في سابقة لم تقع من قبل، تخطى الدولار مستوى
عشرة دنانير ليبية الأسبوع الماضي، وهو اليوم عند سعر يناطح العشرة دنانير،
والمؤشرات الأولية تدفع باتجاه إمكان مزيد من
التراجع في سعر صرف
الدينار أمام
الدولار.
الناظر إلى المحيط السياسي والأمني
والاقتصادي في البلاد يستغرب كيف أن الدينار ما يزال عند مستوى 10 دينار، ذلك أن
كل العوامل التي تسهم في استقراره وتعافيه مفقودة، والأسباب التي تجعله ينخفض إلى
مستويات كبيرة حاضرة.
الوضع السياسي وإملاءاته المالية والنقدية وضعت الدينار الليبي في مسار الانحدار، وهو وضع صار عصيا على الاحتواء، فحتى مع تشمير المصرف المركزي عن ساعديه والتعهد بالسيطرة على الوضع النقدي في البلاد من خلال حزمة السياسات والإجراءات التي اتخذها خلال العام 2025م، فقد كانت النتيجة تدهور سريع في قيمته، وارتفاع غير معهود في قيمة العملات الصعبة.
عرف الدينار الليبي حالة التأزيم في فترات
متعددة، فقد تراجع بنسبة كبيرة أمام العملات الأجنبية في ثمانينيات وتسعينيات
القرن الماضي، وأدت الظروف السياسية وتداعياتها
الاقتصادية إلى اتخاذ قرار تخفيض
قيمته من نحو 30 قرش ليبي للدولار إلى 1.3 دينار للدولار تقريبا وذلك مطلع الألفية
الثالثة.
أزمة الدينار اليوم أكثر حدة وأشد تعقيدا،
فهو يواجه ضغوطا تدفعه إلى التراجع بشكل مضطرد، ووافق الظرف السياسي والاقتصادي
الضاغط تبني سياسات اقتصادية كانت لها نتائج عسكية.
الوضع السياسي وإملاءاته المالية والنقدية
وضعت الدينار الليبي في مسار الانحدار، وهو وضع صار عصيا على الاحتواء، فحتى مع
تشمير المصرف المركزي عن ساعديه والتعهد بالسيطرة على الوضع النقدي في البلاد من
خلال حزمة السياسات والإجراءات التي اتخذها خلال العام 2025م، فقد كانت النتيجة تدهور
سريع في قيمته، وارتفاع غير معهود في
قيمة العملات الصعبة.
مسار السياسة المالية وفق ما هو مشاهد
ومعلوم لدى أهل الاختصاص والاهتمام لا يمكن أن يقود إلى استقرار في العملة
الليبية، فالنزيف الكبير في الموارد المالية بالعملة المحلية والصعبة في زيادة
مستمرة، واستحدث عامل جديد ضاعف من النزيف والهدر، وهو التفاهمات التي وقعت بعد
الحرب على العاصمة العام 2019 ـ 2020م، فقد جاءت هذه التفاهمات على حساب أي مساعي
وجهود لوقف تراجع الدينار ومنع تغول الدولار، وإذا أضفت إلى ذلك أوضاع أسواق
الطاقة العالمية وانخفاض أسعار النفط، فمن الطبيعي أن يواجه الاقتصادي الليبي
تحديات جمة، ويقع الدينار في أزمة حادة.
الإنفاق العام المعلن والرسمي والذي تشرف
عليها حكومة الوحدة الوطنية وصل مستويات مقلقة، وما يقلق أكثر هو الإنفاق الموازي
الذي تعددت قنواته بعد تعدد جهات الإنفاق في الشرق ما بين الحكومة وصنادق الإعمار
والتنمية والميزانية الخاصة للجيش.
تسريبات تقرير خبراء الأمم المتحدة مؤخرا
نقلت صورة مخيفة حول التفاهمات الخاصة باقتطاع جزء من إنتاج النفط وبيعه عبر شركة
مستحدثة كانت محل جدل كبير في الأوساط المحلية والخارجية، وتستمر حالة الشد والجذب
وحتى الاتهامات بين الجهة المعنية بتصدير النفط، وهي المؤسسة الوطنية، والجسم
المعني باستلام مبيعات النفط، وهو المصرف المركزي، حتى أن الفروق بين المعلن من
قيمة المبيعات وما يتم توريده إلى المصرف المركزي يعد بالمليارات!!
هذا هو المخطر الأكبر والتحدي الأخطر، أي
خلخلة المنظومة المعنية بإدارة الموارد العامة وتنظيم دورتها من البداية إلى
النهاية، والأثر القاتل للاختراقات التي وقعت بها على أيدي سلطات سيادية وقوة
متنفذة هي فوق المحاسبة والمساءلة.
الأنظار متجهة إلى الخارج أملا في أن يأتي المجتمع الدولي والدول النافذة بحل للوضع السياسي والاقتصادي المتدهور، غير أن البوصلة الصحيحة ينبغي أن توجه من الداخل، فضغط الداخل أكثر تأثيرا على الطبقة المتنفذة، وما لم يكن للداخل فعله الضاغط، فإن تدخلات الخارج ستكرر خيارات سابقة، وستدعم توازنات وتفاهمات ثبت فشلها وإضرارها بالمصالح الوطنية.
هذا الاختلال لا يقود إلى نزيف في الموارد
فحسب، بل إنه يصنع متاهمة تضيع معها الاستثمارات الهادفة إلى زيادة إنتاج النفط
وباالتالي تحسين الإيرادات، فقد تم توجيه ما يزيد عن 60 مليار دينار لقطاع النفط
دعما لخطة زيادة الإنتاج إلى 2 مليون برميل يوميا وذلك خلال الأعوام 2022 ـ 2025م،
ولم يتحقق الهدف المخطط له ولم تقترب المؤسسة منه.
قس على ذلك ملف الإعمار، ذلك أن البيانات
الرسمية تشير إلى إنفاق نحو 80 مليار دينار لصالح مشروعات وبرامج التنمية خلال
العام 2025م، والمردود والأثر لا يقارب هذه المبالغ الكبيرة، وكان ذلك الإنفاق
العشوائي على حساب تحسين مستويات عيش المواطن الذي يعاني بشدة من قسوة إرتفاع
أسعار السلع الرئيسية، من غذاء ودواء.
في هذه الدوامة المحزنة لا يظهر بصيص نور
وبارقة أمل لاحتواء حالة السقوط الحر، فالسطات التشريعية والتنفيذية عاجزة، بل
متورطة في حالة التأزيم، والمصرف المركزي أفرغ ما في جعبته، وكانت نتاج سياساته
عسكية، وبات الوضع فرصة للمتربحين، فعندما يتدهور الدينار يصير الدولار هو الملاذ،
وتصبح المضاربة في العملات سوقا رائجة.
الأنظار متجهة إلى الخارج أملا في أن يأتي
المجتمع الدولي والدول النافذة بحل للوضع السياسي والاقتصادي المتدهور، غير أن
البوصلة الصحيحة ينبغي أن توجه من الداخل، فضغط الداخل أكثر تأثيرا على الطبقة
المتنفذة، وما لم يكن للداخل فعله الضاغط، فإن تدخلات الخارج ستكرر خيارات سابقة،
وستدعم توازنات وتفاهمات ثبت فشلها وإضرارها بالمصالح الوطنية.