تخفيض جديد.. الحلقة المفرغة للدينار الليبي

السنوسي بسيكري
رافق قرار المصرف المركزي تخفيض قيمة الدينار قرارا من قبل مجلس النواب بفرض ضريبة على السلع، تتدرج من 2% إلى 35%، بحسب نوع السلع، ضرورية وكمالية..
رافق قرار المصرف المركزي تخفيض قيمة الدينار قرارا من قبل مجلس النواب بفرض ضريبة على السلع، تتدرج من 2% إلى 35%، بحسب نوع السلع، ضرورية وكمالية..
شارك الخبر
أقدم المصرف المركزي الليبي منذ أيام قليلة على تخفيض قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية بما نسبته 14%، ليصبح الدولار، أشهر العملات، معادلا لـ 6.39 دينار ليبي، دون أن يتضح بشكل قطعي مصير الضريبة المفروضة على بيع النقد الأجنبي لصالح الاعتمادات المستندية والأغراض الشخصية، والتي بلغت 15%.

رافق قرار المصرف المركزي تخفيض قيمة الدينار قرارا من قبل مجلس النواب بفرض ضريبة على السلع، تتدرج من 2% إلى 35%، بحسب نوع السلع، ضرورية وكمالية، عنون بـ  "قرار بشأن تنظيم ضريبة الإنتاج والاستهلاك والرسوم على بعض السلع والأصول الرأسمالية ومبيعات النقد الأجنبي".

التزامن بين تخفيض العملة وفرض الضرائب بشكل مفاجئ ومرتبك كان سببا في أن يرتفع سعر صرف الدولار في السوق الموازي إلى 9.25 دينار للدولار، مع وعود بأن تتراجع أسعار صرف العملات الأجنبية في السوق الموازي حال الشروع في توفير النقد الأجنبي عبر المصارف وشركات الصرافة الاسبوع القادم.
الصورة ما تزال غامضة بخصوص إجراءات مجلس النواب حول ضرائب الإنتاج والإستهلاك، فالجدل بدأ من مجلس النواب نفسه، حيث وقَّع أكثر من 80 نائبا على عريضة يرفضون فيها الإجراء محتجين بأن المجلس لم يقم بالتصويت على هكذا قرار، فيما جادل البعض منهم بأنه قد تم التصويت، وان من بين المعترضين من صوت على القرار.

فيما يتعلق بالمضمون، فإن النقاط المتعلقة بتنظيم ضرائب الإنتاج منطقية خصوصا إلزام مزاولي الأنشطة الإنتاجية والتجارية بالتسجيل لدى مصلحة الضرائب والحصول على رقم ضريبي وتقييد حركة النشاط في سجل مختوم من جهات الاختصاص، والالتزام بسداد الضريبة في توقيت محدد، وألحق بالقرار قائمة تضم مقدر الضريبة المفروضة على السلع الغذائية والملبوسات ومواد التنظيف والأدوية والمعدات المنزلية والإثاث والسيارات ومواد البناء وغيرها، لكن معالجة الإيرادات السيادية (الضرائب والرسوم) لا تنتهي عند تنظيمها، بل الجوهر هو حفز الأنشطة الاقتصادية الخاصة لتنمو وتتعاظم وتنافس القطاع العام في نسبة المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي.

التزامن بين تخفيض العملة وفرض الضرائب بشكل مفاجئ ومرتبك كان سببا في أن يرتفع سعر صرف الدولار في السوق الموازي إلى 9.25 دينار للدولار، مع وعود بأن تتراجع أسعار صرف العملات الأجنبية في السوق الموازي حال الشروع في توفير النقد الأجنبي عبر المصارف وشركات الصرافة الاسبوع القادم.

