نسيان مع سبق الإصرار والتذكّر

أحمد عمر
"صناعة النسيان أذكى وألطف"- جيتي
"صناعة النسيان أذكى وألطف"- جيتي
شارك الخبر
أيُّها السادةُ الكرام:

سنذكر رموزَ المتحاربين؛ فرمزُ الحزب الجمهوري الحاكم هو الفيل، وطبعه الحقد، أمَّا حيوانُ إيران، فهو الجملُ البختيُّ ذو السنامين، وطبعه الصبر.

تعلَّم الإنسان من الطيور، الانزلاق الهوائيَّ والتوازنَ في الجو، فصنع الطائرات، ومن الخفافيش والدلافين صناعةَ السونار والرادار وتقنيات الملاحة. واستلهم صناعةَ القطارات السريعة من طائر الرفراف، كما تعلَّم صناعةَ اللاصقات القوية من الوزغة، القادرة على الالتصاق بالجدران بفضل ملايين الشعيرات الدقيقة في أرجلها، واستوحى صناعة بدلات السباحة وطلاء السفن والطائرات من جلد القرش. ومن طريقة مشي الفيل، تعلَّم تصميمَ الروبوتات الثقيلة، ومن النمل، تنظيم شبكات المرور وأنظمة الملاحة، ومن خلايا النحل العمارة، ومن زهرة اللوتس صناعة الدهانات ذاتية التنظيف والأسطح المقاومة للماء.

وقد اتخذ البشر كثيرا من الحيوانات رموزا قومية، كانت طواطم تُعبد سابقا، على الأعلام الوطنية، مثل الكنغر لأستراليا، وعلى أيقونات المهن الطبية، مثل الأفعى للطب والصيدلة، والبومة للحكمة في التعليم.

ورد في الأخبار أنَّ موقع "زيتا"، بالتعاون مع "تروب سايت نيوز"، أجرى استطلاعا للرأي في أمريكا، فوجد أنَّ نسبة 52 في المئة من المشاركين يعتقدون أنَّ ترامب هاجم إيران لصرف الانتباه عن فضائح جيفري إبستين، على طريقة "بُصّ العصفورة". والعصفورة هذه المرّة أبابيل حديدية رمت إيران بحجارةٍ من سجيل أمريكيّ منضود.

لكنَّ الطغاة تعلَّموا حيلا يمكن العثور على أمثالها في عالم الحيوان، أطلق نعوم تشومسكي على هذه الحيل اسم: "الاستراتيجيات العشر للحكم"؛ حيلة "بُصّ العصفورة"، أو الإلهاء، وحيلة التجهيل والتعمية، أو "بغل الطاحونة" الذي غالبا ما يكون معصوبَ العينين، وحيلة "خلق المشكلة والحل" من حيوانات المزرعة، التي تلخّصها نكتةُ الفلاح الروسي الذي اشتكى من ضيق بيته، فوُصفت له الوصفة التالية:

"هل لديك دجاج؟"، قال: "نعم"، قال: "أدخل الدجاج إلى البيت". بعد أيام عاد الرجل يائسا، فأُمر بأن يكرِّر الأمر مع المعزاة والبقرة والحمار، وفي كلِّ مرةٍ يصبح البيت أكثر ضيقا وجحيما. ثم، بعد فترة، أمره الآمر: "الآن أخرج الحيوانات كلَّها من البيت". فطار الفلاح فرِحا، وقال: "هيلا يا واسع!".

وتعلَّموا حيلةَ التأجيل والتأميل والتسويف من "جزرة الحمار" التي تُربط فوق رأسه، فيُساق بها، وحيلةَ العاطفة من "البُو"، وهو جلدٌ يُحشى تبنا من أجل إيهام الناقة بأنَّ ابنها حيٌّ، وحيلةَ البكاء من التمساح، التي نسميها "دموع التماسيح".

وحيلة "القرود الوطنية"، وتمثّلها حكاية أنَّ عددا من القرود حُبست في قفص، وفي الأعلى عُلّقت ثمرة موز فوق سلَّم، وكلما حاول أحد القرود الوصول إلى الموز، أُمطر الجميع بوابلٍ بارد. وبعد تكرار الأمر، بدأت القرود بمنع أيّ قردٍ تُسوِّل له نفسه اشتهاء الموز. ثم بدأ المختبرون باستبدال القرود واحدا واحدا، وكلما دخل قردٌ جديد بريء غافل، وحاول قطف الموز، ثارت عليه القرود. ومع الوقت تمَّ استبدال جميع القرود الأصلية، بحيث لا يبقى أيُّ قرد يعرف سبب المنع، لكن الجميع استمروا بمنع كلِّ من تُسوِّل له نفسه المساس بالوحدة الوطنية ومحاولة الوصول إلى الموز.

لكنَّ أمَّ الحيل التي تعلَّمها الإنسان من السنجاب هي النسيان؛ فالسنجاب يدفن كثيرا من الجوز، وينسى أمكنة دفنها، وكذلك السمكة التي تنسى سنَّارة الصيد، حتى ضُرب بها المثل في سرعة النسيان.

ثمَّة فيلم من أفلام الجزيرة الفردوسية، ليس فيه حيوانات، لكنه عن حيل الحكم والسيطرة، اسمه "بلينك توايس" أي: "اطرُفْ مرَّتين". في أول تجربة إخراجية للمخرجة زوي كيفتز، يروي الفيلم قصةَ ثريٍّ يضمُّ امرأتين طارئتين إلى أسماء المدعوين إلى جزيرته الفاخرة، وهم من علية القوم. وهناك تنتبه المدعوَّة السمراء إلى أنَّ الضيوف يفقدون الذاكرة، وأنَّ الثريَّ المضيف "كينغ" يسقيهم شرابَ النسيان، وهي غايةُ كلّ طاغية. الفكرة ليست مبتكرة؛ فقد رأيناها في مسلسل "صح النوم" السوري الشهير، واسمه يدلُّ عليه.

الفيلم ليس بالجودة المبتغاة، ولا يستحقُّ أكثر من ستّ درجات من عشر على موقع "الطماطم الفاسدة". فالخمرة تسبب النسيان، ولا يحتاج الأمر إلى إكسير غالي الثمن. لكنَّ السائل السحري يبسّط المسألة للمشاهد، أو يسرِّع النسيان؛ فشارب الخمرة يصحو من السكرة. أما خاتمة الفيلم فخادعة، وسمكيّة، تحضُّ على الانتهازية؛ فالضحية السمراء الناجية تتحول إلى واحدة من فريق الثري، عملا بالنصيحة المضلّلة: "إذا لم تستطع أن تهزم العدو، فانضمَّ إليه". وتنضمُّ إلى الفريق الذي يوسّع أعماله في صيد الضحايا من مناطق عالمية، مثل الصين!

في الغرب، أو في نصوصه الأدبية والفنية والفكرية الحديثة، المرأة أقوى من الرجل. أمَّا في العربية، فقد اشتُقَّ لفظ "الذَّكَر" من لفظ "الذِّكر"، فالمرأة تنسى، وما شهادة امرأتين في القرآن الكريم بشهادة رجلٍ واحد إلا لأنها تنسى، لغلبة العاطفة عليها، أو بسبب ما يسميه نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي: "الهرمونات". فهي تنسى وتُنسي أيضا، فهي واحدة من أدوات وآلات صناعة النسيان.

وفي حركة "الفمينست" التي ظهرت في الستينيات، وسُميت عربيّا بـ"النسوية"، وسمّاها المفكر المصري عبد الوهاب المسيري اسما أولى، وهو "التمركز حول الأنثى"، صيدت عدة عصافير بحجرٍ واحد؛ فقد ضمَّت النسوية بضع منهجيات للحكم والتحكم: إلهاء شاملا بصناعة حرب بين الجنسين المتحابين، وتجهيلا وتطفيلا، وتدرجا وتأميلا وإنساء، وإشغالا للرجل بإشعاره بالذنب لأنه ذكر، والأنثى بإشعارها بالذنب لأنها أنثى.

تقول أخبار صناعة النسيان و"سنجبة" البشر، وتسميكهم (من السمك أو من السماكة والغلاظة أو من السباكة)، إنَّ دولا أوروبية وعدت، أو توعدت، شعوبها باستبدال العملة الورقية بعملة رقمية. فالعملة الورقية أو المعدنية تحمل ذكريات وصورا وعبارات، أما الرقمية، فما هي إلا موجات "واي فاي" وكودات إلكترونية لا تُرى، وأرقام سرية طويلة. وسيعرفون أيضا ماذا اشترى كل مواطن، وماذا أكل؛ أما الطعام، فليس سوى سعرات حرارية.

أما صناعة النسيان في البلاد العربية، فهي حكوميّا على قدم وساق، لكن بطرق قديمة: تدمير الآثار، أو سرقتها وبيعها، أو العبث بتأويل التاريخ وقراءته، أو بصناعة المسلسلات (من السلاسل والأغلال) والمعتقلات؛ الداخل إليها مفقود، والخارج منها مولود من غير ذاكرة.

وصناعة النسيان خارج المعتقل أذكى منها داخله؛ فالرعية تتابع المسلسلات، وتقضي يومها في اللحاق برغيف الخبز الهارب. أما عالميّا، في البلاد المتقدمة، فصناعة النسيان أذكى وألطف، بعد اختراع الهواتف النقالة التي عمَّت العالم، والتي تضخُّ الأخبار والصور بالآلاف في كل دقيقة. فتدفق الأخبار يجعل الحزن يمحو الفرح، والضحك يذهب الغضب، وقد يفوق أحمقٌ عالما في الشهرة والمال لمجرد نكتة أو حماقة. وبين كل عدة أخبار، ثمَّة إعلان يعطّل عليك متعة سكرة التدفق ويوقظك؛ ستشاهده مجبرا. الإعلان يذكّرك بشراء البضاعة، وإذا تضايقت منه يمكنك أن تشتري حاجبا للإعلانات.

حياةٌ افتراضية من غير ذكرى، مع أنَّ التصوير وافر، وكلُّ امرئ يحمل معه كاميرا دقيقة تصوِّر عدد الرموش في العين، ولأن الصور كثيرة ووافرة يضطر المرء إلى حذفها.

تنجو الضحيتان في فيلم بلينك توايس، بنهايته السعيدة من الهلاك في الجزيرة، وتنضمان إلى لعبة صيد السمك الفاخر في الحوض الزجاجي العالمي، وصناعة النسيان.

ومن الغريب أن ترامب الذي سخر من ذاكرة سلفه بايدن، ذكر مدة حرب فيتنام، التي طالت ثماني عشرة سنة، عندما سأله الصحافيون عن طول الحرب مع إيران، وهي حرب لم تنتصر فيها أمريكا.

 كان الرجل يسعى وراء نوبل للسلام، لكن أصل الإنسان نطفة، والنطفة سمكة.

x.com/OmarImaromar


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)