النزعة الرثائية عند الكرد

أحمد عمر
"ثورات عقيمة واعدة بتحرير أوجلان من سجنه الفاخر في جزيرة إمرالي؛ أكثر من اعتنائهم بتحرير شعوبهم"- جيتي
"ثورات عقيمة واعدة بتحرير أوجلان من سجنه الفاخر في جزيرة إمرالي؛ أكثر من اعتنائهم بتحرير شعوبهم"- جيتي
شارك الخبر
هل ثمة نزعة بكائية وندبية ورثائية عند الكرد؟

الجواب: نعم، وهي نزعة مكينة وأصيلة، وقد تتحول إلى نزعة كربلائية، لكنها لن تشبه كربلاء الحسين بمواكب اللطم والطبر والتمرّغ في الوحول، فهي ليست نزعة دينية، وأحزانهم ليست بمواكب جماهيرية نسكية وشعائرية، وإنما هي تعبيرات أعيان ونخب وفنية وأدبية وشعرية، وهي تتجه إلى النفس والآخر، لا إلى السماء. وغرضها تحفيز روح المقاومة، والحفاظ على الجماعة، واستدعاء الحنين إلى الوطن.

أحرق ستون كرديّا -على الأقل- أنفسهم احتجاجا على اعتقال عبد الله أوجلان، الذي لا يزال حيّا في سجنه، يرتع ويلعب، وتحرسه جيوش كاملة؛ سجينٌ محروس كما في الحكايات الأسطورية. إنه حسينٌ حيٌّ على الأرض، لكن من غير شمائل الحسين، وإن منحه أنصاره صفات وشمائل ليست له، مثل الزعم بحفظه "ثلاثة وثلاثين" جزءا من القرآن! وهي مقولة يشيعها أنصاره لدى العامة، مع أنه ماركسيّ لينينيّ ملحد.

وهذه النزعة المحدثة الطارئة ظهرت في عصر القوميات، حين وجد الكرد أنفسهم بلا دولة. هم -في نظر أنفسهم- لا يبلغون رتبة المواطنة الكاملة في الدولة التركية المستعلية بلغتها وعنفوانها، إثر معركة جناق قلعة على الاستعمار البريطاني وعلى الخلافة الإسلامية لاحقا، على خلاف الدولة العثمانية التي كانت تجمع الأقوام في ظل الدولة الإسلامية. وكذلك كان الأمر في الدولة القومية العربية، في عهد عبد الناصر، وفي دولتي البعث السورية والعراقية.

ومن آثار هذه النزعة أن ظهرت أسماء كردية باكية، تعبيرا عن هذا الفقد الوطني، لدى الآباء الذين سمّوا أبناءهم بأسماء قومية حزينة، مثل: كادار (القدر أو الكدر)، وآخين (من الأخ والتأوّه)، وحزني الذي يُصحَّف أحيانا إلى حسني. وهناك مطرب كردي اسمه حزني، واسم آختين هو مثل آخين إلا أنه منسوب إلى المصدر هذه المرة، ومظلوم نسبة إلى مظلوم دوغان، المناضل الكردي الذي أحرق نفسه احتجاجا على اعتقاله الظالم، وهو اسم يستعيره الناشطون الكرد، فيتلثّمون به أو يتباهون به، ويتوسّلون به استرقاق القلوب واستمالتها. مظلوم عبدي، اسم قائد قوات سوريا الديمقراطية المستعار، وهو ليس اسمه الحقيقي. معظم النخب الكردية تعيش بأسماء مستعارة ثورة على الآباء والأسلاف. وهناك هوار (الغوث)، وبيكس (الوحيد أو المنبوذ أو المستوحش)، وغيرها من الأسماء الحزينة.

نجد هذا الميل النائح في الأغاني الكردية، مثل أغاني محمد شيخو الحزينة والبسيطة، التي تُعزف على آلة واحدة هي الطنبور؛ يبكي فيها الدهر (الفلك عند الكرد، وهو لفظ عربي)، والنرجس الذابل، والقدر التعيس. وكذلك المغني شفان برور في أغانيه الحزينة، لكن بحنجرة تميل إلى الثورة والتمرّد، جامعا بين الغرضين؛ الثورة والاستعطاف وهما متناقضان!

أما سبب المظلومية، فهو الضعف والخسران، وانكسار الثورات الكردية؛ ثورة سعيد بيران، وقاضي محمد، ومصطفى البارزاني، وهي ثورات ذات طابع ديني في معظمها، إلى أن وقع انقلاب عقائدي، وانطلقت ثورة ماركسية لينينية بقيادة عبد الله أوجلان، أحد مؤسسي حزب العمال الكردستاني، في مجتمع قروي محافظ لا عمال فيه، بل فلاحون. وبرزت وعود بدولة، أو حكم ذاتي، أو فيدرالية، ثم تقلّصت الآمال إلى اندماج كردي في الدولة التركية أو السورية، وإدارة ذاتية، ومحافظ كردي لمحافظة الحسكة.

