أثار مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد في
مصر جدلاً واسعاً حول قضايا الحضانة والرؤية والنفقة، وسط مطالب بأن يضمن "خروجاً آمناً" من العلاقات الزوجية ويحمي حقوق الأطفال والأبوين.
وعقد المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، يومي الأربعاء والخميس الماضيين، حلقة نقاشية حول مشروع قانون "الأحوال الشخصية" الجديد، كشفت عن دور لـ"
الاتحاد الأوروبي" في هذا الملف المثير للجدل.
ويأتي هذا النقاش وسط سجال واسع ومخاوف مجتمعية من بنود القانون وتأثيراتها المحتملة على استقرار الأسرة والمجتمع المصري.
ومع إحالة "مجلس النواب"، القانون للجان المتخصصة الأسبوع الماضي، أعلن عضو مجلس النواب محمد عبدالعزيز، عن مشاركته الأربعاء الماضي، بحلقة نقاشية بعنوان: "نحو قانون للأحوال الشخصية يحقق العدالة ويدعم الروابط الأسرية"، والتي نظمها المجلس الحكومي، بالتعاون مع "الاتحاد الأوروبي"، وبحضور أعضاء من مجلسي النواب والشيوخ ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام.
وبينما ظهر لوجو "الاتحاد الأوروبي" على بانر الندوة، لم يوضح عبدالعزيز، أحد رموز حركة "تمرد" عام 2013، نوع التعاون بين "المجلس القومي لحقوق الإنسان"، و"الاتحاد الأوروبي"، ودور الأخير في مناقشة مصريين لقانون مصري يخص أكثر من 120 مليون مصري؛ نقلت النائبة المثيرة للجدل بمقترحاتها حول مشروع قانون الأسرة، أمل سلامة، جانبا من تلك النقاشات.
وتطالب سلامة، باستحداث "نفقة عشرة السنين" كتعويض إضافي للزوجة المطلقة ضمن قانون الأسرة الجديد، بهدف رد اعتبارها بعد سنوات الزواج وتربية الأبناء، ما فجر سجالا حول مدى فهم النواب لأهمية وضع قوانين لم شمل الأسرة، دون وضع أعباء إضافية تفاقم أزمات المجتمع، بحسب مراقبين.
وحضر لمناقشة مواد القانون الـ 355، مدير المشروع الأوروبي مجدي عبدالحميد، وأمين اتحاد النساء العربي هدى بدران، والخبيرة بقضايا النوع الاجتماعي عزة كامل، وأستاذ القانون جابر جاد نصار، وعن مبادرة "أمهات مصر المعيلات" نرمين أبوسالم، واستشاري التنمية وحقوق النساء منى علي الدين، وممثل عن المجلس القومي للطفولة والأمومة إسلام محمد.
اظهار أخبار متعلقة
وحملت مواد مشروع "قانون الأسرة" المقدم من الحكومة إلى مجلس النواب بنودا يرى منتقدون أنها تفاقم أزمات الأسرة والمجتمع وتخالف الشريعة الإسلامية، بينها (حظر الطلاق الشفوي)، وتحميل الزوج الكثير من الأعباء المالية وتعريضه للحبس والغرامة، واشتراط موافقة الزوجة كتابيا على التعدد، مع حقها التقدم بطلب قضائي لفسخ عقد الزواج بعد ٦ شهور، واستمرار الحضانة للأم حتى لو تزوجت من آخر، وغيرها.
وفي ظل حالة اللغط تلك حول بنود القانون، دفع ظهور اسم "الاتحاد الأوروبي" في ذلك النقاش، محامون ومراقبون للتساؤل حول: "علاقة الاتحاد الأوروبي بقانون للأحوال الشخصية في مصر، ودور الاتحاد في رعاية مثل هذه الندوات ودعمها ماليا، وسط مخاوف من توجيه الحاضرين فيها، وخاصة أعضاء مجلس النواب، بزرع أفكار تخالف توجهات المصريين الدينية والقيم المجتمعية وترسيخها في أذهان المشرعين المصريين".
وتساءل المحامي علي أيوب، عن علاقة الاتحاد الأوروبي بمشروعات قوانين تخص الأسرة المصرية.
تمويل أوروبي.. ما المقابل؟
وفي حزيران/ يونيو 2024، أطلق الاتحاد الأوروبي برنامج "تمكين" للمرأة المصرية، بمنحة 10 ملايين يورو على مدار 3 سنوات، لتعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً.
وعند توقيع اتفاقية الشراكة بين مصر ومفوضية الاتحاد الأوروبي بقيمة 7.4 مليار يورو، صيف 2024، تضمنت المذكرات التوضيحية للمفوضية بنوداً تتعلق بـ"الحوكمة وحقوق الإنسان"، والتي تندرج تحتها تعديلات القوانين الاجتماعية كجزء من التزامات الدولة المضيفة للدعم.
وتنص الوثيقة الصادرة عن "جهاز العمل الخارجي الأوروبي" على أن دعم حقوق المرأة وتعزيز المساواة بين الجنسين ركيزة أساسية في التعاون، مشيرة إلى ضرورة "مواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية"، وهو ما يفسره البعض بأنه إشارة لاتفاقية "سيداو".
