لم
يعد السؤال الآن: ماذا يريد
الخليج من
مصر؟
فقد
تقدم واحدٌ من نخبته الرسمية وأفصح بعد لفٍّ ودوران، بأنهم كانوا ينتظرون أن ترسل
القاهرة سرب طائرات مع بداية الهجمات
الإيرانية، فكان الرد في اليوم التالي على
لسان المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة المصرية، بأن بلاده مستعدة لإرسال فرق طبية
والمساعدات اللازمة للدول العربية الشقيقة!
يندرج
التصريح في باب الفكاهة، لكني لا أعتقد أن متحدث وزارة الصحة يستهدف هذا من ورائه،
فالرجل وجد عدوانا على الإقليم، ووجد سلطات بلاده تعلن وقوفها مع دول الخليج، فقرر
أن يثبت حضوره في هذا الحفل الكريم، وإن بدا ما قاله سخرية، ليس هذا محلها، وردا
على ما قاله السياسي الإماراتي الدكتور عبد الخالق عبد الله، ولو استهدف صاحبنا
السخرية لما أبدع مثل هذا الرد؛ أن يكون الخليج ينتظر سرب طائرات، فيكون الرد عليه
بالاستعداد لإرسال أطباء وممرضات مع المستلزمات الطبية من قطن وشاش ومركروكم وخلاف
ذلك، وكأن الخليج تحول إلى منطقة منكوبة، وكأن الرجل يتحدث عن غزة!
فالأمور
في دول الخليج لم تصل لهذا الحد، ولم يكن جرحى الهجمات الإيرانية بالآلاف مثلا
ليستدعي الأمر "كرم أخلاق" وزارة الصحة، فالمصابون في دول الخليج جميعها
من العنصر البشري قلة، تستوعبها مستشفيات هذه البلدان وإمكاناتها الطبية الكبيرة،
ولم أقم بعملية جرد لهم، لكن ظني أنهم لا يتجاوزون العشرة أشخاص، بمن فيهم المهندس
المصري الذي لقي حتفه من جراء شظايا صاروخ إيراني ضل طريقه الطبيعي!
عبد
الخالق عبد الله ليس واحدا من آحاد الناس، وفي الواقع أن من يهاجمون القاهرة على
منصات التواصل الاجتماعي من الكويت والإمارات تحديدا، ليسوا من العامة، ولكن من
النخبة المثقفة في مجملهم، وتفوقت الإمارات بحضور ثلاثة من الكبار هم الفريق ضاحي
خلفان، وعبد الخالق عبد الله، وأنور قرقاش، وهم غاضبون على مصر، ويشعرون بخيبة
الأمل في موقف من يحكمها، وأقرأ ما يكتبون فلا أعرف ماذا كان يتوقعون منها على وجه
التحديد. فبعد التلميح لها بالدولة الهشة، وأن جيشها متهالك، كان التوضيح بأن
المطلوب هو ما تمناه عبد الخالق عبد الله من إرسال القاهرة سرب طائرات لدول الخليج. فجاءه الرد (غير المقصود) بأن مصر
مستعدة لإرسال الفرق الطبية والمساعدات اللازمة للدول العربية الشقيقة، أو كما قال!
تلحين
مشكلة مع مصر:
وإذا
كان الأمر صار واضحا الآن، فلا أفهم مثل هذا الإعلان من جانب عبد الخالق عبد الله
سوى "تلحين" لمشكلة مع مصر؛ ذلك بأن الخليج ليس في حالة
حرب تحتاج لحشد
من الجيش المصري أو بأسراب الطائرات المقاتلة، فهناك صواريخ تُطلق من طهران تستهدف
الخليج، وهناك دفاعات جوية خليجية تتصدى لها، فتسقط معظمها، وهذا نوع من الحروب لا
تصلح له أسراب الطائرات، والتي قد يكون انتظارها له ما يبرره إذا قررت دول الخليج
خوض الحرب، وهو ما ليس مقررا من جانبها!
يبدو
-والعلم عند الله- أن دول الخليج الثلاث التي ساعدت الحكم الحالي في مصر، تعتقد أن
رد الجميل كان يستدعي موقفا عمليا، بدون التضامن بالكلام، والذي يرونه جاء متأخرا،
ولأنهم يعانون من خيبة الأمل، فقد جاء كلام كثيرين ضد مصر قاسيا، ووصل الحال إلى
أن تتقمص مواطنة شكل المسؤولة وتعلن احتياج بلادها إلى الوديعة لدى البنك المركزي
المصري التي حان موعدها في شهر نيسان/ أبريل الجاري، وقيمتها مليارا دولار، وهو
طلب من اختصاص حكومة بلادها، لكن استمرارها في الدفاع عن طلبها يؤكد أن وراء
الأكمة ما وراءها.
والحال
كذلك، فلم يعد خبرا أن
العلاقات المصرية الخليجية ليست على ما يرام، فإلى أين سيقف
هذا الخلاف بعد أن تلقي الحرب أوزارها، واليقين أن هذه الأصوات لا تقدح من رأسها!