يمكن عزو أسباب هذه النزعة إلى الفطرة التي أشار إليها المعري في داليته الشهيرة:

إِنَّ حُزْنا فِي سَاعَةِ الْمَوْتِ أَضْعَا   فُ سُرُورٍ فِي سَاعَةِ الْمِيلَادِ

وإلى الانتكاس الوطني والقومي بثورات مهزومة؛ يفسّر أهلها انهزامها بتآمر الآخرين لا بطيش قادتها، وقلة حكمتهم.

ومن أسبابها أن الكرد يجاورون شعوب دولتين عريقتين في تقاليد الندب والنواح، هما العراق وإيران؛ فالعراق ظلّ يبكي قرونا على تموز، الذي حلت روحه في الحسين، وإيران التي تبكي على مُلك فارس الذي آل رمزه إلى الحسين أيضا.

لكن النزعة الحسينية عند الكرد -إن جاز التعبير- يقلُّ فيها التشخيص، الحسين وطن غالبا؛ فأكثر الذين يصفون أنفسهم بالمتنوّرين القوميين من الكرد يُقسمون بتراب كردستان، وأحيانا بالنور، وهو قسَم موروث من رموز النار القديمة المعبودة. وقد خفّ التشخيص لدى كرد العراق، تمثيلا بمصطفى البارزاني الذي مات في مستشفى جورج واشنطن في أمريكا. لكن كرد أوجلان الماركسيين لا يزالون يشخّصون البكائية والندبية، التي لا تتحول إلى لطمٍ جسدي، بل إلى لطمٍ فدائيّ وانتحاريّ في ثورات عقيمة واعدة بتحرير أوجلان من سجنه الفاخر في جزيرة إمرالي؛ أكثر من اعتنائهم بتحرير شعوبهم.

وثمة مثال ثالث في أسوة البكاء غير العراق وفارس، هو المثال الإسرائيلي، وهو المثال المُنتج سياسيا، الذي أثمر دولة، لا بقوة الدموع بل بقوة السلاح والتنظيم والإرادة الدولية والعزم اليهودي والخبرة الدينية والتاريخية. ويظهر ذلك في شاخصين:

- "حائط المبكى"، الذي يُساق إليه الضيوف الكبار لإرسال الرسائل والأماني والأدعية، كما في بئر المهدي لدى شيعة إيران، سمّي الحائط بالمبكى، لأن اليهود كانوا يقفون عنده للبكاء على خراب الهيكل الثاني الذي دمّره الرومان سنة 70م، فأصبح رمزا للحزن القومي والديني. فالحائط رمز سياسي وديني، ومحجة يقلُّ فيها البكاء، وإن كان اسمه المبكى، ويغرض إلى الحفاظ على الذاكرة التاريخية، والهوية القومية، والأمل، وهو أحد أكثر الأماكن زيارة في القدس.

- وحائط السينما، بإنتاج مئات الأفلام الروائية حول الهولوكوست، وتعظيم ألم اليهود وبطولاتهم. وكان من أحدثها فيلم "مارتي سوبريم". وربما أشرفت الرواية البكائية على الاحتضار بعد معركة طوفان الأقصى؛ فكلّت وقلّ تأثيرها، وقد تكون في طريقها إلى الفساد والموت.

يبالغ بعض كرد سوريا في ادعاء المظلومية، وقد نعموا بخمسة عشر عاما في ظل الأسد الذي تحالف معهم تحييدا لهم عن الثورة، وحفظا لحلف الأقليات، بينما حُطّمت المدن السورية، وخسرت أمهات السوريين وآباؤهم نحو مليون قتيل. والعرب أقلّ من غيرهم في البكاء، لأن الإسلام الذي انبعث فيهم وحملوا رسالته ينهى عن النوح والحزن أكثر من ثلاثة أيام، فهم شهداء عند ربهم يُرزقون، والدنيا ليست بدار خلود.

ثمة وجه آخر للنزعة البكائية التفجعية عند الكرد: الوجه الساخر الدعابي، فالكرد قوم ساخرون وأصحاب طرائف، ووجه ثالث هو كثرة الشتائم، مردّه قسوة الحياة، ووجه رابع هو المبالغة في التفاخر والتعاظم؛ فهم ينسبون أنفسهم للحضارة السومرية والحمورابية والبابلية، من غير براهين قانعة وأدلة قاطعة.

لم يثبت أن قوما بنوا دولة أو استجدوها بالبكاء والرثاء؛ قد تستميل حبيبة قلب حبيبها بالدموع، الدموع سلاح المرأة في الحب أما بناء الدولة فشأن آخر.

سنذكر مرة ثانية بيتا للمعري من داليته الشهيرة:

غَيْرُ مُجْدٍ فِي مِلَّتِي وَاعْتِقَادِي    نَوْحُ بَاكٍ وَلَا تَرَنُّمُ شَادِ

لقد قدمت الثورة السورية قصصا مؤثرة مثل حنجرة القاشوش، وجثة أيلان الكردي على الساحل، وقصص الاغتصاب والكيماوي، وملف ضحايا قيصر، فدمعت عيون بعض القضاة في أوروبا لكن النظام السوري الأبدي لم يسقط إلا بعد أن أثختنه الجراح، وانتهى عمره السياسي.

إنّ الأمم تبكي أسلافها، أما الكرد فيبكون وهم يبحثون عن أب مفقود.

x.com/OmarImaromar
التعليقات (0)