إزاحة
الآخر من المشهد بقوة السلاح والتصفية للمخالف أو الخصم؛ سلوك بشع كان من بين
أسباب معارضة نظام
القذافي، وبالتالي لا يمكن أن يكون مبررا أو يعد وسيلة
للاستقرار والبناء، فهو يدفع البلاد خطوات إضافية باتجاه الفوضى ويكرس منطق وشريعة
الغاب.
التصفية
الجسدية نهج تورط فيه النظام السابق بشكل مريع خلال فترات طويلة من حكمه، والعقلاء
والخيّرون ممن عارضوه لم يقبلوا أن يستمر هذا النهج ويكون سنّة تتكرر بشكل مأساوي
حتى بعد سقوطه، هذا ابتداء..
هذه
النقطة تدعوني إلى التنبيه إلى فارق جوهري بين أنصار سبتمبر بدون استثناء وبين من
انخرطوا في ثورة فبراير بدوافع خالصة مردها رفض الاستبداد والظلم، ذلك أن أنصار
سبتمبر باركوا جرائم التصفية والقتل خارج القانون التي تورط فيها النظام السابق،
وفي أحسن حالاتهم صمتوا عنها ولم يدينوها، فيما عارض وندد واستنكر من ناصر فبراير
ما وقع بعد 2011م من جرائم وتجاوزات.
تخلف ليبيا خلال عقود طويلة، ربما منذ تأسيسها، يعود في أحد عوامله إلى هذا الانصهار للمجموع في قالب الفرد القائد أو الزعيم
وتجرني
الحادثة إلى مسألة في غاية الأهمية لمن يتطلع بصدق إلى إخراج
ليبيا من مأزقها
الراهن ويرنو إلى رؤيتها زاهرة ومتقدمة، ألا وهي مقاربة من يقود مشروع البناء
والتعامل معه.
ما زال
غالبية الشعب ينظر إلى من يعتبرهم
قيادات أو زعامات نظرة خاطئة يغلب عليها
التقديس
والإجلال دون تدقيق أو تمحيص، فالقائد أو الزعيم على حق مطلقا ولا يأتيه الباطل من
بين يديه ولا من خلفه، فهو مبجل ومستحق للولاء دوما، أصاب أو أخطأ، تسامَح أو تجرّم،
وتتلاشى أمامه الشخوص وتتقزم العقول، ليبقى شخص وعقل القائد أو الزعيم فحسب.
أعتقد
جازما أن تخلف ليبيا خلال عقود طويلة، ربما منذ تأسيسها، يعود في أحد عوامله إلى
هذا الانصهار للمجموع في قالب الفرد القائد أو الزعيم. بكائية اليوم على فقد سيف
الإسلام تجاوزت الفقد؛ إلى باعث الحب إلى حالة البؤس والشعور بالضياع لخسارة
الزعيم المنقذ والمخلّص دون تثبت من أهليّته لذلك، فعند جمهور كبير أهليته كونه لوريث
القائد الأكبر والزعيم الاعظم ليس إلا. والحالة شبيهة عند أنصار حفتر وهي قريبة
نسبيا عن أنصار الدبيبة، وأن كان لأنصار سبتمبر تقدير مختلف لعائلة القذافي.
نعم
بالقطع هناك دور للقيادات الملهمة والفذة في فرض الاستقرار والانتقال إلى البناء
على كافة الصعد، فمن يثمن تجربة التطور الذي شهدته روندا يربط ذلك برئيسها بول
كاغامي، وكذا سنغافورة وماليزيا وتركيا، والدور البارز لخوان لي ومهاتير وأردوغان،
لكن ليس وفق التقديس والاتباع الاعمى،
كان من أكبر أخطاء أنصار سبتمبر هو وضع شخص القذافي فوق كل اعتبار أو قيمة أو كيان، فجاء في الترتيب عندهم قبل ليبيا، وكانت ردة الفعل المستعجلة من أنصار فبراير هي الاستهانة بالقيادة والمسؤولين
ذلك أن فاعلية ونجاح القائد المتميز إنما
تستند إلى المشاركة الواسعة القائمة على مبدأ الطاعة والانقياد في الصواب والتقويم
عند الخطأ والانحراف.
إن
مدخل الإصلاح والبناء هو وعي أفراد المجتمع وإدراكهم بأن القيم هي المعيار وليس
التقديس الأعمى لأشخاص بعينهم، وأن المخرج من المأزق الراهن يكون بحراك مجتمعي
ناضج يكون وسيلة اختيار وتقديم القيادات الوطنية النزيهة المؤهلة بغض النظر عن
خلفياتهم وجذورهم، وأن وعي وحيوية المجتمع بمختلف تكويناته ومنظماته هو الضمانة
للسير باتجاه البناء وتصحيح الانحراف عنه من قبل القيادات التي قد يصيبها ما يصيب
البشر من وقوع في الظلم والفساد، فالسلطة عامل من عوامل الإفساد، ذلك أن آخر ما
يخرج من قلوب الصديقين هو حب الرياسة.
لقد
كان من أكبر أخطاء أنصار سبتمبر هو وضع شخص القذافي فوق كل اعتبار أو قيمة أو كيان،
فجاء في الترتيب عندهم قبل ليبيا، وكانت ردة الفعل المستعجلة من أنصار فبراير هي
الاستهانة بالقيادة والمسؤولين بشكل مبالغ فيه، ثم وقعت الردة إلى التقديس الأعمى
من جديد. والمطلوب حالة متوازنة، لا إفراط فيها ولا تفريط، يحكمها ويؤسس لها عقد
اجتماعي يبجّله ويقف عنده الجميع، دون تمييز، قيادة وأفرادا.