إنهم يطوفون حول المشكل لا يبرحون

نور الدين العلوي
تدفع الشعوب في لحظة الردة أكلافا عالية أعلى من أكلاف الحرية والديمقراطية ولكن أنظمة الردة تبدو سعيدة بالنتائج والنخب موافقة على ما يجري ولا تخجل أن تقول بصوت نسمعه مادام ليس هناك إسلاميون في المشهد فلا بأس.
تدفع الشعوب في لحظة الردة أكلافا عالية أعلى من أكلاف الحرية والديمقراطية ولكن أنظمة الردة تبدو سعيدة بالنتائج والنخب موافقة على ما يجري ولا تخجل أن تقول بصوت نسمعه مادام ليس هناك إسلاميون في المشهد فلا بأس.
شارك الخبر
من تونس إلى مصر أو من المغرب إلى اليمن تعيش الأنظمة العربية أزمة حوكمة. وتعجز الشعوب عن الخروج من أزماتها المعيشية الدنيا والوجودية الكبرى. يقر القطاع الواسع من النخب بأن الأنظمة الحاكمة فقدت كل شرعية أخلاقية وسياسية. فقد دفعت شعوبها إلى العيش تحت الحد الأدنى وليس أدلُّ على ذلك من تقسيط مياه الشرب والكهرباء. وقد كانت موجة حر عابرة كافية لاختبار قدرة الأنظمة على الرعاية ونراها تركت الناس لمصيرهم واكتفت بإشهار العصا الغليظة في وجوههم فإما الصمت المقهور أو السجون التي لا تمتلأ أبدا.

ونقر بأن هذه الأنظمة الفاشلة على كل الصعد تحظى بحماية غربية كاملة يغطيها الغرب (على ضفتي الأطلسي) بحديث احترام سيادة الدول المستقلة. ونرى ان سبب الأزمة كامن في بنية الأنظمة وفكرها وهي تتغافل عن مراجعة الأسباب ففي كل مراجعة تجد فناءها ينتظرها مثل كل أخطاء التاريخ فالأنظمة العربية أخطاء تاريخية لم يتم تصحيحها فظنت بنفسها الكمال والخلود.

الهدر الديمقراطي خدمة للغرب

عندما يطرح السؤال عن سبل الخروج من الأزمة نكتشف التوافق التام بين الأنظمة الفاشلة والنخب الرديفة لها وبين الغرب وهو منع الاحتمال الديمقراطي من التحقق على الأرض حيث يتجلى لنا سبب رئيسي، وهو أن الاحتمال الديمقراطي يفسح فجوة لحركات الإسلام السياسي للمشاركة. هنا يتضح الخط الأحمر الذي رسم غربيا ووافقت عليه الأنظمة جاعلة منه سببا محددا لبقائها. تقوم معادلة البقاء على تقديم خدمة واحدة للغرب هي منع الإسلام السياسي من الحكم أو المشاركة فيه وليحصل ذلك يتم قمع كل نفس ديمقراطي تفطن إلى جوهر المشكل وعمل على تجاوزه فتكون الضحية هي الحريات والديمقراطية والمستقبل.

تقوم معادلة البقاء على تقديم خدمة واحدة للغرب هي منع الإسلام السياسي من الحكم أو المشاركة فيه وليحصل ذلك يتم قمع كل نفس ديمقراطي تفطن إلى جوهر المشكل وعمل على تجاوزه فتكون الضحية هي الحريات والديمقراطية والمستقبل.
إذا انطلقنا من تاريخ ظهور حركة الإخوان المسلمين (قرن كامل) (الحركة الأم للإسلام السياسي السني) فإن هذا القرن كان قرن قمع الإخوان بامتياز. وكلما ظهر لهم فرع أو شبيه في قطر من الأقطار اتبعت معه نفس السياسات الاستئصالية. تتغير رؤوس الأنظمة وتتغير طبيعتها من ملكية إلى جمهورية وتظل مهمة منع الإسلاميين من المشاركة بل من الوجود الأدنى مهمة مشتركة بين كل الأنظمة.

طيلة هذا القرن وخصوصا في نصفه الثاني حظيت كل الأنظمة القمعية باسناد سياسي وعسكري غربي. وبوركت مهمتها في القمع وبلغو تقدمي. حتى تحول تحقيق المهمة سببا للشرعية. توجد مهام أخرى مثل منع الفلسطيني من تحرير بلده والتودد بقتله لمحتلي أرضه ولكنها في تقديرنا مهمة واحدة على جبهات مختلفة. يلتقي الفلسطيني مع الإسلامي في أنهما طامحين إلى التحرر من عدو محتل ومن أنظمة محتلة لشعوبها بغطاء السيادة والاستقلال. إنهما -وإن لم يتفقا تنظيميا- حركات تحرر وطني تقمع بشراسة لخدمة الاستعمار. واعون بقوة هنا أن كل فرد أو جماعة اقتربت من فكرة ربط بناء الديمقراطية بالحرية قد تعرضت إلى نفس مصير حركات الإسلام السياسي. البعض قمع قبلهم وآخرون قمعوا بالتوازي معهم والأنظمة تتربص لمنع كل اقتراب سياسي بين دعاة التحرر الوطني.

نعم نعود إلى معركة التحرر الوطني

قد لا يكون مطلقو الربيع العربي (وهم شتات عاطفي في الأعم الأغلب) واعون بضرورة العودة إلى مربع البدايات أي مربع الاستقلال عن الاستعمار. لكن مجريات الربيع كشفت أن محاولات بناء الديمقراطية دون ترسيخ الحريات في الدخل وأمام الخارج المعادي للربيع منعت من التحقق على الأرض. ففي قمة التقدم نحو التحرر بالصندوق الانتخابي استعادت الأنظمة الفاشلة تسويق نفسها للغرب باعتبارها ضمانة ضد الفوضى. لقد صورت الحرية كفوضى يجب ردها إلى حالة نظام واستقرار فإذا الأمر في جوهره عودة القمع المنهجي وإذا المستفيد الغرب نفسه بينما حرمت الشعوب من حريتها ومن بناء استقلالها وسيادتها الفعلية. وكان الإسلاميون على رأس قائمة الضحايا كالعادة.

وها قد تمكنت الردة وساد النظام (كالعادة) ولكن هل تقدمت الشعوب على الأقل في تحصيل ما فوق الحد الأدنى المعيشي الذي قد يخفف عنها الشعور بالهوان؟

لقد قمع الربيع العربي بقسوة لأنه فتح الباب لمشاركة الإسلاميين الذين أظهروا خطابا استقلاليا وتحدثوا عن تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي وعن تنويع الشراكات الاقتصادية وعن ترسيخ حرية الإعلام ومارسوها في أحيان كثيرة على حسابهم. وقبل أن يتحول وجودهم ومشاركتهم إلى معطى ثابت وقبل أن تصير أفكارهم موضوعا للمداولة السياسية الحرة ضمن مشهد ديمقراطي تم قطع الطريق على الجميع. لقد اقتربوا من الخطوط الحمراء التي رسمها الغرب للأنظمة لتعيش تحتها. دون أن ننسى أن فتح المعابر على غزة كانت مغامرة حرية وكان لها ثمن قاس.

يطوفون حول المشكل لا ينوون حله

تعرف الأنظمة أن سبب بقائها هو خوض هذه المعركة الاستئصالية لصالح الغرب ولصالح الكيان الغاصب. وهي تجد أن قمع تطلعات شعوبها أيسر لديها من تحمل كلفة الحرية والديمقراطية. وتشترك الأنظمة مع نخب صنعتها على عينها. في نفس الموقف. وتزيد النخب لغوا كثيرا عن الحداثة. في تقاسم أدوار محكم فقد حولت النخب الحداثة إلى غطاء للقمع.

قد لا يكون مطلقو الربيع العربي (وهم شتات عاطفي في الأعم الأغلب) واعون بضرورة العودة إلى مربع البدايات أي مربع الاستقلال عن الاستعمار. لكن مجريات الربيع كشفت أن محاولات بناء الديمقراطية دون ترسيخ الحريات في الدخل وأمام الخارج المعادي للربيع منعت من التحقق على الأرض.
إذا وضعنا مقدرات البلدان العربية في كفة ووازناها بالمنجزات التنموية فسنكتشف أنها دول فاشلة. هناك قوة عمل شابة تحسب بالملايين وثروات لا تحصى وجغرافيا استراتيجية وجوع وعطش وسجون وأكاذيب عن الحداثة. هذه معادلة غريبة دول غنية وشعوب فقيرة.

والحل مكشوف للجميع وهو الانطلاق ولو بخطو سلحفاة على طريق ترسيخ الحريات وإطلاق سراح الشعوب ومقدراتها لتبني بلدانها بأيديها. هذه طريق فيها آلام كثيرة وفيها فوضى وخسارات أيضا ولكنها تفضي إلى مخرج تتحمل فيه الشعوب كلفة حريتها وقد ظهرت مؤشرات على استعداد الشعوب للسير في هذه الطريق في تجربة الربيع العربي القصيرة.

آمنت الشعوب بالصندوق الانتخابي وذهبت إليه وأطلقت لخيالها العنان في نقد واقعها واقتراح الحلول. وكانت إحدى علامات النجاح هي الخروج من معركة الاستئصال أي القبول بمكونات سياسية متعددة فيها مكون إسلامي رأيناه سباقا إلى القبول بحكم الصندوق، وكانت تلك لحظات نجاح تعد بالتقدم. لقد قالت الشعوب أن الصندوق الانتخابي هو الحل. لكن الردة كسرت المسار وتلقت ما يكفي من الاسناد لكي ينتكس كل شيء.

تدفع الشعوب في لحظة الردة أكلافا عالية أعلى من أكلاف الحرية والديمقراطية ولكن أنظمة الردة تبدو سعيدة بالنتائج والنخب موافقة على ما يجري ولا تخجل أن تقول بصوت نسمعه مادام ليس هناك إسلاميون في المشهد فلا بأس.

إلى متى سيهربون من الاستحقاق الديمقراطي؟ إننا نراهم في نفس مسار انحدار الكيان الغاصب. لقد ارتفعت كلفة الكيان على داعميه بعد حرب الطوفان وهم يتململون بين مواصلة دعمه وبين الاستجابة إلى تطلعات شعوبهم في التخلي عنه. سيجري على أنظمة الردة الوظيفية ما يجري على الكيان. ارتفاع كلفة إسناد الأنظمة ستجعل التخلي عنها أيسر من دعمها. الوظيفة موشكة على النهاية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)