تشييع المؤسسات الصحفية القومية بمصر إلى مثواها الأخير!

سليم عزوز
"الصحف القومية كانت هي الضمانة الحقيقية لاستمرار تفوق المدرسة الصحفية المصرية"
"الصحف القومية كانت هي الضمانة الحقيقية لاستمرار تفوق المدرسة الصحفية المصرية"
شارك الخبر
تمخض الجبل فولد فأرا ميتا.. فبعد أن نسي الناس المبادرة الرئاسية لتطوير الإعلام المصري، أعادوا تذكيرنا بها، فإذا بما تسرب من نتائج اجتماعات اللجنة المعنية يصدمنا، ويستدعي الوقوف ضده قبل أن تحل الكارثة على الصحف القومية المصرية، التي كانت فيما سبق من قوى مصر الناعمة.

لقد كان البعض يمنّي نفسه بأن وراء إطلاق المبادرة، نية لدى النظام في تطوير الإعلام، وكفالة حريته، ولو بالعودة به لحدود ما قبل يناير/كانون الثاني 2011، وكان رأيي أنه حتى لو كانت النوايا صافية، فإن من يسيطرون على المشهد الإعلامي سيحولونها إلى هشيم تذروه الرياح، كما فعل غيرهم مع مبادرة الحوار الوطني، التي تم تفريغها من المضمون، وتحولت إلى مكلمة للتسلية وتمرير وقت الفراغ!

والحال كذلك في مبادرة تطوير الإعلام، لأن أي تطوير حقيقي، ولو في الحد الأدنى، يعني خروج من أُحيل لهم الأمر من المشهد، فهم عناوين مرحلة الفشل، وهؤلاء صاروا مراكز قوى، ولم تعرف مصر أمثالهم إلا في بداية عهد السادات فقط، وهم الذين تخلص منهم "بضربة معلم" في بداية حكمه، فمراكز القوى تأسست في عصر عبد الناصر، وكانت هزيمة يونيو/حزيران 1967 فرصة للقضاء عليهم، مثل التخلص من المشير عبد الحكيم عامر ورجاله، من صلاح نصر لشمس بدران!

وقد كانت النكتة هي ما فعله رئيس الحكومة مصطفى مدبولي عندما أحال المبادرة إلى المجلس الأعلى للإعلام، وشكل لجنة لذلك، عقدت عدة جلسات للوصول إلى وضع الخطط لتطوير الإعلام، ثم رفعت التوصيات إلى رئيس الحكومة، فلم نعرف ما هي هذه التوصيات، وكأننا أمام عمل سري تقوم به منظمة أُسست بالمخالفة لأحكام القانون!

اختزال المبادرة في التخلص من الصحف القومية:

وفي الأسبوع الماضي تسربت أعمال اللجنة، فإذا بالتوصيات تنصب على إصلاح المؤسسات الصحفية المصرية، وإذا بالمبادرة تُختزل في أفكار للدكتور عبد المنعم سعيد، رئيس مجلس إدارة الأهرام السابق، وعضو لجنة السياسات السابق، ورئيس مجلس إدارة جريدة "المصري اليوم"، لا أعرف إن كان سابقا أم لا يزال يمارس مهمته، ذلك بأن الفشل الذي منيت به الصحافة المصرية في هذه المرحلة جعلنا لا نشغل أنفسنا بمن يتولى المواقع القيادية بالصحف، وعندما تصدر حركة الترقيات يسأل المرء نفسه: من هؤلاء الناس؟ ومن أين جاؤوا؟!

اللافت أن التسريب لم يحدث من قبل اللجنة الحكومية التي تشكلت بهدف تفعيل مبادرة الرئيس، ولا من الحكومة التي رفعت لها التوصيات، فالتسريب من جانب لجنة الثقافة والإعلام في البرلمان، التي أُحيلت لها الفكرة بشكل يوحي أن الهدف هو صدور تشريع بما هو معروض عليها، ولا يخرج عن الفكرة النيّرة لسعيد، بالتخلص من المؤسسات الصحفية القومية، وتحويلها لشركات مساهمة، أي يتم تخصيصها!

وعندما أخذ نظام مبارك بسياسة الخصخصة، وتخلص من صروح القطاع العام، كنت أقول إن قطار الخصخصة لن يصل البتة للصحف القومية، أو التلفزيون الرسمي، ولو صاروا عظاما في قفة، لإدراك السلطة أهمية وضع يدها على هذه المؤسسات، وبالتالي لن تفرط فيها أبدا.

بيد أن الأحوال تغيرت، وقد أنشأت السلطة إعلامها الخاص، واستولت على الإعلام المملوك لأشخاص، سواء قنوات تلفزيونية أو صحف، وبدا أنها زاهدة في الصحف القومية ومبنى ماسبيرو، فتركته للفشل، وعملت كل ما في وسعها للوصول به إلى هذه النتيجة، ليكون التخلص منه قرارا موضوعيا، وها هو الفشل قد اكتمل، وإلى درجة عندما يذاع الاتجاه لتحويل المؤسسات الصحفية القومية إلى شركات مساهمة، فلا يثير هذا حفيظة الناس، بما في ذلك العاملون في هذه الصحف.

