منذ متى
صار الذكاء عيبا، والفهلوة
كفاءة؟ ومنذ متى تحول اللقب الأكاديمي من وسام يمنح
للمبدعين إلى "سلعة" معلبة ترخص لمن يملك المال ولا يملك العقل؟ نحن
اليوم لا نسوّق العلم، نحن ندير "بورصة للأوهام"، تسدد طعنات نافذة في
ظهر كل شاب سهر الليالي ليحصل على شهادة حقيقية، بينما يسبقه بـ"دال"
مشتراة من دكان أكاديمي مشبوه.
ففي بلاد
تكرم الورق على العقل، راحت الألقاب تشترى بأثمان رخيصة، والضمائر تباع بنصف ثمن؛
تخيل مكتبة بلا كتب، وأستاذا لا يعرف معنى الامتحان، ومكتب "اعتماد"
يسدد الرشوة بدلا من الأسئلة، هذا ليس مشهدا في رواية سوداوية، بل واقع يتشكل في
زوايا مدننا؛ بائعون يعرضون
شهادات كما تعرض السلع، وقلوب تبرر الشراء باسم "الظهور".
وعندما
تصبح الشهادة مجرد ورقة تمنح لمن يدفع، نكون أمام جريمة منظمة ضد الحق العام، ليست
تجاوزا إداريا يمكن التغاضي عنه، بل خيانة لمشهد
التعليم، وخرق لحق كل مواطن في
مؤسسات صادقة. أمامنا لوحة سوداء لا يمكن تجاهله، مؤسسات وهمية، ومكاتب
"شهادات" تنتشر في زوايا المدن، وصفحات تروج لدرجات علمية بـ"دليفري"،
وأسماء كبيرة تستغل في دعايات مضللة.
أمامنا لوحة سوداء لا يمكن تجاهله، مؤسسات وهمية، ومكاتب "شهادات" تنتشر في زوايا المدن، وصفحات تروج لدرجات علمية بـ"دليفري"، وأسماء كبيرة تستغل في دعايات مضللة
لا أكتب
هنا للغرض البلاغي وحده، بل لأصرخ بصوت منصف، ما يجري في التعليم العالي ليس مجرد
خلل إداري، بل تآكل منظم لخريطة الثقة بالعلم، والمهنة، والهوية الوطنية.
أزمة
القيمة، العلم الذي يفقد معيار الصدق يفقد قيمته؛ عندما يصبح "الدبلوم"
وزنا بلا وزن يتبدد الفرق بين مجتهد قضى سنوات في الأبحاث، وبين من اشترى ورقة
بيضاء مزينة بختم مزور، ثمن هذه المعادلة لا يقاس فقط بفرص عمل تضيع، بل باغتيال
نماذج القدوة؛ أبناؤنا يرون أن الجد لا يجدي ما دامت البطاقة تشترى.
المجتمع
الذي يكافئ الظهور على الإنتاج يحكم على مستقبله بالموت البطيء، البنية المؤسسية
المعيبة المشكلة ليست فوضى سوقية عابرة، إنها نتيجة ضعف مؤسسات رقابية، وتواطؤ
أحيانا من داخل المنظومة نفسها. متى أصبحت صفة "مشروعة" تُمنح بلا
معايير واضحة؟ وكيف نفسر استمرار إعلانات علنية عن دورات تمنح "دكتوراة
مهنية" مقابل مبالغ زهيدة؟
الشبهة
ليست اتهاما فرديا، لكنها صرخة مطالبة بمساءلة جذرية لمسارات الاعتماد، والاعتماد
الذاتي داخل
الجامعات ومراكز التدريب. سوق الألقاب المضروبة يكلف الدولة مهرا
باهظا؛ موظفون غير مؤهلين في مواقع حساسة، وقرارات إدارية مبنية على أوراق مزورة،
وهدر في الموارد العامة والخاصة.
