مصر وإيران.. حدود المناورة!

سليم عزوز
"إيران لم تُضع الفرصة، ووضعت صورة الشيخ سيد عبد الباري على أحد صواريخها"- فيديو لوكالة تسنيم
"إيران لم تُضع الفرصة، ووضعت صورة الشيخ سيد عبد الباري على أحد صواريخها"- فيديو لوكالة تسنيم
شارك الخبر
قطعت طهران قول كل خطيب، ووضعت حدا للتبرير الذي قيل في تفسير دعاء صاحب الخطبة الرسمية للعيد، ولم يعد من المناسب اعتماد الدعاء بحسبانه تعبيرا عن حب المصريين لآل البيت، وليس خلفه توظيف سياسي ورسالة لمن يهمه الأمر!

ومع صمت السلفية الرسمية ورموزها، فإن وعاظا رسميين انطلقوا في البرية لإشاعة الدعاء كما لو كان معتمدا في الخطاب الديني الرسمي أو الشعبي، حتى تكرر على ألسنة كثير من خطباء الجمعة الماضية، وانتقل به الواعظ المعين بمجلس الشيوخ، الشيخ أحمد تركي، إلى المجلس: "اللهم بحق فاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها، والسر الكامن فيها، لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقك".

وقد أرهقنا الجدل، فقد ذهبت إلى طرح سؤال عن المدافعين عن الدعاء من الوعاظ، وهو: هل سبق لأحد منهم الدعاء به من قبل، أو سمعه على لسان أحد أيام التلمذة بالأزهر، أو حتى في مجلس صوفي؟ والإجابة بالنفي، فهل حدث الفتح الإسلامي لمصر في صبيحة يوم العيد، وقد جاء بالدعاء توا الفاتح الكبير الشيخ سيد عبد الباري، فخر الدعاة وقمر وزارة الأوقاف معه؟!

السر السياسي الكامن فيه:
لست معنيا بالموقف الديني من الدعاء الغريب على أسماع المصريين، مع حبهم آل البيت، فما شغلني هو السر السياسي الكامن فيه

لست معنيا بالموقف الديني من الدعاء الغريب على أسماع المصريين، مع حبهم آل البيت، فما شغلني هو السر السياسي الكامن فيه، وقد نظرت بشيء من الريبة عندما أعلنت وزارة الأوقاف (التي يتبع لها الخطيب والمسجد) عن إدانتها للعدوان الإيراني على دول الخليج، وقد كان هذا بعد الخطبة والجدل الذي صاحبها، وبعد أيام طويلة من العدوان المتكرر، وقد كفّى موقف الأزهر ووفّى، وهو الجهة الدينية الرسمية التي إذا قامت بشيء فلا معنى لموقف من جهات رسمية أخرى، وإذا تحركت وزارة الأوقاف، فلماذا لم تدن الوزارات الأخرى العدوان، لولا أنها أزمة فخر الدعاة وقمر الوزارة؟!

إيران لم تُضع الفرصة، ووضعت صورة الشيخ سيد عبد الباري على أحد صواريخها التي تم إطلاقها في اتجاه تل أبيب، مع تكرار الدعاء صوتا وكتابة، لكن ليس بنهايته من توسل إلى الله بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها، بألا يجعل لمصر حاجة عند لئيم (جارٍ البحث عنه)، الأمر الذي يكشف أن الدعاء يخصها ذكرا وتوظيفا، وأنها تدرك ذلك.

وتكون هذه هي الشخصية المصرية الثالثة التي يجري الاحتفاء بها إيرانيا منذ قيام الثورة الإسلامية، فقد سبق أن أطلقوا اسمي الشيخ عبد الحميد كشك والملازم أول خالد الإسلامبولي على شارعين في طهران!

والأول هو الداعية المعروف، والذين يتابعون خطبه يعرفون كم كان منحازا للثورة الإيرانية، وفي الحرب العراقية الإيرانية كان انحيازه الكامل لطهران، ويرى أن العراق هو من بدأ بالعدوان، فكان الاحتفاء باسمه طبيعيا.

