هل يقود تضارب مصالح أثرياء مصر والسيسي إلى صراع مع النظام؟

محللون قالوا إن تصاعد الانتقادات من قبل أثرياء يدل على عمق الأزمة بين الطرفين- الرئاسة المصرية
محللون قالوا إن تصاعد الانتقادات من قبل أثرياء يدل على عمق الأزمة بين الطرفين- الرئاسة المصرية
شارك الخبر
برزت بشكل مثير للتكهنات بوادر توتر داخل قطاع من الأثرياء في مصر، مع تتابع خروج إشارات غضب من سياسات رأس النظام عبدالفتاح السيسي، وهو ما كشفت عنه العديد من المشاهد التي تابعها الشارع المصري مؤخرا.

من تلك المشاهد، ظهور سيدة تدعى هايدي زيدان، تنسب نفسها لفترة حكم الرئيس الراحل، حسني مبارك، ولرئيس مخابراته الراحل عمر سليمان، عبر مقاطع مصورة عديدة ومتتابعة في أيام قليلة، تنتقد تعيين السيسي ابنيه محمود، وحسن، بمراكز حساسة في البلاد (المخابرات العامة والرقابة الإدارية)، إلى جانب مظهر زوجته وابنته، وموجهة له اتهامات بقتل المصريين وسرقة أموال الدولة، والخضوع لرئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، والتفريط في أصول وممتلكات البلاد.

حديث هايدي زيدان، الذي لاقى تفاعلا واسعا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، جاء بـ"نبرة طبقية صريحة"، وفق وصف محليين لخطابها، مشيرين إلى أنها "وصفت نفسها وعائلتها والطبقة الراقية القديمة بأنهم أسياد البلد الحقيقيين والملاك الأصليين لثرواتها وأراضيها، فيما وصفت السيسي، بأنه لاجئ وليس من أصل البلد ولا من الطبقة الحكم التاريخية"، ما يكشف بحسب رؤيتهم، عن "حالة ازدراء للسيسي، تقودها السيدة وطبقتها الارستقراطية، بفعل تضارب المصالح، ما يشير إلى أن حالة الغضب الشعبي انتقلت للأثرياء حلفاء (دولة 30 يونيو)"، وفق قولهم.

ثاني مشاهد غضب الطبقة الأرستقراطية في مصر من رأس النظام، تحول شكوى السيدة حنان الشعراوي، من فرض "منتجع مراسي" التابع لرجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، بالساحل الشمالي، قيودا على الملاك، ومن منع الشرطة المصرية من دخول المنتجع، إلى أزمة مع وزارة الداخلية، لتخرج السيدة في مقطع جديد غاضبة تؤكد للسيسي، أنها ابنة أحد قيادات الجيش، وأنه لا يجب التعامل معها بطريقة الاستدعاء الشرطي، رافضة محاسبة من يعبر عن رأيه، مخاطبة إياه بقولها: "أرجوك أوقف مهزلة تهديد وإرهاب من يقول الحق ويطالب بحقوقه".

وفي سياق سخط الأثرياء المعلن، تشهد منتجعات الساحل الشمالي في مصر حالة غضب من سلطات السيسي، وخاصة منحه المستثمرين الإماراتيين امتيازات واسعة ومخالفة القوانين والدستور المصري، وذلك إثر  خلافات متصاعدة بين مطورين عقاريين خليجيين، وبعض ملاك الوحدات العقارية والسياحية والفندقية والشاطئية من المصريين الذين يشكون من فرض "نظام الكفيل" على أرض مصر.

اظهار أخبار متعلقة



إحدى الأزمات في هذا الإطار، تتعلق بإدارة شركة "إعمار مصر" المملوكة لرجل الأعمال الإماراتي محمد العبار، وفندق "العلمين" الملحق بمنتجع "مراسي" الشهير، مع فرض عضوية شهرية قيمتها 3 آلاف دولار خلال موسم الصيف الحالي مقابل 3 زيارات لشاطئ الفندق، في مخالفة للعقود المبرمة مع الملاك وللقانون المصري، بحسب متضررين من القرار.

وفي أزمة مماثلة، وفي 8 تموز/يوليو الجاري، أثارت شكوى السيدة المصرية حنان الشعراوي، الموجهة إلى السيسي، وابن زايد، والعبار، حول منع أمن منتجع "مراسي" دخول الضيوف إلى وحدة مملوكة لها، جدلا واسعا حول ما تفرضه الشركات الإماراتية على المصريين من قوانين إدارية خاصة بما يقيد حريات المالكين ويحرمهم من حقوق تكفلها القوانين المصرية.

ويقيم 22 من ملاك منتجع "مراسي"، دعاوى قضائية ضد شركة "إعمار مصر"، نتيجة القيود المفروضة عليهم وحجب بعض الامتيازات السابقة، وصعوبة دخول الشواطئ وازدحامها بنزلاء الفنادق الخمسة داخل المنتجع، متهمين الشركة بالإخلال بالعقود والانتقاص من حقوقهم.

