بعد مرور أكثر من عامين ونصف على شن الاحتلال عدوانه ضد عدد من البلدان المحيطة، تُوجّه محافل عسكرية انتقادها لأداء "الجيش" في مواجهة
حماس وحزب الله وما تسميها "المنظمات الهجينة".
قائد السرية الأسبق في لواء غولاني، والمسؤول في الوحدة 504 الاستخبارية، وقيادة المنطقة الشمالية، ومؤسس شركة للاستخبارات والدفاع السيبراني، جيدي هراري، ذكر أنه "في كل مرة يخوض فيها
إسرائيل حرباً واسعة النطاق، تعود التوقعات نفسها: حرب خاطفة، ومبادرة هجومية، ونقل القتال لأراضي العدو، وقرار حاسم، لكن في الواقع، يكتشف الرأي العام الإسرائيلي مراراً وتكراراً أن الواقع بعيد عن هذه الصورة، فالأهداف لا تتحقق بسرعة، والنهاية غير واضحة، والشعور السائد هو حملة مستمرة وغامضة ومحبطة في بعض الأحيان".
وأضاف في مقال نشرته مجلة "
يسرائيل ديفينس"، وترجمته "
عربي21" أن "السبب الرئيسي لهذه الفجوة يكمن في أن خطاب الإسرائيلي حول النصر لا يزال يعتمد على مفاهيم تشكلت في حروب الماضي، عمليات وحملات نُفذت ضد دول وجيوش نظامية في تلك الحروب".
وأوضح أن حروب اليوم التي تخوضها "إسرائيل" لم تعد دولة ضد دولة، بل ضد "جيوش عصابية"، والصراعات التي خاضتها في العقود الأخيرة لم تعد ضد جيوش نظامية بالمعنى التقليدي".
وأضاف: "حماس وحزب الله ليسا مجرد منظمات مسلحة بالمعنى القديم للكلمة، وهي أطر شبه عسكرية، ذات قوة بشرية كبيرة، وأسلحة متطورة، وقدرات قيادة وسيطرة، واستخبارات، ووحدات متخصصة، وبنى تحتية عملياتية معقدة".
وأكد أن "هذه المنظمات المسلحة لم تعد مجرد تشكيلات صغيرة لا مركزية، بل تجمع بين حرب العصابات والقوة النارية والمناورة والتحصن في المناطق المبنية، والتفعيل المتطور لأنظمة الوعي، وفي بعض الحالات، تمتلك هذه المنظمات وسائل لا تمتلكها بعض الجيوش الغربية بنفس القدر".
وفي مواجهة مثل هذا العدو، فإن افتراض إمكانية حسم الأمر بسرعة باستخدام أساليب الماضي لا يصمد أمام الواقع، فقد تغير التفاوت، ومعه قواعد اتخاذ القرار، لأن مفهوم الحرب غير المتكافئة بحاجة لتحديث.
اظهار أخبار متعلقة
وأشار إلى أن الأمر لم يعد مجرد فجوة بين جيش كبير ومنظمة صغيرة، بل صراع بين دولة وفاعل غير حكومي، يستغل عقدة النقص لديه لخلق ميزة في الوعي، هذا هو جوهر المسألة، حيث لا يتعين على المنظمة المسلحة تحقيق نصر عسكري لتدعي النجاح.
بل يكفيها البقاء، ومواصلة إطلاق النار، والحفاظ على صورة الصمود، وتعزيز سردية المقاومة، لأنه من وجهة نظرها، مجرد عدم هزيمتها الكاملة يُعد إنجازاً، وأضاف أنه من وجهة نظر الرأي العام في العالم، قد يُنظر لهذا على أنه دليل على فشل دولة قوية في فرض نتيجة حاسمة.
وهنا تحديداً تكمن المشكلة الإسرائيلية، فعندما يقيس أحد الطرفين النصر بتدمير العدو، بينما يكتفي الطرف الآخر بالبقاء على قيد الحياة، تتسع الفجوة بين التوقعات والواقع، فالنصر ليس بتدمير العدو، بل بتحقيق أهداف الحرب.
وفي هذا الواقع، لا يكمن السؤال الأهم في اتخاذ قرار بالمعنى التاريخي، بل في تحقيق أهداف الحرب المحددة مسبقاً، وهذا هو الفرق بين الشعور بالإحباط والإنجاز.
وأشار إلى أنه "إذا خاضت قيادة إسرائيل الحرب دون توضيح الهدف بدقة للجمهور والمؤسسة الأمنية، وتحديد الغاية النهائية، ومعايير النجاح، يكاد يكون مستحيلاً خلق شعور بالنصر حتى مع تحقيق إنجازات عملياتية مبهرة".
من جهة أخرى، "عندما تكون الأهداف واضحة وقابلة للقياس والتحقيق، يمكن دراسة الحملة بموضوعية، فهل تم القضاء على قدرة معينة، وهل تحقق الردع، وهل تم تجنب خطر، وهل تغير الواقع الأمني".
وأكد أنه "في الحرب الحديثة، لا يُشترط أن يكون النصر صورةً للاستسلام؛ بل قد يكون تحقيق هدف استراتيجي مُحدد، يفهمه الجمهور، ويشعر به العدو، وتعرف المؤسسة السياسية كيف تُبرره، لأن المعركة الحقيقية لا تقتصر على الأرض فحسب، بل تمتد لساحة الوعي أيضاً".
حيث "تُعدّ من أبرز نقاط الضعف في الخطاب الأمني، وفي عصر الشبكات الاجتماعية، والتواصل الفوري، والحملات العالمية، تُصبح الصورة العامة للحرب لا تقل أهمية عن إنجازاتها العملياتية".
وأوضح أن "الجمهور الذي لا يفهم أهداف الحرب، أو لا يُدرك كيفية تحقيقها، سيجد صعوبة في الشعور بالنصر، حتى لو كان أداء الجيش فعالاً للغاية، ومن جهة أخرى، تُدرك المنظمات المسلحة جيداً قوة الوعي".
فهي "تُشيّد سردية، وتُصوّر البقاء على قيد الحياة كنجاح، وتُحوّل كل صورة للدمار أو كل تأخير سياسي لأداة دعائية، لذلك، فإن ساحة الوعي ليست إضافةً للحرب، بل جزء لا يتجزأ منها، والدولة التي لا تُهيئ نفسها لها مُعرّضة لخسارة معركة المعنى، حتى وإن انتصرت في ساحة المعركة".
اظهار أخبار متعلقة
وختم بالقول إنه "لا يمكن لإسرائيل الاستمرار بالحديث عن النصر بمنطق 1967، في حين أن تهديدات 2026 تعمل وفق منطق مختلف، ففي مواجهة الجيوش العصابية، لا يُعدّ النصر حدثاً رمزياً منفرداً، بل نتيجة تراكمية لتحديد الأهداف الصحيحة، والتنفيذ العسكري الفعال، والإدارة الذهنية المتسقة".