صَدَدتِ الكأسَ عَنّا أُمَّ عَمروٍ

أحمد عمر
"جعل القومُ لكرةِ العالم كأساً من ذهبٍ، مصمتة، لا جوف لها"- جيتي
"جعل القومُ لكرةِ العالم كأساً من ذهبٍ، مصمتة، لا جوف لها"- جيتي
شارك الخبر
كان أهل الغرب يبحثون عن الكأسِ المقدَّسة، وما يزالون، في القصص والأساطير وأفلام السينما، ثم صاروا يبحثون عنها بين أعشاب الملاعب وفي نعال اللاعبين؛ فهي كأسُ ماءِ الشباب، وكأسُ الخُلد:

إذا امتلأتْ لم تُبقِ للعقل بقيةً   وإن فرغتْ أعطتْ من الهمِّ أضعافا

هي ليست كأس العالم، هي كأسُ الملك آرثر، فلا يغرنَّك الاسم يا أمَّ عمرو: "إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ".

كأس تُذهب العقول:

اللاعبُ لا يُصدر كثيراً من المكارم والفضائل؛ هو صانعُ ثرواتٍ وبهجة، وليس صانع أخلاقٍ وشِيَم، لكنه مشهور، والشهرة تاج على رؤوس المشهورين، يراه الأعمى والبصير، والذين على سفر، والقادمون من الغائط. وهو تاجٌ يكادُ سَنَا برقِه يذهبُ بالأبصار. قد يكون اللاعبُ كريماً مثل رونالدو، فيُكرمُ من يصادفه بصورةٍ معه تُخلِّده، فيباهي بها طالبُ الصورة معارفَه، مثل مباهاة السامريّ بقبضةٍ من أثرِ الرسول.

جعل القومُ لكرةِ العالم كأساً من ذهبٍ، مصمتة، لا جوف لها. قال النحوي ابن الأعرابي: لا تُسمَّى الكأسُ كأساً إلا وفيها الشراب. فهي قدحٌ، لا شرابَ فيه، لكنها مسكرةٌ أكثرَ من سلافةِ الأندرين، تُسكرُ جميع من يراها:

تَجُورُ بِذِي اللُّبَانَةِ عَنْ هَوَاهُ    إِذَا مَا ذَاقَهَا حَتَّى يَلِينَا

هي خمرةٌ تُشربُ بكأسِ العين، تخلبُ الألباب، واسمها بالإنجليزية: "World Cup"، والكُبَّةُ كثيرةُ المعاني، مثلُ معظم ألفاظ العربية؛ حيثُ كلُّ لفظٍ يشملُ الوجود، فهي البيتُ من اللبن، والجماعةُ من الخيل، وشدَّةُ الأمر، والتراب، والكبةُ الحلبية.

الحلبيون أسيادُ المائدة، كأنَّ سورة المائدة نزلت فيهم، ولديهم ستون نوعاً من الكبة، أشهرها "الكبةُ السماقية". زيدتِ الكُبَّةُ حرفاً فصارت قبعةً، إن سُمِلَتْ عينُ القبعة تحت التعذيب صارت "كيبه"، يضعها ميسي على رأسه أمام حائط المبكى، وقد نال النعلَ الذهبيَّ ست مراتٍ، وكأسَ العالم مراتٍ، فلِمَ البكاءُ يا ميسي يا بطل الأبطال؟

"والورلد" قد تكون من الورى، وهم الناس، وهما لفظتان عربيتان. الملعبُ هو حومةُ الوغى، والحربُ رمزيةٌ تدور رحاها بين "الخميسين لا في السبعة الشهب".

الفريقان غيرُ متساويين في الشدة، ومتضادان في الاتجاه، حسب قانون نيوتن الثالث. والحَكمُ هو الخصم، والصفارةُ هي حقُّ الفيتو في الملعب، فصاحبُ الصافرة لا يبالي بـ"الفير"، وهو العدلُ في اللغة اللاتينية، ولا بـ"الفار" الذي يلعب في عِبِّي، ويرفع البطاقةَ الحمراءَ (بالثلاثة)، أو الصفراءَ، وهي طلقةٌ بائنةٌ بينونةً صغرى.

