تونس.. اليوم التالي للانقلاب لا يزال بعيدا

نور الدين العلوي
"يرى الانقلاب هشاشة خصومه ويمكنه أن يحتقر الشارع ويمضى قدما"- عربي21
"يرى الانقلاب هشاشة خصومه ويمكنه أن يحتقر الشارع ويمضى قدما"- عربي21
شارك الخبر
وجب أن نعتذر عن ظن سبق منا بأن انقلاب قيس سعيد لن يصمد طويلا أمام وعي الشعب التونسي ونخبه التي ذاقت حلاوة الحرية. لقد رأيناه في شهوره الأولى يترنح لكنه وقف وسار وصمد ولا تزال له أسباب بقاء، رغم ذلك لم نخطئ القراءة بأنه انقلاب باق بغيره لا بقوته الذاتية. ويمكنه أن يتمطط في مستقبل تونس، فضعفه البيّن يغطي عليه هوان معارضيه وتشتت شملهم وسوء طويتهم إزاء الحرية والديمقراطية. من هنا جاء الانقلاب وبهذا يتنفس الآن، ومن هنا أخطأنا في قياس عمره وأصبنا في قراءة أسباب حدوثه وبقائه. لماذا يستمر الانقلاب رغم تصحير البلاد وتفقير العباد؟ سنقرأ تململ الشارع السياسي التونسي ونحاول قياس فعاليته أو بالأحرى عجزه عن التأثير على الانقلاب.

بدأ الشارع يتحرك

دأبت جبهة الخلاص على تنظيم وقفات احتجاجية تطالب بسراح المعتقلين، وكانت وقفات قوية ثم بدأت تضعف حتى تحولت إلى موضوع سخرية من قبل أنصار الرئيس الذين لا نراهم في الشارع ونجدهم بالملايين في السوشيال ميديا.

ثم تحرك المحامون في قضايا مهنية وتحركت منطقة قابس بقوة ضد التلوث في المنطقة، ثم بدأت تتشكل مظاهرات في العاصمة تجمع طيفا واسعا يقوده شباب بلا علامات حزبية ظاهرة. حتى يوم السبت الماضي (6 حزيران/ يونيو) وفيما كانت المظاهرة ترفع شعارات مضادة للانقلاب، خرج من داخلها نشطاء "الوطد" (فصيل يساري إقصائي متطرف) وأعادوا توجيهها ضد حزب النهضة وزعيمه المحكوم بالمؤبد، فوجدوا من بين الجمهور آذانا صاغية (أو قلوبا خائفة)، فعدنا إلى الساعة الأولى من الانقلاب.

من يراقب الوضع في تونس من خارجها يمكنه أيضا أن يتأنى فليست هذه الغضبة المنتظرة لإحداث تغيير في الداخل، إننا نعيد اكتشاف عقدة الشارع التونسي المسيس ونسميها عقدة حزب النهضة

لا يزال الذين أنجزوا الانقلاب وحموه قادرين على منع الشارع من التكتل ضده، أي أن الطيف المعارض الذي لم يقدر على إسكات فصيل أقلي متطرف لن يقدر على من أقوى منه. هنا يرى الانقلاب هشاشة خصومه ويمكنه أن يحتقر الشارع ويمضى قدما؛ هذا الشارع في هذه المرحلة بتلك الأسماء والوجوه لا يخيف الانقلاب ومن لا يزال يناصره متخفيا. ومن يراقب الوضع في تونس من خارجها يمكنه أيضا أن يتأنى فليست هذه الغضبة المنتظرة لإحداث تغيير في الداخل، إننا نعيد اكتشاف عقدة الشارع التونسي المسيس ونسميها عقدة حزب النهضة.

ما سبب هشاشة الشارع المعارض؟

هنا نعود إلى أصل المأساة التونسية؛ الذين يعلنون معارضتهم للانقلاب هذه الأيام هم في معظمهم أنصاره الذين دعوا له قبل حدوثه ثم فرحوا به وساندوه ثم قالوا نعارضه. ماذا كانوا ينتظرون منه؟ كانوا يعولون على أمر رئيس، أن يعيد تصفية خصمهم السياسي؛ حزب النهضة. لقد لبى رغبتهم أخيرا، إذن لماذا يخرجون عليه؟ لقد انتبهوا فجأة إلى الكارثة الاقتصادية والكوارث الاجتماعية التي أحدثها بالبلد، وهنا وجب التنصل بذكاء من تحمل مسؤولية ما جرى وإعادة التمسح بالشارع الاجتماعي في انتظار شهادة طبية قد تكتب في أية لحظة. لكن وراء التمسح بالشارع المضطهد تختفي عقدة النخب: كيف نعارض دون حزب النهضة أو من تبقى منه حيا؟ أو كيف نعارض مع بقايا الحزب دون أن نمنحه فرصة مشاركة في ما بعده؟ فاليوم التالي للانقلاب يفترض العودة إلى الصندوق الانتخابي ولو بالحد الأدنى منه (نفترض وجود صندوق انتخابي بالحد الأدنى).

يتوقع الطيف المعارض أن أي عودة للصندوق ستعيد كشف الحجم الحقيقي لمكوناته والتي سبق وصمها بحزيبات "الصفر فاصل"، وقد أجهز الانقلاب على كثير منها فهي دون الصفر بكثير. لقد "تضعضع" حزب النهضة وانفض عنه أنصار كثر، لكن ما أصابه أصاب غيره بأكثر مما أصابه، فهو باق رغم أنه عاش مجزرته الثالثة في تاريخه (ما من رئيس حكم تونس إلا وأنجز بإتقان مجزرة في الحزب).

في ذات الوقت يعرف الطيف المعارض أنه لا يمكنه ملء الشارع دون جمهور النهضة الباقي، لا بل يعرف أن الثقة في مكوناته قد اهتزت نتيجة مساندته للانقلاب، وهذا الرجوع إلى المعارضة يبدو منافقة صريحة للشارع. وفاقدو الثقة في هذه المكونات وإن لم يتحولوا إلى حزب النهضة فإنهم يقفون على مسافة من الجميع، بما يفقد الجميع أية قدرة على التجييش ولو بالخطاب الاجتماعي الذي يركب اللغة الثورية أحيانا.

كيف نوظف جمهور النهضة لملء الشارع دون أن نمنحه فرصة مشاركة؟ هذا سؤال (موقف) مضمر يوتِّر الطيف المعارض لكنه لا يجد له إجابة. يعبر بعض قيادات النهضة الناجين في الخارج عن رغبة في إعادة بناء التوافقات السياسية المرحلية، واضعين مهمة إسقاط الانقلاب في مقدمة برنامج سياسي مرحلي، لكنهم لا يجدون قبولا يسمح بتحويل النوايا إلى برنامج عمل، بما يجعل خطابهم نوايا حسنة تسبق صفقة بين محتالين. ولم يمكننا سبر صدق من يتفقون معهم، فهم قلة ويتعرضون إلى تنمر قاس من الصف الاستئصالي المرابط بجوار الانقلاب.

اليوم التالي المخيف
الاستبشار بمعجزة تأتي بخلاص بلا جهد هو أكبر دلالة على ضعف الشارع المعارض، وهو في ذات الوقت مسافة إضافية تباعد اللحظة المعيشة عن اليوم التالي

يمكن القول إن الانقلاب أفلح في جر كثير من الطيف المعارض إلى المحاكم واستنزف كل جهدهم في التنقل بين المحاكم والسجون، فهم في ضنك يشغلهم عن عمل استباقي يخطط لما بعد الانقلاب، فلا يستطيعون التخلي عن مساجينهم ولا يجتمعون للتفكير والتخطيط لما بعده (خطة بن علي نفسها). لقد قربت طوابير الانتظار أمام السجون بين عائلات المساجين وخلقت لحمة عاطفية كما في كل مأساة، لكن هذه العاطفة لم ترتق إلى برنامج سياسي حتى الآن. ولنقلها بصوت مسموع: حتى المساجين المظلومون لا يفلحون في بناء موقف لليوم التالي، كأن العذابات التي يعانون تفرقهم ولا تقربهم.

لهذا نقول إن اليوم التالي للانقلاب لا يزال بعيدا (لقد راجت منذ أيام قليلة شائعات عن مرض الرئيس فابتهج الطيف المعارض)، لأن الخلاص اقترب بمعجزة فلما ظهر الرئيس في الشارع انقلب الاستبشار إلى إحباط (ونشك أنها لعبة مرتبة من الانقلاب نفسه). هذا الاستبشار بمعجزة تأتي بخلاص بلا جهد هو أكبر دلالة على ضعف الشارع المعارض، وهو في ذات الوقت مسافة إضافية تباعد اللحظة المعيشة عن اليوم التالي.

نحن في مشهد سريالي؛ يود الجميع أن يسقط الانقلاب من تلقاء نفسه دون أن يستعين الطيف السياسي بحزب النهضة، فيتولى الطيف الحكم دون العودة إلى احتمال ديمقراطي تعددي فيه مكان لحزب النهضة. هذه الصورة مريحة لعقل سياسي كسول، وهي مريحة أكثر من ذلك للانقلاب.

ليتمتع الجميع إذن بالخطاب الثوري في السوشيال ميديا، فالانقلاب مرتاح أيضا وقد رزق البلادة الحسية الكافية لكي يحتقر الجميع. لم يتعلم السياسيون من الانقلاب ما به يؤسسون ديمقراطية راسخة.

لتطل الطريق ما شاء لها الله أن تطول، ولنقل إن بلدان الجوار العربي والأوروبي أقدر من الطيف المعارض على قياس توتر الشارع الاجتماعي. ذلك الشارع هو الذي يجب استباقه من الخارج بتغيير الواجهة، والخارج هو من سيحدد معالم اليوم التالي للانقلاب، وهو غير مستعجل على التغيير فالثمن يدفعه غيره.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)