تراجع سعرف صرف الدولار محتمل في حال توفير النقد الاجنبي من قبل المصرف المركزي عبر القنوات التي حددها، غير أن الانخفاض لن يكون كبيرا، بمعنى أنه من غير المتوقع أن يتوحد سعرف صرف الدولار في السوق الرسمي والسوق الموازي، أي 6.39 دينار للدولار، حتى مع تفعيل شركات الصرافة المقننة وجعلها بديلا لدكاكين بيع العملات في سوق العملات الموازية، ذلك أن قدرة المصرف المركزي على توفير الدولار للطلب المتزايد عليه لن تكون مستدامة لأسباب عدة منها أن منحنى سعر العملات الأجنبيبة في تذبذب واضطراب وفي اتجاه علوي، في مقابل اتجاه سلفي للدينار، وهذا كافي لنزع الثقة من الثاني وتعزيزها في الأول.

السبب الثاني هو عدم توفر ضمانة مؤسساتية، رقابية، تضبط ألية عمل شركات الصرافة بحيث تلتزم بتوفير ما يوفره لها المصرف المركزي من عملات أجنبية ولتبيعها بالسعر الرسمي، أي أن هناك احتمال لتحول شركات الصرافة إلى نسخة شبيهة لدكاكين بيع العملات في السوق الموازي.

كل العوامل تدفع باتجاه دفع سعر صرف الدينار إلى الأسفل، وأن الحالة الهستيرية في نهب المال العام والتنافس الشرس للاستحواذ على أكبر قدر منه من قبل متنفذين وحواشيهم، مع غياب خطة محكمة تتضمن تحريك عجلة الإقتصاد وزيادة إنتاجية كافة القطاعات وإعادة الثقة في القطاع الخاص ليكون نتاجها زيادة الإيرادات وخفض النفقات، كل هذه العوامل مؤداها مزيد من خسارة العملة المحلية لقيمتها.
أيضا لم تقدم جهات الاختصاص معالجة ناجعة للفساد الذي يقع في الاعتمادات المستندية، وبالرغم من أن الفساد فيها صار مفضوحا ومعلوما للجميع، إلا إن وجود قوى متنفذة خلف عديد الشركات التي تتحصل على اعتمادات بأرقام ضخمة ولا تقوم بتنفيذها بحسب ما تعهدت به، أفشل كل جهود التصدي لفساد الاعتمادات، وقد اقر بذلك النائب العام في مقابلة تلفزيوينة حديثة، وبرغم محاولات النباية العامة لجم الفساد الكبير في الاعتمادات، إلا إن ما نجحت النيابة العامة في استعادته من أموال بلغ نحو 40 مليون دولار، فيما أقرت مصلحة الجمارك أن ما تهريبه من عملات أجنبية تجاوز مليار دولار.

وهناك أيضا الإنفاق العمومي المنفلت والذي يشهد ازديادا كبيرا بشكل سنوي، فبند المرتبات الذي كان أقل من 30 دولار العام 2020م، تجاوز 73 مليار دينار خلال خمس سنوات فقط، ولا يزال الهدر كبير في بند الدعم، خاصة المحروقات، وكشف النائب العام مؤخرا أن 70% من المحروقات (الديزل) تستحوذ عليه ما أسماها "جهات اعتبارية" لا حاجة لها به إلا للتهريب والاستفادة من فارق السعر الكبير بين السوق المحلي والأسواق الخارجية.

الخلاصة أن السياسات والإجراءات التي تتخذها الجهات التشريعية والتنفيذية ستكون ذات أثر محدود ولفترة زمنية قصيرة، ذلك أن كل العوامل تدفع باتجاه دفع سعر صرف الدينار إلى الأسفل، وأن الحالة الهستيرية في نهب المال العام والتنافس الشرس للاستحواذ على أكبر قدر منه من قبل متنفذين وحواشيهم، مع غياب خطة محكمة تتضمن تحريك عجلة الإقتصاد وزيادة إنتاجية كافة القطاعات وإعادة الثقة في القطاع الخاص ليكون نتاجها زيادة الإيرادات وخفض النفقات، كل هذه العوامل مؤداها مزيد من خسارة العملة المحلية لقيمتها.
التعليقات (0)