نشأة الصحف القومية.. فكرة وقانونا:

لعل مصر، دون سائر الدول العربية الأخرى، هي التي تعرف نمط الصحافة القومية، بقانون تنظيم الصحافة الذي صدر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، والذي استقرت تسميته في كل المحافل بقانون تأميم الصحافة، والذي انتقل بملكية هذه الصحف من أصحابها إلى ملكية الشعب "صوريا"، وملكية السلطة "واقعيا"، لتكون بمرور الوقت من أعمال السيادة لرئيس الجمهورية.

وقد كان "التأميم" هو سياسة النظام حينذاك، لكن كانت الصحافة هي آخر المؤسسات التي طُبقت هذه السياسة عليها، حيث صدر قانون تنظيم الصحافة سنة 1960، أي بعد ست سنوات من حكم عبد الناصر، وكانت هناك أزمة في البحث عن مالك يمثل ستارا للمالك الحقيقي، وهو رئيس الجمهورية، فكان في البداية الاتحاد القومي "التنظيم السياسي الوحيد"، وبتحويله إلى الاتحاد الاشتراكي، صار هو من يمارس الملكية نيابة عن "تحالف قوى الشعب العامل"، وبالتعددية السياسية كان من يمثل المالك هو مجلس الشورى، والآن انتقل الأمر إلى ما يسمى بالهيئة الوطنية للصحافة.

وكما انتقلت شركات القطاع العام لتكون عناوين مهمة، فكذلك المؤسسات الصحفية القومية، وهي التسمية الرسمية. ومما يُذكر هنا أن وصف "القومية" كان بعد عشرين سنة من التأميم بقانون سلطة الصحافة الذي صدر في عهد الرئيس السادات سنة 1980، لكن الناس كانوا قد درجوا على إطلاق لقب الصحف الحكومية عليها، ولم يغير من طبيعة الأمر الاستقلال الذي كانت تتمتع به إداراتها، فالكفاءات المهنية نجحت في أن ترتقي بها بعيدا من أن تكون نشرات حكومية، ربما لأنها حتى السنوات الأخيرة من عهد مبارك، كانت شأنا يخص الرئاسة لا الحكومة!

وبعيدا عن السياسة، فالصحف القومية كانت هي الضمانة الحقيقية لاستمرار تفوق المدرسة الصحفية المصرية، ومنها خرجت الكوادر التي أسست بعض صحف دول الخليج، والكوادر التي استعانت بها الصحافة الحزبية الوليدة بداية من سنة 1977، ثم تجربة الصحافة الخاصة بعد صدور قانون تنظيم الصحافة لسنة 1996، الذي خفف من الشروط التعجيزية لعودة الصحف الخاصة بقانون سلطة الصحافة السابق عليه.

وكان وزير الإعلام صفوت الشريف يرى سلطاته منقوصة ما دام لا يملك سلطات وزير الإرشاد القومي على الصحافة القومية، وقد هيمن عليها بعد رئاسته لمجلس الشورى، وتخلص من القيادات التاريخية لصالح جيل جديد، لكن الخيارات لم تصل إلى درجة كبيرة من السوء إلا بعد 2014، وبالدفع بقيادات من "المجهول"، لتعيش الصحافة الحقيقية أسوأ حالها.

زمن الإلكتروني لا الورقي:

ويتم القفز على هذا الفشل، بأن العالم تجاوز الصحافة الورقية، إلى النشر الإلكتروني، فكان لكل صحيفة موقع إلكتروني، ففشلت المواقع كما فشل المطبوع، على نحو كاشف بأن الأزمة ليست في وسيلة النشر، فالاختيارات الفاشلة هي المسؤولة عندما تصبح المهنة هي الفريضة الغائبة، فلا تجد مقالا لافتا، أو خبرا يمثل سبقا، أو حملة صحفية تزلزل الدنيا، كتلك التي عايشناها ومثلت في ذاكرتنا المهنية علامات مهمة!

والحديث عن عزوف الناس عن القراءة ليس جديدا، فأنا أسمعه منذ أن عملت بالصحافة، ولم يتغير في أوقات كان توزيع بعض الصحف يتجاوز مليون نسخة للعدد الواحد من الصحيفة، وإذا مرت الصحافة القائمة بحالات ضعف فُسرت على أنها لتراجع القراءة، فقد كشفت الصحافة الخاصة الوليدة زيف هذه الدعاية، وهكذا.

وإذا كنا في زمن النشر الإلكتروني، وعندما نضرب مثلا بأحد المواقع حيث يصل عدد من يدخلون عليه يوميا إلى خمسة ملايين قارئ، رغم حظره في مصر، ثم نكشف عجزا مطاعا في المواقع الإلكترونية التابعة للمؤسسات الصحفية القومية، فهي أزمة اختيار القيادات، والتي يقع الاختيار عليها لحسابات غير مهنية تماما، وعندما نعلم أن التعيين وضخ دماء جديدة لهذه المؤسسات، متوقف منذ سنة 2014، سنعلم أنها خطة محكمة لطي ملف الصحافة المصرية، وتشييع المهنة إلى مثواها الأخير.

