الفرات يفيض والنخوة السورية تحضر

فراس السقال
"غمر الفرات بعض الأراضي والبيوت، لكنه كشف أن سوريا الجديدة لا تبنى بالشعارات وحدها، بل بالفعل والمسؤولية"- سانا
"غمر الفرات بعض الأراضي والبيوت، لكنه كشف أن سوريا الجديدة لا تبنى بالشعارات وحدها، بل بالفعل والمسؤولية"- سانا
شارك الخبر
في أيام عيد الأضحى، حيث يفترض أن تعلو أصوات التكبير والفرح والتهنئة، علت على ضفاف الفرات أصوات أخرى: نداءات استغاثة، وتحذيرات من ارتفاع المنسوب، وحركة إخلاء، وسواتر ترابية، وجسور مهددة، وعائلات تغادر بيوتها، وأراضٍ زراعيّة غمرتها المياه. كأن الفرات، هذا النهر الذي حمل ذاكرة السوريين ورزقهم وحضارتهم، جاء هذا العام محمّلا بامتحان ثقيل، لا لأهل الجزيرة وحدهم، بل لكلّ السوريين.

لم يكن ما جرى حدثا عاديّا، فقد أدّى ارتفاع الوارد المائي، بعد أمطار غزيرة في تركيا وسوريا، وامتلاء السدود، وفتح بوابات المفيض في سد كاراكايا على نهر الفرات جنوب شرقي تركيا، إلى ارتفاع كبير في منسوب المياه باتجاه الأراضي السورية، ولا سيما في محافظتي دير الزور والرقة. ووفق ما أوضحه المدير العام لمؤسسة سد الفرات، فإن الجانب التركي مرّر نحو 2000 متر مكعب في الثانية، مع فتح جميع بوابات المفيض، في وقت كانت فيه السدود السورية ممتلئة بنسبة تقارب 96 في المئة، ما جعل القدرة على الاستيعاب محدودة ومعقدة.

هذه الأسباب الطبيعية والفنية وضعت المنطقة أمام خطر حقيقي؛ المياه تمددت إلى الأراضي والبيوت والطرق، وتضررت عائلات كثيرة، وخرجت بعض الجسور عن الخدمة أو تعرضت للتهديد، وواجه الأهالي صعوبات في التنقل والوصول إلى المدارس والمشافي والخدمات. وفي بلد أنهكته سنوات الحرب، لا تكون الكارثة مجرد فيضان ماء، بل فيضان أوجاع فوق أوجاع قديمة: بنى تحتية متعبة، وجسور مرهقة، ومحطات مياه وكهرباء تحتاج إلى دعم، وقرى دفعت ثمنا باهظا من أمنها واستقرارها.

ومع ذلك، فإن المؤمن ينظر إلى البلاء بعين الصبر والعمل معا. قال الله تعالى: "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ". والصبر هنا لا يعني الوقوف مكتوفي الأيدي، بل أن يثبت الناس، وأن يتعاونوا، وأن تنهض الدولة بمسؤوليتها تجاه أهلها.

وسط هذا المشهد الصعب، كان هناك ما يستحق أن يقال بوضوح وإنصاف: لقد رأينا استجابة حكوميّة وميدانيّة مختلفة عما اعتاده السوريون في زمن النظام البائد. نعم، خدمة الناس واجب الوزارات، والوقوف مع المتضررين ليس منّة من أحد، بل مسؤوليّة الدولة ووظيفتها، لكن من عاش عقودا تحت حكم نظام كان يتهرّب من الكارثة ويترك المواطن وحيدا أمام الخطر، يعرف قيمة أن يرى اليوم مسؤولين ووزارات وفرقا ميدانية تتحرك وتتابع وتعترف بالمسؤوليّة، ولو ضمن إمكانات محدودة وظروف صعبة.

وجاء وصول السيد الرئيس أحمد الشرع إلى دير الزور مع وفد وزاري، ومتابعته الميدانية قرب جسر السياسية، ليؤكد أن الحدث لم يعد ملفا محليا محدودا، بل أولوية وطنية تستدعي حضور الدولة في قلب الميدان. كما أن مواكبة الإعلام الرسمي من دير الزور تساعد على إبقاء صورة المتضررين حاضرة أمام الرأي العام، وتمنع أن تضيع معاناة الناس وسط زحمة الأخبار.