أما خالد الإسلامبولي، فهو من اغتال الرئيس السادات، الذي كان يناصب الحكم الإيراني الجديد العداء، وهو من استقبل الشاه بعد أن سدت في وجهه الدنيا. ورُويت قصة من تأليفه عن الشاه الذي دعم مصر في حرب أكتوبر بالبترول، وهذا بما لم يقل به أحد من قبل وإلى الآن، لكنه السادات عندما تتحرك ملكة التأليف لديه. وإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فقد ألّف قصة تخص الشيخ كشك في خطابه الخاص باعتقالات أيلول/ سبتمبر 1981، عندما ادعى أن الرئيس السوداني جعفر النميري شكى له من مظاهرات عمت الخرطوم ضده بسبب الشيخ كشك، ليتبين أن النميري نفسه لم يقل للسادات شيئا من هذا القبيل!

وقد تم استخدام اسم شارع الإسلامبولي في طهران ذريعة في استمرار القطيعة بين مصر وإيران، ولأنها غير مبررة، فكانت القاهرة تلجأ إليها لتبرير موقفها، ولكي تتستر على السبب الحقيقي، وهو لتجنب إغضاب الخليج (السعودية تحديدا) والولايات المتحدة الأمريكية! وبعد أخذ ورد، أقدمت طهران على هذه الخطوة التي حاولت كثيرا عدم اتخاذها، فرفعت اسم الإسلامبولي، وأذكر أنني كتبت حينذاك أنه مع ذلك لن تعود العلاقة بين البلدين!

كل من الشيخ كشك وخالد الإسلامبولي محسوبان على المعارضة للنظام، وإذ تم إعدام الأخير، فإن الأول تم منعه من الخطابة منذ تعرضه للاعتقال في أيلول/ سبتمبر 1981، إلى وفاته سنة 1996، بيد أن الشيخ سيد عبد الباري هو أحد المسؤولين في وزارة الأوقاف، وخطيب العيد في حضرة رئيس الدولة، وعلى منبر مسجد من مساجد السلطة المعتمدة لديها!

ومن هنا، فما حدث يفوق أكثر أحلام إيران جنونا، إذا علمنا أنها تحلم بإقامة علاقة طبيعية مع مصر، وترى أن الفرصة صارت مواتية الآن، فاحتفت بالخطيب لإعلانه دعاء يخصها، الأمر الذي يجعل من السؤال المطروح عن مستقبل العلاقات بين البلدين أهميته القصوى، عندما تسكت المدافع وينقشع الغبار!

حدود الأزمة المصرية الخليجية:

الخليج غاضب، لأنه كان ينتظر أن تكون القاهرة حاضرة مع أول صاروخ إيراني وصل إلى أول عاصمة؛ ببياناتها وموقفها السريع والحاسم، ولعلهم تذكروا بيانات الرئيس مبارك شبه اليومية الموجهة لصدام حسين في نفس الوقت. والقاهرة تقول إنها أدانت العدوان، ومن الخليجيين من يقولون إن الموقف تأخر!

والبعض في القاهرة صوّر أن الخليج يطلب من الجيش المصري النجدة، وهذا ليس صحيحا، وكان اللافت أن قائد الجيش الثاني السابق اللواء أحمد وصفي، يخرج عن صمته ويدلي بحديث لبودكاست يرفض فكرة قيام الجيش بمهام خارجية، فجيش مصر لمصر. وغيره قال نفس الكلام.

وجانب من هذا الكلام موجه للداخل لا للخارج، حيث رسم صورة بأن الخليج يطلب النجدة من القوة المصرية، بما ينبغي على المصريين أن يقدروا أهمية امتلاكهم للقوة، لا سيما أن ذلك يعزز من شرعية الحكم الحالي باعتباره من هذه القوة!