وفي إطار غضب أثرياء مصريين من بعض الأوضاع في ظل حكم السيسي، نظم ملاك "أبراج العلمين" الجديدة وقفة تطالب بحقوقهم بعد تحديد شركة "سيتى إيدج" التابعة للدولة المصرية وبانية تلك الأبراج، الشاطئ المتاح لهم بـ500 متر والحديث عن قصره على 200 متر فقط، بعد أن كان 2 كيلو متر، والاستعانة بشركة أمن خاصة لمنع الملاك من دخول الشاطئ.

تسريبات جهات عليا

حالة الغضب تلك بدت بوادر لها داخل جهات عليا في البلاد بعد انتشار مجموعة من التسريبات التي نقلتها عن شخص من جهة أمنية مصرية، الناشطة المعارضة منى الشاذلي، لمستندات وصور تكشف عن إحدى أبشع الجرائم التي ارتكبت بحق المصريين بين أعوام 2014 و2019، برعاية الجيش والشرطة، بإجراء تجارب سريرية إسرائيلية في مستشفى بالقاهرة، على مرضى الإيدز والسرطان والمصابين بالأمراض العقلية.


وفي مشهد تسريب ثاني، كشفت الشاذلي عن مقطع فيديو لانتشار مسلحين باسم مليشيات "فرسان الهيثم"، بمحافظة شمال سيناء الحدودية، يقومون بتهريب المخدرات وفي حوزتهم طائرات درون وأسلحة ورشاشات ويجلس بعضهم على دبابة مصرية.

وبعيدا عن المقاطع والتسريبات، يلفت المشهد بشكل مثير للجدل، إلى عودة عشرات الوجوه من وزراء ومسؤولين في عهد حسني مبارك، للحديث عن فترة حكمه وعن قضايا عديدة مثارة، التساؤلات حول أسباب هذا الظهور غير المسبوق وبهذه السرعة والانتشار في وقت قصير.

وفي ظل تآكل الطبقة الوسطى بفعل السياسات الاقتصادية والسياسية، ظهر مصطلح "سكان إيجيبت"، على الطبقة الأرستقراطية الجديدة، التي تضم الأثرياء ورجال الأعمال ورموز الدولة العميقة ووجوه السلطة الحالية من كبار قيادات الجيش والشرطة والمؤسسات السيادية والقضاء والإعلام وكبار موظفي الدولة، والمنتفعين الجدد من النظام الحالي وشركائه في الانقلاب العسكري.

ولذلك فإن المشاهد الجديدة حول طبقة الأثرياء دفعت مصريين للتساؤل: هل بدأ صراع الأثرياء والسيسي؟، وهل انتقلت العلاقة من الدعم إلى تضارب المصالح؟، وهل هو صراع وجودي أم خلاف مؤقت يزول بإعادة ترتيب المصالح وتوزيع المكاسب؟، وهل تنتقل تلك الحلقة من الصراع إلى الجيش بعد أن ضم السيسي إلى إدارته منفردا أملاك جهاز "مستقبل مصر" بعد اقتطاعها من إمبراطورية الجيش الاقتصادية؟

6 محاور تحكم المشهد

وفي إجابته، قال الباحث مصطفى خضري، إن "ما يحدث في المشهد المصري اليوم ليس صراعاً عشوائياً بين أطراف متناحرة، بل مشروع بناء توازن جديد يصنعه السيسي لنفسه، لا بالتوافق مع مراكز القوى التقليدية، بل بتفكيكها الواحدة تلو الأخرى وإعادة تركيبها كمداخل تغذي إمبراطورية شخصية يتحكم وحده في كل صنابيرها".

الخبير في التحليل المعلوماتي وقياس الرأي العام، في حديثه لـ"عربي21"، أشار أولاً، إلى محور "التدفقات المالية"، مؤكدا أن "الخطوة التأسيسية في هذا المشروع كانت سحب جهاز (مستقبل مصر للتنمية المستدامة) بكل ما يملكه من ثروات وأصول من عهدة القوات المسلحة، ووضعه مباشرة تحت يد السيسي، دون أن يمر ولو مرة واحدة عبر ميزانية الدولة".

ويرى أن "هذه ليست خطوة إدارية، بل نزع سيادة مالية: الجيش الذي كان يملك ذراعاً اقتصادية مستقلة يمنحه استقلالية القرار، تحوّل إلى مؤسسة تُدار من الخارج، بينما صار مصدر التمويل الأضخم في الدولة في يد شخص واحد هو السيسي".

اظهار أخبار متعلقة



ولفت ثانياً، إلى "الدعم الخليجي"، موضحا أنه "لتثبيت هذا التوازن الجديد، جرى تفعيل قوانين استثمار خاصة بالمستثمر الخليجي، حتى لو تعارضت مع نصوص الدستور المصري ذاته؛ وهنا يظهر منطق الأولويات بوضوح: حين يتقاطع الدستور مع تدفق الدعم الخليجي، يُضحّى بشيء ما، وما جرى التضحية به فعلياً هو ولاء جزء من شريحة الـ1 بالمئة، الطبقة الثرية التقليدية، رواد المنتجعات المغلقة كمراسي وأمثالها، الذين وجدوا حصانتهم التاريخية تتآكل لصالح شركاء جدد يُمنحون امتيازات تفوق ما يحصلون عليه هم أنفسهم كمواطنين ورجال أعمال أصليين في بلدهم".

وتحدث ثالثاً، عن "القوى الناعمة"، مبينا أنه "في موازاة تفكيك النخبة الاقتصادية القديمة، يُعاد ضم قطاع الفن والإعلام إلى قاعدة النظام مرة أخرى بعد تجاهله لفترة، وذلك بالإغراء المُمنهج: عن طريق تفعيل عوائد الظهور العلني عبر وجوه موالية بعينها، وعلى رأسهم ياسر جلال، الذي يُستخدم كنموذج لكيفية تحويل الحضور الفني إلى أداة تأييد مُجزية مادياً ومعنوياً، في مقابل صمت أو تجاهل لما يجري خارج دائرة الضوء".

رابع المحاور وفق رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام "تكامل مصر"، هي "الخبرات الإدارية"، مؤكدا أنه "حين يحتاج النظام لكفاءات تقنية أو إدارية لا يستطيع إنتاجها من صفوفه الحالية، يعود إلى مخزون عصر مبارك: يوسف بطرس غالي، وحاتم الجبلي، وسيد مشعل، وحسن راتب،... الخ، أسماء تُستدعى للأضواء مجدداً، لا كإحياء نوستالجي، بل كاعتراف ضمني بعجز النظام عن توليد كوادره الخاصة، واضطراره للاستدانة من ذاكرة المرحلة السابقة".

ألمح إلى "إماطة القوة الخشنة العشوائية"، كخامس المحاور الحاكمة للمشهد المصري، موضحا أنه "في هذه المرحلة تحديداً، يُراد إبعاد نماذج العنف غير المنضبط وغير الرسمي -كنخنوخ وأشباهه- ولو مؤقتاً عن الواجهة، ليس تخلياً عن أداة القوة، بل تجميلاً للمشهد قبيل استحقاق أكبر، بحيث لا تتشوش الصورة العامة بفوضى لا يتحكم فيها المركز نفسه بشكل مباشر".

سادساً، وفيما اعتبرها "الخطوة الحاكمة لكل ما سبق"، أشار خضري، إلى "جزئية فرض التعديلات الدستورية التي من شأنها تقنين هذا التحول، وتحويله من واقع فعلي غير معلن إلى بنية قانونية راسخة تُكرّس استمرار النظام كإمبراطورية عائلية، خارج منطق المؤسسات التقليدية للحكم التي كانت تاريخياً توزع السلطة وتقيّدها".

هندسة توازن جديد

ويعتقد الباحث المصري أن "القراءة المتكاملة لهذه المحاور الستة تكشف أن ما يجري ليس تراكماً عفوياً لأزمات متفرقة، بل هندسة لتوازن جديد يصنعه السيسي لنفسه: كل محور يُغذي الآخر ويُمهّد له، المال المُحرَّر من رقابة الجيش يموّل إنشاء الإمبراطورية الجديدة، والاستثمار الخليجي يُشترى بثمن ولاء النخبة القديمة، وولاء النخبة القديمة يُعوَّض بقوى ناعمة وخبرات مُستدعاة من الماضي، وتنظيف المشهد من الفوضى العشوائية يمهّد نفسياً وإعلامياً للحظة الحسم: تعديل دستوري يجعل من كل هذا الترتيب الفعلي واقعاً قانونياً لا رجعة فيه".

ويرى أن "المفارقة أن هذا البناء، رغم إحكامه الظاهري، يحمل عوامل انهياره في صلبه: فهو يقوم على تفكيك كل شبكات التوازن التقليدية التي كانت -رغم عيوبها- تمتص الصدمات وتُوزّع المخاطر؛ حين يتركز كل شيء في يد واحدة، يصبح أي خلل في أي محور من المحاور الستة -تعثر مالي، تبدّل في أولويات الحليف الخليجي، غضب متجدد من النخبة القديمة، أو حتى عودة الفوضى الخشنة بعد تعديل الدستور- تهديداً مباشراً للبنية كلها، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها لم تعد تملك شركاء حقيقيين يمكن أن يمتصوا الصدمة معها".

وختم قائلا: "ضف على ذلك أن النظام  أقصى هذه المؤسسات، لكنه لم يلغِ وجودها الاجتماعي، ولا قدرتها على التعبئة غير المباشرة؛ فيكفي أن يجد المجتمع قناة تعبئة تعبر عن احتقانه، وقتها لن يتمكن النظام من التحكم بتوقيتها أو حجمها، فتخرج الأمور من دائرة الإدارة إلى دائرة الانفجار".
التعليقات (0)