اظهار أخبار متعلقة
ووقعت مصر اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) أيلول/سبتمبر 1981، مع تحفظات على مواد تتعارض مع الشريعة الإسلامية، فيما يعترض الأزهر الشريف على (سيداو) وسط مخاوف من دورها في تفكك الأسرة، والترويج لنموذج غربي يهدم المجتمعات العربية والإسلامية.
علاقة مالية وفكرية معلنة
وفي رؤيتها تقول الكاتبة والباحثة المصرية في شؤون الأسرة والمجتمع، فاطمة عبدالرؤوف: "العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وبين المجلس القومي لحقوق الإنسان هي علاقة معلنة حيث يقدم الاتحاد الأوروبي حزما مالية ضخمة للمجلس والجمعيات والمؤسسات المرتبطة بشراكة معه والحزم المالية مرتبطة بتوجهات يريد بالتأكيد فرضها وفقا لمنظومته الفكرية والقيمية؛ وتأتي القضايا المرتبطة بالمرأة والأسرة في صدارة اهتمامات الاتحاد الأوروبي".
وتضيف لـ"عربي21": "في الندوة المذكورة لم يجلس الخواجة على المنصة ولا ألقى كلمة؛ فالموضوع شديد الحساسية وتدخله بشكل سافر لا يخدم توجهاته، لكن يكفيه أن يمول من يحمل نفس التوجه ونفس المرجعية".
وكشفت عن بعض ما جرى خلال النقاش، قائلة: "سنجد الأمين العام لاتحاد النساء العربي هدى بدران، على المنصة تتحدث عن أن قانون الأحوال الشخصية مرتبط بهوية الدولة، وعلينا أن نتحدث بصراحة ولا نلعب على الحبال (بحد تعبيرها)، فهل نحن دولة دينية؟، حتى نهتم برأي ابن تيمية وأحمد بن حنبل، في مثل هذه التشريعات، ولا بأس ببعض المزاح والسخرية حتى تضج القاعة بالضحك".
وتوضح عبدالرؤوف، أن "بقية حديثها مفهوم: أم أننا دولة مدنية؛ وبالتالي فعلينا أن يكون لدينا قوانين أسرية عادلة تشبه ما يوجد في دول الاتحاد الأوروبي، وتحمل قيمه، وهو ما يتطابق مع المواثيق الأممية المتعلقة بالمرأة والأسرى التي يضغط الاتحاد الأوروبي حتى يتم رفع التحفظ على بعض بنودها بعد أن تم الضغط سابقا حتى يتم التوقيع عليها، ولكم الحرية في التحفظ على ما تشاؤون من بنود".
نسخة مشوهة من العجوز البائسة
وفي تعليقها تؤكد الباحثة المصرية أن "القارة العجوز البائسة تسعى ببساطة أن تصنع منا نسخة مشوهة منها عن طريق التمويل والدعم المالي لمثل هذه الندوات والمنظمات التي تحتضنها، ومن خلال فرض وجوه ورموز مستلبة ثقافيا وقيميا فيتم الزج بهم لصدارة المشهد".
وتعرب عن اندهاشها وأسفها من أن "يد العلمانية لا تريد ترك أي مساحة يكون الاحتكام فيها للشريعة حتى لو كانت أحكام الزواج والأسرة من خلال السخرية من المرجعيات الفقهية التاريخية، ولا يعني هذا بالطبع تقديس هذه المرجعيات ولكن القبول أو الرفض للتراث الفقهي يقوم به علماء الشريعة لا غيرهم مستأنسين بأبحاث علم النفس والاجتماع وليس العكس".
وتعتقد عبدالرؤوف أن "الغاية النهائية مما يحدث هو الوصول لقانون زواج مدني يشبه ما يوجد في الاتحاد الأوربي وليس له أي علاقة أو رابط مع التشريع الديني"، مبينة أنه "أمر منسجم تماما مع ما يقال؛ فإن كنا لا نريد اللعب على الأحبال فالدولة الدينية يكون لها تشريع أسرة ديني والدولة المدنية (أو اللادينية على وجه الدقة) يكون لها قانون أسرة مدني أو لاديني".
حصن عظيم استهدفه الخصوم
وفي قراءته لما يجري من عمليات استهداف لكيان الأسرة المصرية، يقول الأكاديمي المصري الدكتور محمد أحمد عزب: "الأسرة في النظام الإسلامي الدعامة الأساسية لبناء المجتمع والأمة، لذلك لم يترك الإسلام تنظيمها للأهواء، بل أحاطها بالتشريع منذ تكوينها إلى انتهاء العلاقة الزوجية بالطلاق أو الوفاة، وجعل أساسها المعاشرة بالمعروف حفظًا للاستقرار وتقليلًا للنزاعات".
اظهار أخبار متعلقة
وفي حديثه لـ"عربي21"، يضيف: "ومن هنا كانت الأسرة من أعظم حصون الأمة التي استهدفها خصومها الذين فقدوا في خصوماتهم معاني الشرف وسمو المقصد، فسعوا إلى هدمها وإضعاف أثرها التربوي والاجتماعي".