الخليج
الغاضب:
لا
تبدو مصر مستعدة لرد الوديعة الكويتية، وقد قرأت تصريحا مقتضبا، ربما خجولا، بأن
البديل المتاح هو الدخول بها لسوق الاستثمار في مصر، وتبدو القاهرة تتجاوز الديون
القديمة، وما يشغلها هو الحاضر والمستقبل، وإلى مزيد من المساعدات الجديدة. فبعيدا
عن الأداء الساخر على منصات التواصل بأن الحرب على إيران وتأثيرها في القاهرة، فلا
شك أن هذه الحرب لها تأثير موضوعي على الاقتصاد المصري، الأمر الذي يجعل الدولة
المصرية بحاجة إلى استمرار الأمل في الحلفاء بدول الخليج، وإذا كان قد جاءهم ما
يشغلهم، فإن الحرب لن تستمر طويلا، وغدا ينقشع الغبار!
فهل
الخليج الغاضب يمكن أن يبتعد عن مصر، ويعيد تقييم علاقته معها على ضوء الموقف غير
الإيجابي (من وجهة نظرهم) من الهجمات الإيرانية على الخليج؟!
هناك
من ينتظرون هذا التحول في العلاقات المصرية الخليجية، ويرونه فاتحة خير، لإدراكهم
أن التغيير يأتي في البداية من موقف الإقليم كما كان الحال من قبل، وموقف الإقليم
هو من ساهم مساهمة كبيرة في جلب التأييد الدولي!
هناك
نقطة مهمة أعتقد أنها تمثل "مربط الفرس"، وهي التي تجعل الحفاظ على
النظام القائم من أولويات الإقليم مع الغضب والشعور بالخذلان، وهي أن البديل إلى
الآن هو التيار الإسلامي (جماعة الإخوان على وجه التحديد)، ولو أقسم الإخوان على
الماء فتجمد أنهم لن ينافسوا في مجال السياسة، فلن يصدقهم الحكم المصري ولن يصدقهم
الإقليم!
وطول
التجربة المصرية، لم يكن هناك ما يمكن أن يخفيه الإخوان في صدورهم، وفي البداية
قالوا إنهم لا يريدون أن يحكموا بالشريعة، ولكنهم يريدون أن يُحكموا بالشريعة،
فلما سنحت الفرصة لم يترددوا في اقتناص الحكم، ثم ظلوا يتقدمون للعمل السياسي إذا
سمح النظام، ثم يتراجعون إذا منعهم، كما حدث في الانتخابات البرلمانية في 1990
و2010، ويعلن مرشدهم استعداده لتأييد جمال مبارك، ثم عندما يجد الفرصة مواتية
للثورة على المشروع برمته يشاركون فيها بإخلاص وجدية!
والإقليم
-وأقصد به دولا بعينها- مستعد أن يواجه تحديات المنطقة مع عدم قدرته على حسمها،
ولو قويت شوكة الإخوان لانتصر، لكنه لا يفعل، ويعد النموذج الأبرز هو الحاصل في
اليمن، فالاستعانة بجماعة الإصلاح من شأنه أن يكسر شوكة الحوثيين، لكن هذا الاتجاه
ليس مقبولا.
والنظام
المصري يدرك ذلك، لذا فنحن نعيش في "موال الإخوان"، حتى يتساءل المرء مع
هذا الإزعاج المستمر: متى يطوي هذا النظام صفحة الإخوان، وهو في الحكم منذ ثلاثة
عشر عاما؟ والإجابة: لن يحدث هذا، لأنهم صاروا فزاعة للدول التي ساندت النظام
الحالي، والتي لن يعجبها موقفه الآن، وبالتأكيد أنها غاضبة منه، لكن وجود الإخوان
يقوي مركزه!
تصدير
الربيع العربي:
والإقليم
مشكلته قديمة مع حكام إيران منذ حكم الخميني والحديث عن تصدير الثورة، وأن يصفو لهم،
فإن هذا يحتاج لمعجزة، والأمر نفسه ينسحب الآن على الإخوان. وليس سرا أنه جرى بعد
ثورة يناير التلويح بتصدير الربيع العربي إلى دول الإقليم المستقرة، فاحتشدت ضده،
والمشكلة في أن الإخوان تنظيم دولي بطبيعته، وعابر لحدود دولة المنشأ، وهذا سر
الخوف منه، مع القبول بدرجات متفاوتة بين هذه الدول بنموذج أحمد الشرع، لأنه محلي
الصنع، ولا يوجد له تأثير خارج حدود سوريا.
بيد
أن العلاقة بين القاهرة وعواصم خليجية بعينها، لن تعود كما كانت إلا من حيث الحفاظ
على النظام في حدود التذكير بالخطر الإخواني، وقد تتأثر أعداد المصريين في هذه
الدول بالموقف الجديد، ويتأثر حجم المساعدات، لكن لن يصل الأمر إلى القطيعة
الكاملة كما يتخيل البعض، وسيظل ما في القلب في القلب.
لا
بأس، إنما تأسى على الحب النساء!
x.com/selimazouz1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.