لا نريد أن نخسر الجزيرة..

فراس السقال
"الجزيرة لم تكن عندنا مجرد شاشة، بل كانت صوتاً للحقيقة في زمن كان فيه قول الحقيقة تهمة"- إكس
"الجزيرة لم تكن عندنا مجرد شاشة، بل كانت صوتاً للحقيقة في زمن كان فيه قول الحقيقة تهمة"- إكس
شارك الخبر
من كان ينسى تكشيرة جميل عازر وجلسته، ونبرة جمال ريان، وهجوم أحمد منصور، ومشاكسات فيصل القاسم وأسئلته النارية؟ من كان ينسى الاتجاه المعاكس، وبلا حدود، وشاهد على العصر، والشريعة والحياة، وأكثر من رأي؟ كانت الجزيرة يومها أكثر من قناة أخبار، كانت بيتاً إعلاميّاً واسعاً يجمع الخبر والرأي والتحقيق والقصة.

لم نكن نتابعها لأنّها تكرر الخبر، بل لأنها كانت تفتح لنا أبواب الفهم، وتدفعنا إلى النظر أبعد من العنوان العاجل. ومن تلك الذاكرة الجميلة يأتي هذا العتب، عتب من أحب الجزيرة، ولا يريد أن يخسرها.

وليست علاقتي بالجزيرة علاقة مشاهد عابر بقناة إخبارية، ففي بدايات الثورة السورية، حين اعتُقلتُ على يد شبيحة النظام المجرم، كانت إحدى التهم التي وجهت إلي أنني أتابع قناة الجزيرة وأرفع صوت التلفاز في نشرات الأخبار، وكانت غرفة المعيشة في بيتنا مطلّة على حارتنا التي كانت تمتلئ بالمخبرين والعيون المتربصة. يومها أدركت أنّ الجزيرة لم تكن عندنا مجرد شاشة، بل كانت صوتاً للحقيقة في زمن كان فيه قول الحقيقة تهمة، ومتابعة الخبر شبهة، ورفع الصوت بما يجري جريمة يعاقب عليها الخائفون من الضوء.

القنوات التي نحبها لا نغادرها بصمت، بل نعاتبها أملاً في أن تبقى قريبة من صورتها الأولى. والجزيرة، بما لها من حضور في الذاكرة العربية، تستحق أن يقال لها ما لا يقال لغيرها

لهذا فإنّ العتب على الجزيرة ليس عتب خصومة، بل عتب محبّة وثقة. فالقنوات التي نحبها لا نغادرها بصمت، بل نعاتبها أملاً في أن تبقى قريبة من صورتها الأولى. والجزيرة، بما لها من حضور في الذاكرة العربية، تستحق أن يقال لها ما لا يقال لغيرها. فالمشكلة ليست في اهتمامها بالأحداث الكبرى، فهذا مما يحسب لها، وإنّما في أن يتحول هذا الاهتمام أحياناً إلى استغراق طويل في ملف واحد، حتى يفقد الخبر العاجل رشاقته، ويتحول من نافذة على العالم إلى جدار يحجب بقية العالم.

نعم، نحتاج إلى الخبر العاجل وقت وقوعه، نحتاج إلى الصورة الأولى، والمعلومة الموثوقة، والمراسل القريب من الحدث، والتحليل الذي يساعدنا على الفهم. لكن المشكلة تبدأ حين يمتد الخبر لأسابيع وشهور، بالعنوان نفسه، والوجوه نفسها، والتحليلات نفسها، واللوحات التفاعلية نفسها، وكأن العالم توقف عند هذا الملف وحده.

ولعل مثال إيران حاضر اليوم، فقد صار ملفها ممتداً على شاشة القناة منذ شهور، وقبله كانت الحرب الغاشمة على غزة الحبيبة، التي بقيت لأكثر من سنة في صدارة التغطية اليومية. ولا أحد ينكر أهمية غزة، ولا مكانتها في وجدان كلّ مسلم وعربي وإنسان حر في هذا العالم. فقد تفاعل معها الناس بقلوبهم ودموعهم ومواقفهم ودعواتهم، وشعروا أن ما يجري فيها ليس خبراً عادياً، بل جرحاً مفتوحاً في ضمير الأمة والإنسانية.

لكن عرض الخبر بالطريقة نفسها وبشكل دائم قد يسبب أحياناً ردّ فعل عكسيّة لدى المشاهد. فحين تدفع القناة بالخبر ذاته، وبالـمشاهد ذاتها، وبالتحليل المتكرر ذاته، يوماً بعد يوم، فإنها قد تظن أنها تحافظ على حضور القضية، لكنها قد تساهم، من حيث لا تريد، في إضعاف تفاعل المشاهد معها. فقد يبدأ المتابع بحماس وتأثر، ثم لا يلبث بعد أيام أو أسابيع أن يصاب بحالة من البرود والملل، حتى إذا سمع الموجز أو رأى العنوان ذاته، بادر إلى تغيير القناة، لا كرهاً بالقضية، بل هرباً من نمط التناول المتكرر.

وهذا أمر خطير، لأنّ القضية العادلة تحتاج إلى إعلام ذكي يحافظ على حرارة التفاعل معها، لا إلى تكرار يستنزف وجدان الناس. فغزة لا تحتاج فقط إلى أن تبقى على الشاشة، بل تحتاج إلى أن تبقى حية في القلب والعقل والضمير. وهذا لا يتحقق بكثرة الإعادة وحدها، وإنما بالتجديد في المعالجة، والتنوع في الزوايا، والانتقال من الخبر الخام إلى القصة الإنسانية، ومن الصورة الصادمة إلى السياق العميق، ومن التحليل السياسي والعسكري إلى السؤال الأخلاقي والإنساني والحضاري.