كان حمدين صباحي، الذي اختفى في ظروفٍ غير غامضة، يبكي ويشكو لقناةٍ أجنبية، لن تنفعه، بعد أن خسر كأسَ الملك في مباراته الودية مع السيسي على كأس الرئاسة، وقد لعب دور الممثّل البديل، الدوبلير، في فيلمِ الانتخابات، فقال: "It's not fair". وإنجليزيّتُه جيدةٌ مقارنةً بإنجليزية خصمه، الذي لبث في أمريكا من عمره سنين، فقال للطفل، وهو يُسعد مع الأطفال في سنِّه كثيراً: "Shake hand you".

وهي ترجمةٌ عربيةٌ مطابقةٌ للعربية من غير اتباع للنحو الإنجليزي، وقد ذهبت مثلاً، ولم يلحظها "فار" العقلُ المصري، ففار العقل المصري سمكة، وهي الجملة نفسها التي قالها مدرّبُ الفريق المصري بعد مباراة مصرَ مع الأرجنتين. ولن تنفعه الجملة، ولن ينفعه "فارٌ" ولا بنون، فحلمُ إعادةِ المباراة مثلُ الغولِ والعنقاءِ والرئيسِ الوفي، وإن بالغَ المعلّقُ العربي. والمعلّقُ العربي يصنعُ من الحبّةِ كبّةً، وعادةً ما يصفُ المعلّقُ العربي اللعبةَ بأنّها صناعةٌ للتاريخ وليس للكُبّة، والتاريخُ لا يُصنعُ في ملاعب كرة القدم؛ الكذبُ ملحُ السياسة وسُكّر الحياة.

هي حربٌ رمزيةٌ، والكرةُ حلوى الطعام، والمجدُ يُصنعُ في أرض المتاعب، لا في أرض الملاعب.

المرء بأصغريه:

سنعودُ إلى فارسِ العصرِ الذي ينطقُ بقدمه. وكانت العربُ تحبُّ قدم الحسناء كلسان الحيّة، لكنَّ القدم التي تشبهُ رأس الحيّة هي قدمُ ميسي. وفي الأثر: إنَّ المرءَ بأصغريه: لسانه وقلبه، لكن اختلف الأمرُ في عصر المتوحّد ميسي الذي يحسن تمثيل دور المصاب مثل الدعاسيق:

قد قال قومٌ بغيرِ علمٍ    ما المرءُ إلّا بأصغريه
وقلتُ قولَ امرئٍ عليمٍ    ما المرءُ إلّا بأخمصيه

نجوم السينما كومبارس في المباراة، فهي كأس العالم، والورى سيشربون منه دهاقاً. وقد شاهدنا براد بيت، ودي كابريو، وبينيلوبي كروز في المدرّجات كومبارسات. فاليوم يوم الملحمة، ويوم النعال، ويوم الجزم، ويوم الصرم، ستتوقّف الصلواتُ، وتؤخَّرُ من أجل المباريات.

أصل المباراة من الحلبة الرومانية، فهي امتدادُ المصارعات الرومانية الدموية، لكنَّ الدم لا يظهر هذه المرّة للعين المجرّدة من النظّارات المقرِّبة؛ الدمُ مالٌ بارد، وتصحب المباريات مراهناتٌ، وأمتعةٌ تُباع، وأصنامٌ تُصنع، وعبيدٌ كثيرون. هي معاركُ يربح فيها قلّةٌ، ويخسرُ فيها الأكثرون، ويلحقُها اقتصادٌ عظيمٌ يُسمّى اقتصاد الكرة.

الكأس المقدسة

أما سببُ جعل الجائزة كأساً، وليس صنماً مثل الأوسكار، فلأنَّ الكأس رمزٌ غربيٌّ. فأصلُها الكأسُ المقدّسةُ (Holy Grail)، وهي واحدةٌ من أشهر الأساطير في التاريخ الأوروبي، وقد امتزجتْ فيها المسيحية بالأساطيرِ الآرثرية، وصارت رمزاً دينيّاً وأدبيّاً كبيراً.

