ليبيا.. أوضاع جبهتي الغرب والشرق واتجاه التدافع بينهما

السنوسي بسيكري
منذ الانقسام السياسي العام 2014م، صار التدافع في ليبيا يدور بين جبهتين أو كتلتين رئيسيتين هما: جبهة الغرب وجبهة الشرق.. الأناضول
منذ الانقسام السياسي العام 2014م، صار التدافع في ليبيا يدور بين جبهتين أو كتلتين رئيسيتين هما: جبهة الغرب وجبهة الشرق.. الأناضول
شارك الخبر
منذ الانقسام السياسي العام 2014م، صار التدافع في ليبيا يدور بين جبهتين أو كتلتين رئيسيتين هما: جبهة الغرب وجبهة الشرق، فقد توزعت الفواعل المؤسساتية بين الجبهتين، وصار لكل منهم واجهة سياسية وقوة عسكرية ومقوما اقتصاديا.

ويتفق جل الداعمين للشرق على أن مظهر القوة لديهم يتمثل في وحدة التمثيل والقرار والنفوذ، ويؤيد هذا الطرح عدد من المراقبين والنشطاء ضمن معسكر الغرب، بمعنى أن الشرق يتمحور حول المشير خليفة حفتر، ومن خلفه أبناؤه، فهو صاحب الكلمة الأخيرة وهو من يرسم ملامح المشهد السياسي والاقتصادي والأمني هناك، فيما تتوزع السلطة والنفوذ قوى ومكونات عديدة في الغرب، ويتأزم الوضع بناء على هذا التشتت.

مشروع حفتر، الذي تعول عليه قوى محلية وأخرى خارجية، يقف على مفترق طريق بسبب تراجع نفوذ الزعيم الأب وارتباك خطة نقل السلطة والنفوذ من بعده، ولاحت بوادر أزمة بين "ورثة" القائد العام خلال الأشهر الماضية، ويبدو أن حراكا محليا وخارجيا يتجه لمنع تطور الأزمة وتحولها إلى صراع، وقد يشهد الشرق جولة تدافع سريعة وحاسمة لإعادة تركيز السلطة والنفوذ.
خليفة حفتر أقدم على خوض غمار مغامرة التفرد بالسلطة والتحكم في مقاليد الأمور عبر قوة الجيش، وكانت أولى الجولات هي الإعلان عن الانقلاب على النظام السياسي الذي نشأ بعد فبراير 2011م وحدد أركانه الإعلان الدستوري، وقد تكشف أن ترتيباته ليست بالمستوى وأن توقعاته حالمة، فلم تنجح المحاولة، إلا أنه عاود الكرة من خلال رفع شعار "محاربة الإرهاب" في الشرق، ونجح في ذلك، بدعم الخارجي والتفات الحاضنة الشعبية، فكان أن تقدم خطوات كبيرة في مشروعه للحكم، حيث تبع مرحلة انتصاره في حرب بنغازي إجراءات أمنية صارمة مكنته من التحكم في مقاليد الأمور في الشرق والجنوب.

الوضع في الغرب كان مختلفا، فالقوة السياسية والعسكرية ظلت متحفظة على المشروع العسكري، وتأطرت سياسيا و عسكريا وفقا لهذا الموقف، إلا أنها لم تتقدم تنظيميا لتحقق تماسكها ووحدة قرارها، والتغيير في الخارطة الأمنية والعسكرية التي عرفتها جبهة الغرب بعد العام 2018م، خاصة العاصمة، كان تكريسا لحالة التنازع، وليس اتجاها لتركيز السلطة والنفوذ في دائرة واحدة، وقد أصابت مؤخرا لوثة النزاع المنظومة السياسية العليا في الغرب الممثلة في المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة والحكومة.

طول أمد الأزمة وتعزيز نفوذ العائلة وتأثير ذلك على الموقف الشعبي قاد إلى تراجع تعويل خليفة حفتر على التأييد الطوعي الواسع من مختلف المكونات المجتمعية، إلى الاعتماد أكثر على الاستبداد والعنف والولاء الشخصي للسياسيين والقيادات الاجتماعية ورجال الأعمال، وسبق ذلك ترتيبات عسكرية وأمنية ركزت القرار الأمني في يده.

في الغرب الليبي استمرت حالة الميوعة لأكثر من عقد من الزمان، وظلت المناطق التي تشكل ثقلا ديمغرافيا وتحوز على سلاح مؤثرة في المشهد، وهي بالمقابل تسهم في استمرار حالة التشتت، وكان لتعاظم نفوذ عدد قليل من الكيانات الأمنية والعسكرية في العاصمة مشاركته في الحيلولة دون الاتجاه إلى هيكل سلطوي تراتبي منظم وقوي يخضع لتوجيهات رأس هرم الهيكل، فقد كانت تلك الكيات أحد أبرز أسباب ضعف حكومة الوفاق ومن بعدها حكومة الوحدة.

جبهة الغرب ملكت في مرحلة ما رؤية، وهي الحكم المدني، وامتكلت أدوات تحقيقها، السياسية والاقتصادية والعسكرية، لكنها لم تنجح في تحضير "الخطة الاستراتيجية" التي تحول الرؤية إلى منتظم منضبط وفعال يوقع تغييرا جذريا في الحالة المائعة، وينقلها إلى أساس سلطوي صلب
مشروع حفتر، الذي تعول عليه قوى محلية وأخرى خارجية، يقف على مفترق طريق بسبب تراجع نفوذ الزعيم الأب وارتباك خطة نقل السلطة والنفوذ من بعده، ولاحت بوادر أزمة بين "ورثة" القائد العام خلال الأشهر الماضية، ويبدو أن حراكا محليا وخارجيا يتجه لمنع تطور الأزمة وتحولها إلى صراع، وقد يشهد الشرق جولة تدافع سريعة وحاسمة لإعادة تركيز السلطة والنفوذ.

بالنسبة لجبهة الغرب فالمخاض الذي تعيشه منذ أكثر من عقد ما يزال عسيرا ولم يسفر عن ولادة جنين الوحدة وتركز سلطة والنفوذ، صحيح أن الحكومة، وفق مشروع عائلة ادبيبة، تحافظ على ما تمتلكه من نفوذ وتنجح في تخطي التحديات التي تواجهها سواء الداخلية أو الخارجية، وتتوسع في شبكة نفوذها من خلال استقطاب الحلفاء في العاصمة والمناطق المؤثرة في الغرب، إلا إنها لا تتجه إلى بناء سلطوي تراتبي يخضع لها بشكل مطلق كونها رأس هرم السلطة التنفيذية في الغرب، بل ما تزال تعول على التفاهمات والصفقات، وهذا وضع غير متماسك وفيه من الهشاشة الكثير، فضلا عن أنه يبتعد عن توجهات وسياسات البناء السلطوي والمؤسساتي الصحيح.

جبهة الغرب ملكت في مرحلة ما رؤية، وهي الحكم المدني، وامتكلت أدوات تحقيقها، السياسية والاقتصادية والعسكرية، لكنها لم تنجح في تحضير "الخطة الاستراتيجية" التي تحول الرؤية إلى منتظم منضبط وفعال يوقع تغييرا جذريا في الحالة المائعة، وينقلها إلى أساس سلطوي صلب،  وقد كشفت ردة الفعل على خطة مسعد بولس، أن الروح ما تزال حاضرة، لكن هذه الروح ليست كافية، ومع استمرار تعثر الانتقال إلى المسار الاستراتيجي التغييري، فإن هذه الروح معرضة للفناء.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل