في الوقت الذي تواجه
فيه دولة الاحتلال تحديات أمنية وعسكرية، فإن التهديد القانوني والقضائي حول العالم
ليس أقل خطورة، في ظل اتهاماتها المتواصلة بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية ضد الفلسطينيين.
إلى جانب تحريفات أنصار
نظرية
الإبادة الجماعية، ثمة مشكلة قانونية في الصراع ضد إسرائيل: فالمحاكم الدولية
لا تتضمن آلية لتضارب المصالح، وتُصبح الشائعات أدلة مقبولة، وتتراكم الادعاءات المُفندة
كالعصا السحرية لتُشكل إدانة شاملة.
ذكر المؤرخ العسكري
بقسم التاريخ والدراسات الآسيوية بالجامعة العبرية، ومؤلف كتاب "إعادة تقييم حرب
إسرائيل وحماس"، داني أورباخ، أنه "أتيحت لي مؤخرًا فرصة التحدث في مؤتمر
حاد في الجامعة الحرة بأمستردام، حول كيفية استخدام أعداء إسرائيل للقانون الجنائي
الدولي لمهاجمتها، وبجانب عرض جملة من الاتهامات الموجهة لإسرائيل من أنصار نظرية الإبادة
الجماعية، سواءً من النواحي الواقعية والتفسيرية والعددية، فقد طرحت ادعاءً أكثر جذرية
وهو أن "المحاكم الدولية ليست محاكم حقيقية".
وأضاف في مقال نشرته
صحيفة
يديعوت أحرونوت، وترجمته "عربي21" أن "إنكاري لحقيقة المحاكم
الدولية الخاصة بجرائم الحرب جعلني أتلقى نظرة حادة من أساتذة قانون دولي، مما دفعني
لمحاولة توضيح المشكلات الهيكلية المتعلقة بالمحاكم نفسها، وطريقة تنظيمها، وعملها،
ومن ذلك أنه على عكس المحاكم الحكومية، لا يوجد في المحاكم الدولية مبدأ تضارب المصالح".
وأوضح أنه "على
سبيل المثال، يمكن أن يترأس
محكمة العدل الدولية قاضي لبناني له سجل حافل بالتصريحات
الحادة المعادية لإسرائيل، وشغل منصب ممثل لبنان لدى الأمم المتحدة، ثم أصبح لاحقًا
رئيسًا لوزراء لبنان، بمعنى آخر، تُحاكم إسرائيل من قِبَل شخصٍ شغل قبل فترة وجيزة
منصبًا رفيعًا في دولة معادية، تحظر قوانينها حتى مجرد التحدث للإسرائيليين، كما لا
توجد آلية لتنحية القضاة الذين سبق لهم إبداء آرائهم في هذه القضية، ولا آلية للاستئناف".
اظهار أخبار متعلقة
وأكد أن "النقطة
الأخطر في مسألة محكمة العدل الدولية هو التوجه السائد حاليًا لمحاولة إثبات جريمة
الإبادة الجماعية ضد إسرائيل بطريقة "شاملة"، لأنه وفقًا لاتفاقية منع جريمة
الإبادة الجماعية لعام 1948، وتفسيراتها في مختلف محاكمات مجرمي الحرب اليوغوسلافيين
والدعاوى القضائية بين الدول، فقد قضت المحاكم المختصة صراحةً بأن جريمة الإبادة الجماعية
تتطلب نية خاصة (dolus specialis)، وإذا لم تكن هناك وثيقة تثبت هذه النية، فيمكن
استنتاجها من نمط سلوكي لا يمكن تفسيره بأي طريقة أخرى".
وأضاف أن "إسرائيل
التي تعتبر أن خطواتها في
غزة يُمكن فهمها بأنها محاولة للقضاء على حماس، ولهذا السبب
تُطالب جنوب أفريقيا وحلفاؤها في الساحة الدولية، مثل أيسلندا وهولندا، بتغيير تعريف
الإبادة الجماعية، وتخفيض عتبة "النية الخاصة"، وتحديد الذنب "بشكل
شامل"، ولذلك فإنه في قضية الإبادة الجماعية الأخرى التي تنظر فيها لجنة التحقيق
المشتركة حاليًا، فإن منظمة التعاون الإسلامي تسعى لتمهيد الطريق لتغيير تعريف الإبادة
الجماعية، والمذهب القانوني المحيط بها، وبالتالي ضمان إدانة إسرائيل حتى بدون أي دليل".
وتساءل الكاتب عما
"إذا كان ينبغي لإسرائيل المشاركة بهذه المحاكمات، وخوض هذه اللعبة القانونية،
رغم أن الإجابة ليست قاطعة، لكنني أميل للإجابة بالإيجاب، لأنه في ظل محاكم متحيزة،
قد تحدث مفاجآت، لأنه حتى لو قبلت المحكمة تهمة الإبادة الجماعية ضد إسرائيل، فقد تكون
هناك آراء أقلية منطقية من بعض القضاة، يمكنها الاستفادة منها، رغم أنها حضّرت دفاعها
المفصل، الذي يتجاوز ألف صفحة، ويحتوي على عدد لا يحصى من الوثائق الأصلية، على أن
تكون هذه الوثائق المادة الخام في أهم صراع في السنوات القادمة".