الخائفون من الحرية يحكمون المشهد

نور الدين العلوي
"لماذا يخاف الحداثيون من الحرية؟"- جيتي
"لماذا يخاف الحداثيون من الحرية؟"- جيتي
شارك الخبر
المشهد السياسي العربي عامة والمشهد السياسي التونسي خاصة تقوده فئات سياسية واجتماعية تخاف من الحرية، وترعبها احتمالات التغيير الكامنة في النفوس والمطلوبة شعبيا، لذلك تتحول كلها إلى نخب محافظة على الأوضاع السائدة توقيا مما يمكن أن يحدث لو انطلقت الشعوب من عقالها وتحررت وفرضت التغيير.

الحرية تعني انطلاق من وضع (أ) جامد إلى وضع (ب) متحرك وغير يقيني، ويتطلب زمنا طويلا ليعود الاستقرار وتبدأ حياة جديدة في التشكل على قاعدة الحرية. هذا المرور مخيف ومكلف، والخائفون من الحرية ليسوا مستعدين لدفع الأكلاف، لذلك يرتكسون إلى الحفاظ على الموجود معتبرين إياه أفضل ما يكون. من هنا تردى الوضع العربي برمته، ولما ثارت الشعوب طلبت الحرية ارتد عليها الخائفون فانكسرت الموجة، لكن الأمل قائم الحرية أيضا خميرة طويلة النفس. لننظر في بعض التفاصيل.

طبقة رأس المال أكبر المحافظين

لا تجدينا أية مقارنة بدور البرجوازية الغربية نفعا، ودرس تاريخ نشأة الدولة الأوروبية ومجتمعاتها الديمقراطية غير قابل للتطبيق على نموذج البرجوازي العربي (وأدقق أن لفظ برجوازي يستعمل هنا مجازا لتسهيل القول). هذه الطبقة اصطنعتها الأنظمة السياسية -والعصامي منها قليل نادر- واتخذتها حزاما اقتصاديا لبقاء النظام (طبقة زبونية)، على قاعدة العطاء مقابل الولاء. ورغم أن العالم يتغير من حول هذه الطبقة وهي تعاين الفرص التي تأتي بها الحرية ويمكنها لو تحررت أن تزيد في ثرواتها وإمكاناتها،
هم محكومون بفكرة مؤسسة أقاموا عليها وجودهم "الحداثي: كل حرية تمكن عدوهم الإسلامي من الوجود والمشاركة لا يجب أن تترسخ فضلا على أن تتجه إليها الشعوب ولو بإيقاع بطيء، إنهم خبراء قطع الطريق على الحرية
لكنها في كل اختبار تحرر اقتصادي عامة وفي اختبار الربيع العربي خاصة آثرت الدفاع عن وضعها المستقر ومصفوفة منافعها الخاصة برفض كل تغيير. لذلك رأيناها تنحاز لكل من عبّر عن روح النظام القديم، وقد دفعت من الأموال ما يكفي لتغييره سلميا لكنها أنفقتها للحفاظ على نظام لو قيّمته بعقل اقتصادي متحرر لوجدت في بقائه خسارات كثيرة لها.

من منطلقاتها المحافظة، فإننا نرى هذه الطبقة غير مؤهلة لقيادة تغيير اجتماعي واقتصادي ينجر عنه تغيير سياسي متأن، طبقة لا تفكر في التغيير هي طبقة ميتة فكريا، لا تنتج أفكارا ولا برامج، وأقصى طموحاتها أن يظل الوضع على ما هو عليه، فلا غرابة إذن أن لا تدعم الثقافة ولا تعمل على نشر الفكر وتطوير التعليم (الخاص منه والعام). إنها في وضع مريح ما دام النظام السياسي يرفض فسح فضاءات الحرية لشعوب تائقة إلى تغيير عميق، إنها المماثل التام لطبقة الإقطاع الأوروبي قبل الثورة الصناعية رغم أن بعضها قد يستثمر في الذكاء الصناعي.

نخب الحداثة المحافظة

في كراسات الحداثة اليساري منها والقومي والليبرالي نجد أن الحرية أقنوم قائم بذاته، فتكون الحداثة هي بيئة الحريات المثلى، لكننا وجدنا الكراسات النظرية متروكة على رف مغبر بينما يقوم أصحابها بكل جهد سياسي وأمني لمنع الشعوب من التحرر. لقد انحاز الحداثيون لكل قوة عسكرية قاتلة للحرية؛ رأيناهم في الجزائر يباركون تحطيم الصندوق الانتخابي، فلما جاء الربيع العربي وصموه بالمؤامرة وقفزوا إلى جانب العسكر الانقلابي في مصر، بل إلى جانب حفتر وجيشه المدخلي، ثم جاء انقلاب تونس فكانوا ذارعه ولسانه ولم يستنكفوا. نحن نرى فرقا شاسعا بين الكراسات النظرية للحداثة وبين ممارسات الحداثيين (تونس نموذج ممتاز لقراءة الفرق بين التنظير والممارسة).