جانب من هذا الكلام موجه للداخل لا للخارج، حيث رسم صورة بأن الخليج يطلب النجدة من القوة المصرية، بما ينبغي على المصريين أن يقدروا أهمية امتلاكهم للقوة، لا سيما أن ذلك يعزز من شرعية الحكم الحالي باعتباره من هذه القوة

والإعلام المصري، حتى منذ البداية، لم ينحز للعدوان الإيراني، لكنه قدم خطابا فهم منه في الخارج ذلك، وهو إعلام محلي صور العدوان كما لو كان له مبرر، وهو وجود القواعد الأمريكية في الخليج التي رفضتها مصر، التي لا تحتاج لحماية أجنبية لقوة جيشها، فضلا عن أن أي قوة خارجية لا يمكن أن تعتدي عليها كما تعتدي على الخليج تحسبا لقوة الردع هذه!

ورغم محلية الخطاب، فإن انتشاره عبر منصات التواصل أدخله في سياق "التلسين" والكلام لك يا جارة، فكان الرد عنيفا من مثقفين في الخليج، وبلغ الأمر حدا غير مسبوق بدخول رموز في دولة الإمارات العربية المتحدة على الخط، فقد اندفعوا للهجوم على الدولة المصرية، فهي دولة هشة، وكان يمكن أن تسقط لولا الدعم الإماراتي، بحسب عبد الخالق عبد الله.

ولا يخفى على أحد أن مصر الآن بحاجة ماسة إلى مساعدات مالية، يبدو أن الخليج ليس مستعدا للمزيد منها، وإلى درجة الطلب رسميا من الولايات المتحدة الأمريكية بها، فكان لا بد من إشارات بأن القاهرة قد تذهب بعيدا، ودعاء خطيب العيد، المحتفى به إيرانيا هو في هذا السياق، فهل يمكن أن تشهد العلاقات المصرية الإيرانية صفحة جديدة، كما تأمل طهران، على حساب علاقتها بالخليج؟!

الأمر هنا تحكمه اعتبارات عدة، منها: هل يمكن للخطاب الخليجي (الإماراتي بالذات) أن يستمر طويلا، والإمارات -كما يقول عبد الخالق عبد الله- هي من قامت باستقرار الدولة المصرية، وهو يقصد بالدولة النظامَ الحالي. وشيء من هذا قاله الرئيس عبد الفتاح السيسي، ولا معنى لاستدعاء تاريخ خمسة آلاف سنة (كما فعلت محاورة المستشار الإماراتي)، وقد ساعدت أبو ظبي مصر بكل أنواع المساعدات، وهل ننسى الخطاب التلفزيوني عن البطاطين الملساء التي جاءت من الإمارات، فضلا عن المساعدات المالية الكبيرة والقروض، بجانب الاستثمارات في مصر، وبأقل من هذا يأتي دور المملكة العربية السعودية!

وبعيدا عن الخوف من التقارب المصري الإيراني، فإن الخليج (الإمارات تحديدا) ليس على استعداد لأن يخسر الجلد والسقط بخسارته لنظام استثمر فيه!

ونأتي إلى الخيار الإيراني لمصر، فإن التقارب من طهران ليس مطروحا بشكل جاد على أجندة السلطة في مصر في الوقت الراهن، لأن الأزمة لن تكون خليجية إذا حدث هذا، بل قد تكون بعض دول الخليج أسرع في إقامة علاقات تقوم على حسن الجوار؛ من الموقف المصري المرتبط باعتبارات أمنية داخلية، واعتبارات خارجية ليس أهمها الخليج، ولكن أمريكا وإسرائيل! وقد كانت هناك مناورات للتقارب مع الروس أُحبطت في مهدها.

وما يحدث مع إيران هو مجرد إشارات، لمن يفهمون في فك شفرة هذه اللغة، مع الحفاظ خط الرجعة بأن الدعاء لا يعني إلا أن المصريين يحبون آل البيت، وأن الدعاء خاص بأهل السنة والجماعة، وإذ احتفت طهران بالشيخ سيد عبد الباري، قمر وزارة الأوقاف، فسوف تكتشف أن الدعاء ليس رسالة لها، ولكنه معلوم العنوان، وأن مصر لا يمكنها أن تذهب بعيدا.

فليبق كل في مكانه!

x.com/selimazouz1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)