وقد تحركت الوزارات المعنية ضمن إمكاناتها المتاحة؛ فتابعت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث الاستجابة الميدانية، وشاركت الإدارة المحلية والدفاع والدفاع المدني في الإخلاء ورفع السواتر، وتابعت الطاقة والاتصالات والصحة والتعليم العالي والاقتصاد ملفات المياه والاتصال والمشافي والطلاب والخبز، في مشهد يعكس محاولة جادة لتنظيم الاستجابة ومنع اتساع الضرر.

ولا يجوز أن ننسى دور المحافظات والمجالس المحليّة ومديريات الخدمات الفنيّة، ولا الهلال الأحمر والمنظمات الإنسانية، ولا جهود المتطوعين الذين ظهروا في الميدان بما يملكون من أدوات بسيطة وروح كبيرة. حتى المبادرات الصغيرة، كإنشاء نقطة إنترنت مجانية قرب أحد الجسور الترابية في دير الزور، تحمل معنى كبيرا، فهي تقول إن المجتمع لم يمت، وإن النخوة ما زالت حيّة.

وهنا يحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يشكر اللهَ من لا يشكر الناس". لذلك نشكر كلّ عامل وقف في الماء والطين، وكلّ سائق آليّة، وكلّ مسعف، وكلّ متطوع، وكل موظف خدم أهله بجديّة، وكلّ مسؤول نزل إلى الميدان ولم يكتفِ بالبيانات. نشكر الجهد المبذول، ونشكر الصدق في الاعتراف بالخطر، ونشكر هذه الروح التي لم نعتدها في زمن الاستبداد.

لكن الشكر لا يلغي المطالبة، بل يؤسس لها. على الحكومة أن تذهب إلى أبعد من الاستجابة العاجلة، وأن تبدأ بجرد دقيق للأضرار، وتعويض العائلات المتضررة، ودعم الفلاحين الذين غمرت المياه أراضيهم ومحاصيلهم، وترميم الجسور والطرق، وتأمين مياه الشرب والكهرباء والخدمات الصحيّة، وفتح مراكز إيواء تحفظ كرامة الناس في أيام العيد وبعد العيد.

قال الله تعالى: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ". وهذه الآية ليست شعارا، بل منهج عمل في لحظات المحن. فالتعاون اليوم مطلوب من الوزارات والمؤسسات والمنظمات ورجال الأعمال والمغتربين وأبناء المحافظات كلّها. ونقترح على الأهالي في دير الزور والرقة وباقي المحافظات تشكيل لجان تطوعية محلّية للتنسيق مع فرق الطوارئ، والمساعدة في الإخلاء، وجمع البيانات الدقيقة عن المتضررين. كما ندعو القادرين من السوريين، داخل البلاد وخارجها، إلى دعم حملات الإغاثة بالمال والمواد الغذائية والفرش والأدوية والوقود، مع الالتزام بتعليمات السلامة وعدم الاقتراب من مجاري السيول والجسور المهددة.

كما يجب إنشاء منظومة إنذار مبكر على طول مجرى الفرات، وتدعيم الجسور والسواتر، وتجهيز فرق تدخل سريع، وتعزيز التنسيق المائي مع تركيا بما يحفظ حقوق السوريين المائية ويمنع تكرار المفاجآت القاسية.

إن دير الزور والرقة وأهل الجزيرة السورية ليسوا هامشا في هذا البلد؛ هم أهل النخوة والكرم والفزعة، الذين وقفوا مع السوريين في الشدائد، وفتحوا بيوتهم وقلوبهم، ودفعوا من أمنهم وعيشهم ثمنا كبيرا. لذلك فإن الوقوف معهم اليوم ليس واجب الحكومة وحدها، بل واجب كلّ السوريين.

لقد غمر الفرات بعض الأراضي والبيوت، لكنه كشف أن سوريا الجديدة لا تبنى بالشعارات وحدها، بل بالفعل والمسؤولية والوقوف مع الناس حين تضيق بهم الأرض. نسأل الله أن يحفظ أهلنا في دير الزور والرقة وكلّ ضفاف الفرات، وأن يعوض المتضررين خيرا، وأن يبارك بكلّ يد امتدت للمساعدة، وبكل جهد صادق وقف إلى جانب الناس في هذه المحنة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)