وحتى عندما استغنت الأنظمة القمعية عن خدمات الحداثيين وحولتهم إلى صف الضحايا، ما زال هؤلاء يصدرون عن موقف معاد للحرية ويكافحون لألَّا تكون. وهم محكومون بفكرة مؤسسة أقاموا عليها وجودهم "الحداثي: كل حرية تمكن عدوهم الإسلامي من الوجود والمشاركة لا يجب أن تترسخ فضلا على أن تتجه إليها الشعوب ولو بإيقاع بطيء، إنهم خبراء قطع الطريق على الحرية. يفضلون نظام بشار الدموي على تحرر الشعب السوري، بل نسمعهم يبكون على نموذج القذافي وبعضهم لا يزال يرفع رايته الخضراء في تونس. لقد عشنا معهم نصف قرن يلعنون أنظمة الخليج الرجعية الخيانية، لكن لما عملت هذه الأنظمة على إفشال الربيع العربي مجّدوها ووصفوها بالتقدمية متناسين نصف قرن من اللعنات.

لماذا يخاف الحداثيون من الحرية؟ لن نجد لديهم إجابة شافية، لكننا نعرف أن الحرية ميزان لا ينصفهم، إذ يكشف حجمهم في الشوارع كلما فتح الصندوق الانتخابي، ويكشف أن مشروع التحديث الذي تبنوه لم ينفذ إلى الناس فلم يقبلوه. لكن الناس (المحافظين حسب الكراسات الحداثية) أثبتوا قدرة كبيرة على قبول التغيير والصبر على المسافة الفاصلة بين (أ) و(ب)؛ جمهور أمي "رجعي" متقدم بالفعل لا بالقول على نخب حداثية؛ بالقول محافظة بل رجعية بالفعل. من هنا تتضح طريق الحرية القادمة.

الطريق الطويلة لا تزال طويلة
المشهد السياسي العربي محكوم بأعداء الحرية، بينما أنصارها في السجون. ولذلك وبرغم إيماننا بأن خميرة الحرية تعتمل الآن في القلوب وفي الشوارع، فإننا نتريث في الحديث عن فتوحات حرية في مدى منظور

يظهر هنا كأننا فرزنا الإسلاميين من كل الطيف الاقتصادي والسياسي المعادي للحرية، نعم لقد فرزناهم بوعي؛ لسبب واضح لدينا هو أنهم حموا الحرية في زمن تأسيسها. لقد تخصص قوم كثير في ترذيل حكمهم القصير، ونحن يمكننا أن نجد لهم مثالب في الإدارة أيضا، لكننا لن نغفل مساهتهم الفعالة في ترسيخ الحريات خاصة في تجربتي تونس ومصر بعد الربيع العربي، وها نحن نرى مثلهم في سوريا (غير مهم لدينا هنا أن نخوض في الفروق الفقهية بين سلفيي سوريا وبين إخوان مصر)؛ الاتفاق على احترام الحريات بيّن وقد دفعوا كلفته عالية، لكنهم لم يغدروا بالحريات في وقت كان الناس يحتاجونها.

لن نذهب أبعد من هذا في الدفاع عن تجربتهم، لكننا نخرج من التجربة بأن طريق الحرية مضطر للمرور من داخل عقل النخبة الاقتصادية الخائفة من الحرية ومن داخل نخب الحداثة قبل الجميع. وهذه طريق طويلة فعلا.

لن يكفي لتأسيس الحرية وترسيخها أن يتحرر إسلاميون وأن يدافعوا عن الحريات وحدهم، إنها طريق للجميع؛ إذا تخلف فريق عن السير فيها لم تستقم لأحد. والتجربة المعيشة كشفت ذلك بشكل مدرسي (طبعا للراغب في التعلم).

حتى الآن المشهد السياسي العربي محكوم بأعداء الحرية، بينما أنصارها في السجون. ولذلك وبرغم إيماننا بأن خميرة الحرية تعتمل الآن في القلوب وفي الشوارع، فإننا نتريث في الحديث عن فتوحات حرية في مدى منظور. سنشهد سقوط الواجهات العسكرية للأنظمة الانقلابية، وتغيير الواجهات هو عمل من صميم المحافظة السياسية على الأوضاع القائمة وبالأحرى الجامدة، لكن إلى متى سيؤدي تغيير الأغلفة (الواجهات) إلى الحفاظ على الكراسات المهترئة التي يقرأ منها أعداء الحرية؟ هذا سؤال يهدد وجودهم برمته.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل