كتاب عربي 21

جر القضاء إلى ساحة الصراع السياسي في ليبيا.. العبث مستمر

السنوسي بسيكري
استقلال القضاء مبدأ أصيل وأساس متين لتحقيق التحول من الحالة الدكتاتورية إلى الديمقراطية، والمساس باستقلال القضاء ولو بالخطأً مؤشر على الإخفاق في تحقيق الانتقال والتحول المطلوب.. فيسبوك
استقلال القضاء مبدأ أصيل وأساس متين لتحقيق التحول من الحالة الدكتاتورية إلى الديمقراطية، والمساس باستقلال القضاء ولو بالخطأً مؤشر على الإخفاق في تحقيق الانتقال والتحول المطلوب.. فيسبوك
شارك الخبر
من أبرز مؤشرات الخداع والزيف في الحالة الليبية الادعاء بالتزام المسار الديمقراطي مع تعمد مصادمة الأسس والمبادئ التي يقوم عليها الانتقال الديمقراطي، وبمراجعة ممارسات كافة السلطات في البلاد ترى أنها هي ومتطلبات التغيير الديمقراطي على طرفي نقيض.

مجلس النواب الليبي مثال حي على حالة التناقض تلك، برفعه شعار الديمقراطية وانه الممثل الوحيد للشعب عبر الانتخاب، وهو يتورط عمدا في تقويض العملية الديقراطية بسلوكه المناقض لمبادئها وأسسها، مع التأكيد أن هناك نواب يرفضون هذا الفعل، إلا إن المجموعة المتحكمة في مسار المجلس تفرض توجهاتها على المجموع العام لأعضاء المجلس.

استقلال القضاء مبدأ أصيل وأساس متين لتحقيق التحول من الحالة الدكتاتورية إلى الديمقراطية، والمساس باستقلال القضاء ولو بالخطأً مؤشر على الإخفاق في تحقيق الانتقال والتحول المطلوب، فكيف إذا كان هذا السلوك متعمدا وله دوافعه السياسية ومحركاته المصلحية؟

المجموعة المؤثرة في مجلس النواب اتجهت منذ فترة، ومع احتدام الخلاف مع الشريك في العملية السياسي وفق الاتفاق السياسي وهو المجلس الأعلى للدولة، إلى التفرد بأدوات الفعل والتأثير في المسار السياسي، ومن ذلك محاولة الهيمنة على القضاء علهم يحققون الرغبة في تفردهم برسم ملامح المسار السياسي والوصول إلى الغاية التي يريدونها من خلال هندسة العملية السياسية وفق شروطهم.

الأخطر في هذا النهج أنه يكرس حالة الانقسام ويجعل جذروها تمتد أكثر، إذ لم يتم الاكتفاء بوجود حكومتين ومؤسسات تنفيذية ورقابية في الشرق والغرب، فحتى القضاء بات منقسما وله مؤسساته المزدوجة هنا وهناك، وما وقع من خلاف وتراشق بين رئاسة مجلس النواب والمحكمة العليا سيدفع بهذا الانقسام إلى الأمام ويزيد الوضع العام تأزيما.
كرست رئاسة مجلس النواب ومن يناصرها من كتلة نيابية جهدها لسحب السلطة القضائية إلى دعم خياراتها ضمن التدافع السياسي بينها وبين المجلس الأعلى للدولة، وقانون إنشاء المحكمة الدستورية يصب في هذا الاتجاه، بحسب كثيرا من فقهاء القانون، وبررت رئاسة المجلس فعلها هذا بالقول أن الدائرة الدستورية في العاصمة طرابلس، تقبع تحت تأثير قوى خارجة عن القانون، وبالتالي بات ضروريا تأسيس محكمة دستورية وجعل مقرا بنغازي، غير أنه لم يقل كيف سيجعلها مستقلة عن القوة المؤثرة هناك والتي لا تأبه للدستور ولا للقانون؟!

المحكمة العليا، الهيئة الممثلة لقمة سلطة القضاء في البلاد، حكمت ببطلان قانون تأسيس المحكمة الدستورية، فعاد رئيس مجلس النواب بتوجيه اتهامات لرئيس المحكمة العليا، فكان رد الجمعية العمومية للمحكمة برفض واستنكار كلام رئيس النواب ووصف المجلس بالسطة المؤقتة التي ليس لها صلاحيات إعادة هيكلة وتأسيس مؤسسات سيادية في البلاد، وهذا تطور في النزاع له ما بعده بلا شك، وسيكون لتوصيف مجلس النواب بالسلطة المؤقتة من قبل الجمعية العمومية للمحكمة العليا أثره في التدافع السياسي.

الخطوات التي اتخذها مجلس النواب بخصوص إعادة هيكلة القضاء، إذا بات مقتنعا أنها مبررة، كان ينبغي أن تتم بالتوافق مع المجلس الأعلى للدولة، ذلك أن الاتفاق السياسي المقر من قبل مجلس النواب والذي اعتمدته المؤسسات الدولية وفي مقدمتها مجلس الأمن، يجعل اتفاق المجلسين ملزم في إصدار القوانين وإعادة تشكيل المؤسسات الحكومية بمفهومها العام، غير أن النواب تجاوز الاتفاق السياسي وخالفه مرارا وتكرارا، واتجه إلى مسار منفرد نتائجه تزيد الوضع تعقيدا وترسخ النزاع القائم أكثر.

المفارقة أن نهج الغلبة الذي تسلكه رئاسة المجلس ومن حولها من أنصار ينطلق من القول بأن المجلس هو السلطة العليا المنتخبة في البلاد، بمعنى أنه نتاج التحول الديمقراطي، غير أن نهجه ينحى في أحايين كثيرة بعيدا عن متطلبات هذا التحول، بل يضربه في مقتل، وهو توجه أقل ما يقال فيه أنه لا يمت إلى الديمقراطية بصلة ويعزز حالة الرفض للمسار الديمقراطي باعتبار أنه مأزوم حسب ما يرى الناس، لذا فإن كافة استطلاعات الرأي تعكس تبرما بهذا المسار ورفضا لمؤسساته وفي مقدمتها مجلس النواب.

الأخطر في هذا النهج أنه يكرس حالة الانقسام ويجعل جذروها تمتد أكثر، إذ لم يتم الاكتفاء بوجود حكومتين ومؤسسات تنفيذية ورقابية في الشرق والغرب، فحتى القضاء بات منقسما وله مؤسساته المزدوجة هنا وهناك، وما وقع من خلاف وتراشق بين رئاسة مجلس النواب والمحكمة العليا سيدفع بهذا الانقسام إلى الأمام ويزيد الوضع العام تأزيما.
التعليقات (0)