ومضى عزب، يؤكد أن "الغرب أدرك عند دراسته مكامن قوة المجتمعات الإسلامية أن الأسرة والتعليم يمثلان أهم دعائم القوة، لأن العبء الأكبر في التربية يقع على الأسرة، لذلك أصبح نظام الأسرة من أكثر الحصون استهدافًا".
ويوضح أن "بعض المنظمات الدولية استُخدمت أداةً للضغط على الأمم، حتى غدت بعض التشريعات تمنح أبناء الزنا ومرتكبيه حقوقًا تفوق ما يُعطى للأسرة الشرعية، ومن أمثلة ذلك ما تضمنته وثيقة (سيداو) من عدم الاعتراف بآثار الزواج دون الثامنة عشرة، مع الاعتراف الكامل بحقوق الأطفال الناتجين عن العلاقات غير الشرعية في السن نفسها".
ويلفت إلى "قول أحد الكتاب الكبار: "الأسرة هي البيئة الطبيعية الأولى التي تنشأ فيها الأجيال على الفضائل ومكارم الأخلاق، ولا تزال هي الركيزة الأهم والأقدر على أداء الرسالة التربوية، تمتلك العنصر الأعمق أثرًا في التربية، وهو المحبة الفطرية المتبادلة بين الوالدين وأبنائهما، وهي رابطة لا تتوافر بتمامها وقوتها في غير إطار الأسرة؛ أما بقية المؤسسات فإن دورها يظل معاونًا ومكمّلًا".
وخلص للقول: "من هنا كانت هجمة الغرب بفرض القوانين واستغلال حاجة الدول وفقرها، بفرض تغييرات في نظام الأسرة، وتغيرات على قوانين العلاقة الزوجية، حتى تحول القاضي حارس العدالة لقاتل، وتحولت الجامعية والأكاديمية لقاتلة أو تاجرة هوى، وللأسف أصبح الزعيق بذلك يخرج من أفراد ومنظمات من قلب بلاد المسلمين ينطقون العربية، ويمولون بالفرنكات وأرصدة الغرب".
المنظمات الدولية وهدم الأسرة
وفي حديثه لـ"عربي21"، يقول أحد المتطوعين السابقين في جمعية "صناع الحياة"، بإحدى محافظات الدلتا: "عملت خلال مبادرة الصحة الإنجابية عام 2021 و2022، وتأكدت أنها مدعومة ماليا من الاتحاد الأوروبي، وكان مطلوب جمع بيانات عن إنجاب النساء بالقرى، ما أثار شكوكي حينها من تدخل مريب للتلاعب بمنظومة الأسرة المصرية".
وفي هذا السياق، تقول رئيس لجنة الأسرة في "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" الدكتورة كاميليا حلمي طولون، في برنامج تليفزيوني: "في الأمم المتحدة صناديق تمول المشاريع الصغيرة لتحقيق ما تسميه الأمم المتحدة بـ(تمكين المرأة)"، مؤكدة أن تلك "التمويلات تستهدف استقواء المرأة واستغنائها عن الرجل، وليست لتمكينها".
وكشفت دراسة قامت بها طولون، أن مواثيق "الأمم المتحدة" تتخذ مسارين رئيسييِّن في هدم مؤسسة الأسرة: الأول، "صرف الشباب عن الزواج لمنع تأسيس أسر جديدة"، موضحة أن ذلك بـ"التضييق على الزواج بشكل عام، والزواج المبكر بشكل خاص"، و"تشجيع الممارسات الجنسية خارج نطاق الأسرة".
وألمحت إلى نقاط عديدة لتنفيذ ذلك منها: "تحديد السن القانونية لاستقلال الفتاة بقرار ممارسة العلاقات الجنسية، وعدم تجريم ممارسة الجنس خارج نطاق الزواج، والاعتراف بأبناء الزنا وإنكار أبناء الزواج الشرعي المبكر؛ تشجيعًا للممارسات الجنسية خارج نطاق الزواج، وإباحة الدعارة وحمايتها قانونيًّا ومجتمعيًّا، وإباحة الشذوذ الجنسي... ".
وأشارت إلى أن "المسار الثاني بهدم الأسر القائمة، من خلال تحقيق (استقواء المرأة) واستغنائها عن الرجل تمامًا، وبإحداث تغيير جذري في الأدوار الفطرية لكلٍّ من الرجل والمرأة، وتطبيق التساوي في الإرث، وتقاسم الممتلكات المكتسبة أثناء الزواج بين الرجل والمرأة عند الطلاق".
وتابعت "توظيف عدد من المصطلحات المطاطة؛ مثل: (التمييز)، و(العنف ضد المرأة)، و(العنف الأسري)، و(العنف المبني على الجندر)، واعتبار العلاقة الحميمية بين الزوجين بدون الرضا الكامل للمرأة (عنفًا جنسيًّا)، و(اغتصابًا زوجيًّا)، و(تحرشًا جنسيًّا)، و(عنفًا أسريًّا)؛ يستوجب توقيع العقوبة الجنائية على الزوج".