فعندما يحال الجيل المعلم للتقاعد دون أن تستفيد منه الأجيال الجديدة، فمن أين يتعلم الشباب المهنة؟ إن البديل هو أجيال ليس لها نصيب من العلم، والصحافة لا يتعلمها الناس من الكتب، ولكن بانتقال الخبرات في المؤسسات الصحفية وفي صالات التحرير!

التحويل إلى شركات مساهمة:

لقد قالوا إن الصحف القومية مدينة للبنوك ولهيئة التأمينات الاجتماعية بتسعة مليارات جنيه، وفي ظل أوضاعها الحالية فلا أمل في تسديدها، إذن الحل في تحويلها إلى شركات مساهمة، وكان يجب على السلطة أن تسقط هذه الديون، وأن تتولى الإنفاق السخي عليها، ضريبة على سوء إدارتها لها، فعندما يقع الاختيار على قيادات فاشلة بقرار سياسي وأمني، يعتمد الولاء وحده، ولا ينظر لأبعد من ذلك، فهل تدفع المؤسسات ضريبة هذا الاختيار، غير المبرر، وغير الموضوعي؟!

لقد أضحك مقترح عبد المنعم سعيد الثكالى، وهو يتحدث عن ضرورة أن تأخذ هذه المؤسسات بنظام المواقع الإلكترونية والفيديوهات، وهو الحاصل فعلا ولم ينتج أثرا، لأن الاختيار قائم على المجاملات، وكيف لمن جاء لموقعه على غير أسس مهنية، أن يعتمد المهنة معيارا للاختيار؟!

إن الحديث عن تحويل المؤسسات الصحفية القومية لشركات مساهمة، هو تصور مخادع، لأنه يعطي تصورا كاذبا بأن التغيير سيكون في اللافتة فقط. فهذه الشركات لن تبقي على ملكيتها العامة، ولكنها ستحولها إلى صحف قطاع خاص، بحسب القانون!

ولعل السؤال الملحّ هو: من سيقدم على المساهمة في هذه الشركات لصحف فاشلة أصلا؟ وهل يسمح النظام بسياسته الحالية لرجال أعمال مثلا بالاكتتاب لشراء هذه المؤسسات؟!

لقد استولت السلطة على الصحف الخاصة، والقنوات الفضائية المملوكة لأشخاص، لصالح الشركة المتحدة، فهل تستولي على الصحف والقنوات الوليدة، ثم تترك هذه المؤسسات العريقة في يد أفراد مهما كان ولاؤهم للسلطة؟!

هنا يمكن أن نفهم ما ذهب إليه مقترح عبد المنعم سعيد، المعروض على البرلمان، بدمج بعض المؤسسات، فتدمج "روزاليوسف" في "الجمهورية"، وتدمج "دار المعارف" في "الأهرام"، وهكذا!

وسياسة الدمج في تاريخ الصحافة المصرية سيئة السمعة، فقد دمج صفوت الشريف بصفته رئيسا لمجلس الشورى؛ "دار الشعب" في "الجمهورية"، و"دار التعاون" في "الأهرام" و"أخبار اليوم"، وكانت عين النظام وقتئذ على ممتلكاتها من العقارات؛ إنها مؤسسات فقيرة، لكنها تملك أصولا عقارية تقدر بملايين الجنيهات، وكانت السفارة الأمريكية قد بالغت في تقدير مبنى لـ"دار التعاون"، وكان المنطق أن تندمج المؤسسات بأملاكها، لكن الذي حدث هو إرسال الأفراد دون الأصول، وقامت الثورة ولم يمكّن نظام مبارك من الاستفادة من بيعها!

والعين الآن على الأصول، ومن هنا فإن شركات المساهمة ستكون على قواعد الشركة المتحدة، بحيث يتم إخلاء المؤسسات الصحفية من مقارها التاريخية في وسط القاهرة، ربما للعاصمة الإدارية الجديدة، ليتم وضع اليد على مقارها وأصولها، للتخلص من صحفها على مراحل تحت لافتة الفشل!

وقد حدث في هذا العهد أن أغلقت الصحف المسائية الثلاث دفعة واحدة، وتحويلها لمواقع على الإنترنت، وإذا فهمنا مبرر وقف طباعة "الأخبار المسائي"، و"الأهرام المسائي"، فما هو المبرر لوقف طباعة "المساء"، وهي صحيفة ناجحة من حيث التوزيع؟

إنها سياسة التصفية لقوى مصر الناعمة، بعد أن تم إضعافها لتبرير التخلص منها، وتشييعها إلى مثواها الأخير!

شكرا لمبادرة تطوير الإعلام!

x.com/selimazouz1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل