية والدولية لتفضيلها على حالة اللادولة حالياً.
في سياق التنافس الدولي المتصاعد، يتضح أن
الميليشيات لم تعد أدوات مناسبة لإدارة النفوذ طويل الأمد. فالقوى الكبرى تفضّل
التعامل مع دول هشة لكنها معترف بها، على كيانات مسلحة غير منضبطة تفتقر إلى
المسؤولية القانونية والسياسية. حتى في حالات الصراع الحاد، يجري توظيف الميليشيات
ضمن أطر زمنية ضيقة، مع السعي الدائم لإعادة تحويل النفوذ إلى قنوات رسمية أو شبه
رسمية. هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن الميليشيا، حين تتجاوز دورها
التكتيكي، تتحول من أداة نفوذ إلى مصدر عدم استقرار يصعب التحكم فيه.
خلاصة القول، إنّ التطورات الجارية في عدد
من الدول
العربية تشير إلى تراجع دور ونفوذ الميليشيات المسلحة بعد أن كان قد بلغ
ذروتها خلال العقد الماضي، وهو ما يشي بنهاية المرحلة الذهبية للميليشيات، لا
اختفاءها التام. البيئة الداخلية لم تعد تنتج شرعية مستدامة لها، والرعاة
الإقليميون باتوا أكثر حذراً، فيما يفرض النظام الدولي سقوفاً صارمة على الفوضى
المسلحة. في هذا السياق، الميليشيا التي لا تنجح في التحول إلى جزء من بنية
الدولة، أو على الأقل الخضوع لمنطقها، ستجد نفسها في مسار تآكلي يجعلها عبئاً على
مجتمعها ورعاتها معاً، لا رصيداً استراتيجياً كما كانت في السابق.