وهناك مسألة نفسية نخشى منها أيضاً، وهي أن كثرة عرض مَشاهد القتل والتدمير والمآسي قد تجعل المشاهد مع الزمن يتعوّد عليها. فالإنسان يتأثر أول مرة، ثم يقل تأثره حين تتكرر الصورة نفسها بلا توقف. ومع الوقت قد تتحول المأساة، في وعي المتلقي، من حدث يهز القلب إلى مشهد مألوف عابر. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث: أن يصبح الموت خبراً معتاداً، والدمار خلفية يومية، والوجع الإنساني جزءاً من روتين المشاهدة.

إن اهتمام الإنسان بأي قضية لا يبقى حيّاً بمجرد تكرارها، بل يبقى حيّاً حين تُقدَّم له بتجديد وتغيير، وحين توضع داخل مساحة أوسع من الفهم والمقارنة والسياق. فحين نسمع كل يوم خبراً عاجلاً عن إيران لدقيقتين، ثم خبراً عن الولايات المتحدة، وآخر عن روسيا، وآخر عن الصين، وأخباراً عن العالم العربي والإسلامي، فإن هذا التنوع لا يضعف اهتمامنا، بل يزيده. إنه يجعل لدى المشاهد شوقاً لمعرفة المزيد، ويمنحه إحساساً بأن العالم واسع ومترابط.

وكذلك فإن النظرة العامة والواسعة لما يجري في العالم تمنح المشاهد قدرة أكبر على الربط والفهم. فالأحداث لا تقع منفصلة عن بعضها، ما يحدث في إيران قد تكون له صلة بما يجري في أمريكا، وما يجري في روسيا والصين قد ينعكس على منطقتنا العربية، وما يقع في غزة قد يرتبط بحسابات دولية وإقليمية واسعة. لذلك فإن حصر المشاهد في ملف واحد، مهما كان مهماً، يحرمه أحياناً من رؤية الصورة الكاملة.

والأشد إرباكاً أن هذا التركيز الطويل لا يقتصر على نشرات الأخبار، بل يمتد أحياناً إلى كامل جدول القناة، فتتوقف البرامج التفاعلية والحوارية، وتختفي المساحات التي كان ينتظرها المشاهد لسماع آراء متنوعة وملفات مختلفة. وفي المقابل، هناك أخبار عربية وعالمية مهمة تمس حياة الناس، لكنها تمر أحياناً في آخر ثوان من النشرة، وبسرعة لا تليق بأهميتها، بينما يمنح الملف الرئيسي ساعات طويلة من التكرار والتحليل.

لا نطلب من الجزيرة أن تختصر الخبر الكبير حتى تظلمه، ولا أن تطيل فيه حتى تظلم غيره، ما ننشده هو الوسطية والاعتدال: أن يأخذ كل خبر حقه بقدر أهميته، وأن تبقى الشاشة مفتوحة على العالم كله، لا محصورة في ملف واحد

نحن لا نطلب من الجزيرة أن تختصر الخبر الكبير حتى تظلمه، ولا أن تطيل فيه حتى تظلم غيره، ما ننشده هو الوسطية والاعتدال: أن يأخذ كل خبر حقه بقدر أهميته، وأن تبقى الشاشة مفتوحة على العالم كله، لا محصورة في ملف واحد. فالإنصاف الإعلامي لا يكون فقط في صدق الرواية، بل أيضاً في عدالة المساحة، وحسن الترتيب، وذكاء التقديم.

ومن العلاج الممكن أن تخصص القناة مساحات زمنية واضحة للملفات الكبرى: موجزاً مركزاً، ثم نشرة موسعة، ثم حلقة تحليلية عند وجود جديد حقيقي، مع الحفاظ على بقية البرامج والأخبار. فليست كل ساعة بحاجة إلى الضيف نفسه والخريطة نفسها والسؤال نفسه. أحياناً يكون الاختصار أبلغ من الإطالة، والتجديد أقوى من التكرار، وترك المشاهد يشتاق إلى الخبر أجدى من دفعه إلى الهروب منه.

كما نرجو أن تعود البرامج الحوارية والتفاعلية والقصصية إلى حضورها الطبيعي، لأنها جزء من روح الجزيرة. فالمشاهد لا يريد الخبر فقط، بل يريد نقاشاً، وسؤالاً، وقصة، وتجربة إنسانية، ورأياً مختلفاً، وتحقيقاً عميقاً. هذه البرامج هي التي تمنح القناة شخصيتها، وتجعل الناس يرتبطون بها لا كمصدر أخبار فقط، بل كمساحة فكر ومعرفة وحوار.

لقد أبعدنا التكرار أحياناً عن قناة نحبها ونثق بها، فوجدنا أنفسنا نتابع أخباراً وبرامج في قنوات أخرى أقل مهنية ومصداقية من الجزيرة. وهذا بحد ذاته مؤلم، لأن المشاهد حين يترك قناة يثق بها لا يفعل ذلك لأنه وجد الأفضل، بل لأنه تعب من النمط المتكرر، واحتاج إلى نافذة أوسع وأخف وأغنى.

لذلك نقول للجزيرة، بعتب المحب لا بلسان الخصم: عودي إلينا كما عرفناك، بل أفضل مما عرفناك؛ بخبرك الصادق، وبرامجك الممتعة، وحواراتك العميقة، وتفاعلك الحي، وقصصك الإنسانية، ونوافذك المفتوحة على العالم. لا نريد أن نخسرك، ولا نريد أن نبحث عنك في قنوات أخرى. نريد أن نجد العالم عندك، كما وجدناه طويلاً.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)