إضافة
لذلك، يزداد التمييز الاجتماعي بين من يدفع ثمنا ماديا للظهور، ومن يبذل عرقا
جهديا حقيقيا لا يلقى إلا التجاهل. هذه معادلة تزيد الهوة الطبقية، وتغذي مكرمة
الفهلوة على حساب الكفاءة، هي مسؤولية الجمهور والدولة معا، لا يكفي توجيه اللوم
للحكومة وحدها، ولا صالح أن يرمى كل الحمل على كاهل المواطن.
لكن
الدولة عليها واجبات لا تبرأ منها؛ تطبيق قوانين صارمة على ممارسات منح الشهادات،
وفتح تحقيقات فورية في أي تواطؤ إداري، وربط الاعتراف بالشهادات بقواعد موحدة
وشفافة معلنة، والمواطنون مدعوون لرفض منظومة التظاهر بالعلم، والالتزام بمعايير
أخلاقية في اختيارهم لمن يمثلهم علميا ومهنيا.
إذا لم ننه هذا السوق، فسنستيقظ غدا على مجتمع يمدح من يعلق براويز أفضل، بينما يفشل في تربية جيل قادر على قراءة الواقع وتصحيحه
فلا بد من
إنشاء سجل وطني يدوي وإلكتروني موثق للشهادات والدرجات، صادر عن جهات معتمدة، ومتاح
للعامة ولأرباب العمل؛ كل شهادة تعرض دون مطابقة تعتبر لاغية، ومرتكبها عرضة
للمساءلة، وكذلك تشديد العقوبات على مزودي الشهادات المزيفة، وعلى أي موظف عام
يسهل إصدارها، مع إدراج جرائم تزوير الشهادات ضمن جرائم تعاقب عليها بلا تساهل، بالإضافة
إلى حملات توعية مستمرة تشرح قيمة الكفاءة العملية والبحثية، وتروج لقصص نجاح
حقيقية لعلماء، وحرفيين، ومهنيين، وربط الترقيات والمناصب الحساسة بمقاييس
موضوعية، (أبحاث محكمة، خبرة موثقة، تقييم أداء)، لا بالورقة وحدها، ومراجعة
وإلغاء أي درجات مهنية أو فخرية صادرة عن كيانات غير مرخصة خلال آخر عشر سنوات، عبر
لجنة مستقلة من أساتذة، ونقابات، وممثلي المجتمع المدني.
إنني لا
أطلب من القارئ أن يصدقني فحسب، بل أن يغضب، غضبا بنّاء يقود لمساءلة فعلية. العلم
لا يستعار ولا يشوه في سوق، فكلما أفسحنا المجال لشراء الألقاب استبدلنا المواطنة
الحقيقية بالواجهة المزيفة، وإذا لم ننه هذا السوق، فسنستيقظ غدا على مجتمع يمدح
من يعلق براويز أفضل، بينما يفشل في تربية جيل قادر على قراءة الواقع وتصحيحه.
إما وطن
يعتز بعلمائه وصدق مؤسساته، أو وطن تباع فيه الألقاب على أرفف رخيصة، لا ثالث
بينهما. لا أطلب من القارئ أكثر من أن يغضب ويعمل، تحقق قبل أن تصدق، طالب
بالشفافية قبل السكوت، وادعم كل تحقيق يضع يده على مصدر التزييف.
هذه ليست
مجرد كلمات ودعوات، إنها إنذار أخير، إذا استمر سوق الألقاب سنفقد ليس الشهادات
فحسب، بل حقنا في وطن يحترم الحقيقة، فلتبدأ المحاسبة الآن، وإلا فليتحمل الجميع
تبعات الصمت. هي دعوة لليقظة، لا للاستعراض، نعم للاعتماد على الجدارة، ابدأ
بالتحقق قبل التصديق، وبالمطالبة قبل التسليم. الوطن يحتاج إلى أهل علم لا إلى
بائعين لألقاب.
الوطن
الذي يباع فيه لقب "الدكتور" كبضاعة رخيصة، هو وطن يبيع مستقبل أبنائه
في المزاد.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.