"كانت امرأةٌ ممَّن كان قبلكم
تَعَبَّدتْ، فَعَلِقَهَا رجلٌ، فأرسلت إليه خادمها: إنَّا ندعوك لشهادة، فدخل
فجعلت كلَّما دخل بابا أغلقته دونه، حتَّى أفضى إلى امرأةٍ وضيئةٍ عندها غلامٌ
وباطيةُ خمر، فقالت: إنِّي والله ما دعوتك لشهادة، ولكن دعوتك لتقع عليَّ، أو تقتل
هذا الغلام، أو تشرب من هذه
الخمر، فإن أبَيتَ صِحْتُ بك وفضحتك. فلمَّا رأى أنَّه
لا بدَّ له من ذلك، قال: اسقيني كأسا، فسقته كأسا، فقال: زيدوني، فلم يَرِمْ حتَّى
وقع عليها، وقتل الغلام". فلذلك حذرنا رسول الله ﷺ قائلا: "اجتنبوا الخمر؛ فإنها أم الخبائث".
إنّ هذا المنزلق الخطير الذي حذّر
منه الوحي، ليس مجرد قصة من غابر الزمان، بل هو المخطط الذي سعى النظام البائد
لإيقاعنا فيه طوال عقود، حيث عمل على إغلاق أبواب الوعي والكرامة واحدا تلو الآخر،
محاولا إجبار المجتمع على السقوط في وحل التغييب والتبعية.
أصالة الشام
وقيم أهلها
الشام طوال عمرها بلد الخير والستر، فأهل
دمشق معروفون بمحافظتهم وحيائهم، وكان عيبا كبيرا المجاهرة بالمنكر في الشوارع،
فضلا على كونه حراما وممجوجا لدى الأهالي، هذا الالتزام الأصيل هو الروح الحقيقية
لدمشق التي حاول النظام البائد خنقها طوال عقود، واليوم.. والحمد لله، بعد تحرير
سوريا من أدواته وفكره الخبيث، لم يأتِ قرار محافظة دمشق إلا ليعيد الحقّ إلى
نصابه، وليترجم تلك الفطرة الشامية السليمة إلى واقعٍ ملموس، مقتديا في ذلك بنهج
الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الذي طهّر أزقّة دمشق والقاهرة من الحانات، صيانة
لعقول وأخلاق أهلها وحفظا لقوتهم ومنعتهم أمام الأعداء.
خمارة الضابط
وسلاح التخدير
ما جرى في عهد الأسد كان مقصودا،
فالنظام لم يشجع الخمر حبّا في "الحريّة"، بل رغبة في
"التغييب". اسألوا العساكر عن ضباطهم في مناطق مثل "مساكن الديماس" و"عش الورور" و"السومريّة"
وغيرها.. هناك كانت أكشاك الخمر تنتشر أكثر من أكشاك الخبز برعاية أمنية!
هل تعلمون أن أغلب رشاوي المجندين
لقادتهم وضباط النظام البائد كانت زجاجات "العرق" و"الوسكي"،
وكلما ارتفعت رتبة الضابط ارتفع نوع الخمر وسعره الذي يُرشى به؟
لقد أراد النظام أن يكون
"الضابط" سكّيرا و"الشبيح" عربيدا، لكي يسهل عليهما قمع الناس
دون رحمة، وانتهى بهم الأمر بتحويل بلدنا إلى معمل للكبتاغون الذي دمّر بيوتنا
وشبابنا.
نفاق المعترضين
ومفهوم الحرية
اليوم، حين نرى البعض يتجمع في
"باب توما" ويدعي أن تقييد بيع الخمر هو "مساس بالحرية"،
نسألهم: هل الحرية تُقاس بإتاحة ما يضرّ بالعقل والمجتمع، أم بضبطه بما يحفظ
الإنسان؟
ليس النقاش اليوم بين
"حرية" و"تقييد"، بل بين مفهومين للحرية: حريةٍ تترك الإنسان
فريسة لما يفسد عقله ويضعف مجتمعه، وحريةٍ راشدة تضبط المجال العام بما يحفظ كرامة
الإنسان وسلامته.
ومن هنا، فإن تنظيم بيع الخمور (إن
صحّت التسمية) ليس تضييقا، بقدر ما هو حماية لجوهر الحرية نفسها. نحن نعرف جيدا
"شبيحة الأمس" هم ذاتهم الذين يتصدرون المشهد اليوم، في تلك التجمعات
المعترضة، ولا أقول جميع المعترضين، بل بعضهم، هؤلاء لا يدافعون عن حرية، بل يحنون
إلى زمن الفوضى التي كانت تحميهم، وينطبق عليهم قول الشاعر:
هذا الزمانُ لئامُ الناسِ تعلوهُ غِـرٌّ
خـــليــعٌ ودجَّـــــالٌ ومعتوهُ
فيه المنافقُ محبوبٌ ومعتبَرٌ وقائلُ الحقِ بين الناسِ مكروه
فيينا تمنع وشبيحتنا يعترضون
حتى في أوروبا، وفي مدينة مثل "فيينا"، قام رئيس بلديتها عام 2026 بمنع الخمر في
الأماكن العامة لرفع "جودة الحياة"،
فلماذا حين تفعل فيينا ذلك يكون "رقيّا"، وحين تفعله دمشق لاستعادة
أصالتها تسمونه "تشددا"؟ إنها ازدواجية المعايير التي تكشف نفاق هؤلاء
ومصالحهم التي ترتبط بغياب القانون والوعي.
إنّ الوقوف في وجه بيع الخمور ليس
مجرد موقفٍ أخلاقي، بل هو قيامٌ بشعبةٍ عظيمة من شعائر الدين، داخلةٌ في قول النبي
ﷺ: "من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن
لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان". وإن تحريم الخمر لم يكن إلا
لصيانة العقول وحفظ المجتمعات، فكلّ من سعى في منعها فقد أسهم في دفع الفساد
وإقامة المعروف. فطوبى لمن كان مفتاحا للخير، مغلاقا للشر، يسعى في إطفاء أسباب
الفتنة، وإحياء معاني الطهر في النّاس. ستعود الشام لأصالتها، وسيذهب إرث
"الكبتاغون" مع ريح النظام الذي صنعه، لتبقى دمشق طاهرة، وقوية وعزيزة
بأهلها وقيمها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.