أثار
تكريم هدى بن عامر من قبل جهاز
الرقابة
الإدارية في
ليبيا موجة غضب في أوساط المعارضين للنظام السابق، والاعتراض تأسس على
الخلفية السياسية والأيديولوجية للمعنية كونها من عناصر اللجان الثورية، التنظيم
السياسي الذي تحكم في مقاليد الأمور فترة من عمر نظام القذافي، وتورط الكثير من
عناصره في ممارسات فظيعة، خاصة خلال عقد الثمانينيات.
بن عامر تحمست بشدة للسلوك العنيف الذي
انتهجه القذافي ضد معارضيه أو حتى من اعتبرهم منحرفون "رجعيون" وفق
العقيدة الثورية التي تبناها، ويعتقد أنها متورطة في انتهكات جسيمة لحقوق الإنسان،
وهناك شواهد تعزز هذا الاعتقاد، ومن هنا ثارت ثائرة "أنصار فبراير"
واتسعت دائرة الاحتجاج والتنديد على ما أقدم عليه جهاز الرقابة ورئيسه، الذي اعتمد
في تكريمه على أن هدى بن عامر قد تولت رئاسة جهاز الرقابة الإدارية قبل ثورة
فبراير.
إن التغافل عن سلوك مشين وفعل هدام لم يتبرأ منهما مرتكبه، ولم ينصف فيه من وقع عليه الظلم، أفراد وأشخاص اعتباريين، هو ليس فقط حض على دوام السلوك المشين والفعل الهدام، بل هو مسمار في نعش مقاربة التحول السياسي والاجتماعي والثقافي نحو مجتمع حضاري ودولة متقدمة.
حجر الزاوية عندي في تقييم ما جرى هو
البوصلة الضائعة لصناع القرار وأجهزة إدارة الدولة، خاصة الرقابية منها، في تقييم
الأفراد وتقدير السلوكيات والحكم عليها، وإلا كيف يمكن أن يقع جهاز رقابي سيادي
حساس في مثل هذا الموقف؟!
إن التغافل عن سلوك مشين وفعل هدام لم يتبرأ منهما مرتكبه، ولم ينصف فيه من وقع
عليه الظلم، أفراد وأشخاص اعتباريين، هو ليس فقط حض على دوام السلوك المشين والفعل
الهدام، بل هو مسمار في نعش مقاربة التحول السياسي والاجتماعي والثقافي نحو مجتمع
حضاري ودولة متقدمة.
والتحجج بأن المعنية لم يصدر بحقها حكم
قضائي ولا يوجد ما يدين سلوكها من قبل السلطات التنفيذية يزيد الطين بلة ويضيف إلى
الركام الكبير الذي يقف سدا أمام جهود تخطي مرحلة التخلف والتخبط والانطلاق إلى
فضاء البناء والنهوض. فنحن، مجتمع ودولة، ما زلنا في تيه وحيرة ولم نفلح في الوصول
إلى بوابة الولوج إلى دولة المؤسسات والقانون والحقوق والرفاه الاقتصادي
والاجتماعي، وما يزيد في تيهنا وحيرتنا هي هذه الاختيارات المرتبكة.
ؤ، التي يظن البعض انها
ثانوية، بينما تشكل ابرز العوائق أمام التقدم بثبات صوب الاستقرار السياسي والنهوض
الاقتصادي والاجتماعي.
القفز على ممارسات وأحداث ووقائع كبرى تتعلق
بانتهاكات الحقوق أو تجاوزات بحق الدولة ومؤسساتها ومواردها، سواء ما وقع في عهد
سبتمبر، أو حتى ما تورط فيه من هم محسبون على فبراير، واعتبارها كأن لم تقع،
والتغاظي عن مرتكبي تلك الممارسات وربما التعامل معهم كأبطال يضرب بعرض الحائط
جهود الإصلاح ويصادم اشتراطات الانتقال الصحيح وأسس البناء الراسخ للدولة
ومؤسساتها.
التطرف الفكري والعنف الجسدي والانتهاكات لحقوق الليبيين والتعدي على الدولة ونهب ثرواتها والعبث بالمال العام ينبغي أن لا تكون محل مساومة أو تساهل، ويجب أن يحكمها منطق واحد هو الرفض والإدانة والمحاسبة دون تمييز أو محاباة،
التطرف الفكري والعنف الجسدي والانتهاكات
لحقوق الليبيين والتعدي على الدولة ونهب ثرواتها والعبث بالمال العام ينبغي أن لا
تكون محل مساومة أو تساهل، ويجب أن يحكمها منطق واحد هو الرفض والإدانة والمحاسبة
دون تمييز أو محاباة، ولتكون هذه القيم والمبادئ هي العقيدة المشتركة للجميع، يقفون
صفا واحدا لدعمها ويضحون بكل عزيز من أجل تثبيتها لتكون الأساس والضابط ليس فقط
للأداء المؤسسي بل الحاكم لثقافة المجتمع والمؤطر لسلوك أفراده.
ما يميز المجتمعات المتقدمة هو حجم الوعي
بقيمة الإنسان وحقوقه، والنظرة المتحضرة
لمكانة الدولة ومتطلبات قيامها، وعلوية الوطن في وجدان أبنائه، والاستعداد للتحرك
وفق السبل المتاحة للدفاع عن تلك الحقوق وحماية المكتسبات التي تحمي الدولة وتعلي
من مكانة الوطن دون استثناءات، ولقد كان الموقف الإنساني الجبار الداعم لغزة من
قبل المجتمعات المتقدمة شاهد على الوعي والتحضر وعلامة فارقة في التغيير الذي
يشهده العالم اليوم، وتظهر انعكاساته الإيجابية على مجتمعاتنا المتخلفة.
لذا فإن ردة الفعل على ما وقع من تكريم
للسيدة بن عامر ينبغي أن يكون وفق هذا الفهم ومنطلقا من هذه الرؤية، وليس من قبيل
المناكفة السياسية، وجولة من جولات الصراع وتسجيل النقاط بين الخصوم السياسيين،
ويقتضي هذا صدق في المواقف من قبل الجميع، المحسبون على سبتمبر ومن يمثلون روح
فبراير، وينبغي أن يفضي هذا الوعي إلى مراجعة حقيقة ومكاشفة صادقة ومحاسبة دقيقة
تصنف المظلوم وتعزيز القيم التي تبنى عليها المجتمعات الراقية وتعيد الاعتبار
للدولة، ليكون هذا الفعل المتحضر البداية الصحيحة للعبور إلى فضاء الاستقرار
والنهوض.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.