تقول الروايةُ إنَّ أصل أسطورةِ الكأسِ المقدّسةِ هي الكأس التي شرب منها يسوع المسيح وتلاميذه في العشاء الأخير، ثم استخدمها يوسف الرامي لجمع دم المسيح عند الصلب. وبحسب الأسطورة، حمل يوسف الرامي الكأس إلى بريطانيا، حيث أُخفيت، وأصبحت موضوعاً لرحلة البحث الشهيرة التي ما زالت مستمرّةً.

تقول قصّة البحث عن الكأس في أساطيرِ الملك آرثر، إنَّ فرسان المائدة المستديرة اجتمعوا، فأُبرزتْ لهم الكأسُ المقدّسةُ، ثم اختفت، فقرّر الفرسان البحث عنها. وتقول الأسطورة إنَّ القوة أو الشجاعة وحدهما لا تكفيان؛ إذ لا ينال الكأس إلّا الفارسُ الطاهر الشريف، ولهذا يخفق معظم الفرسان في نيلها، بينما ينجح، في بعض الروايات، فارسٌ اسمُ غالاهد، وأحياناً يرافقه بطلٌ مساعدٌ اسمه بيرسيفال أو بورس.

صارت الكأس رمزاً للسعي إلى الحقيقة والكمال الروحيّ والخلاص.

مقابلة الرئيس هي كأس العالم الحقيقية:

لن يكسب العرب الكأس؛ فهم أهل نصٍّ وجناس، وليسوا أهل كأس وطاس، وقد تعجّموا. معظم من أعرف يكتبون منشوراتهم بالعاميّة على وسائل التواصل، فلم يعودوا أهل بيانٍ أيضاً. تقول إحصائيّة إنَّ العرب يستعملونَ 7 في المئة من اللغة العربية، فكأسُ العرب لغتهم، وهي قاموسٌ، لكنّهم يشربون من الترعة والبركة.

لم يعودوا كما قال ابنُ كلثوم:

ونَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْواً    وَيَشْرَبُ غَيْرُنَا كَدِراً وَطِينَا

الفِرق العربية، حتى إن أحرزتْ فوزاً على بعض الفرق الأوروبية، فستخذلها صافرةُ الحكم؛ فالملعب ملعب الفرنجة، والتاريخ -إنْ أقررنا بوصف المعلِّق العربي- تصنعُه الصفارةُ.

لن تكسب الفِرقُ العربية التكريم في الوطن أيضاً؛ فالرئيس أم عمرو هو الهدَّافُ الأول، وهو يغار كثيراً من المشهورين، ويظن أن الكأس سحريّة، والرئيس يأخذ كلَّ سفينةٍ غصباً. الأسودُ سيصيرون لبوات منزلية عند العودة إلى الوطن، سيستقبلهم ويجري لهم "طابور الصباح" في المعسكر: ويمنحهم كأس الاحترام والتقدير، يمكن أن يمنح كل لاعب كأس أم عمرو، من الألمنيوم، بل يمكن أن يمنح كل مصري كأس احترام وتقدير من التنك والخردة.

النحلة والأسد:

نُسمّي أبطال فِرَقنا التي تلعبُ بالكرة بأسماء الضياغم والقشاعم والضراغم؛ فالمغاربةُ هم أُسودُ الأطلس، والمصريون فراعنةٌ، والسعوديون صقورٌ، وهي ألقابٌ مستوحاةٌ من الفتكة والبطش، لا مثل الفرنجة الذين يصفون فرقَهم بأوصافٍ يغلب عليها التعاون والجماعة والآلة؛ مثل الماكنةِ الألمانية، أو أوصاف مقتبسة من العرس والعيد؛ مثلُ لقب راقصي السامبا لفريق البرازيل، ولقب راقصي التانغو للفريق الأرجنتيني.

هم يرقصون كالنحل ويكسبون، ونزمجرُ كالسباع ونخسر.

x.com/OmarImaromar


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)

خبر عاجل