اعتاد
السيسي في خطابه عن
اللاجئين أو ملتمسي اللجوء أو النازحين الذين ليس لديهم "وضع
رسميّ" أن يقول عنهم "إنهم ضيوف"، مدعيا رفضه وصفهم باللاجئين. لكن
الممارسة التي تطفح من أجهزة إنفاذ القانون في الشرطة
المصرية والنيابة المصرية،
تقول إن كلمات السيسي مجرد محاولة بائسة لإظهار وجه ودود يتخفى خلف وحشية منقطعة
النظير، وكأننا أمام "إبستين سياسي" يبدي اللطف من ناحية، ووحشي مع
الضعفاء الذين يقعون بين يديه، وبالتالي لا ينال هؤلاء المقهورين حقُ الضيافة، ولا
حق اللجوء!
تثير
هذا الحديث وفاةُ ملتمس اللجوء
السوداني مبارك قمر الدين مجذوب عبد الله، البالغ
من العمر 67 عاما، داخل قسم شرطة الشروق بمحافظة القاهرة، فجر الخميس (5 شباط/فبراير
الجاري)، بعد تسعة أيام من احتجازه، في ظل حملة أمنية موسعة استهدفت اللاجئين
وطالبي اللجوء والمهاجرين في مصر خلال الأشهر الماضية، بحسب بيان لمنصة اللاجئين
في مصر.
نموذج السوريين أضاف لمصر مليارات الدولارات في الاقتصاد، ووفَّر فرص عمل لمصريين كثيرين في كل مكان صنعوا فيه نشاطا تجاريّا، فضلا عن الإقبال على منتجاتهم بكثرة، فموجة النزوح أضافت بُعدا تنمويّا بإنشاء مؤسسات اقتصادية ناجحة
ذكرت
المنصة أن "المغفور له مبارك قمر الدين كان من مواليد الخرطوم في كانون
الثاني/يناير 1959، ويحمل بطاقة ملتمس لجوء صادرة عن المفوضية السامية لشؤون
اللاجئين بمصر في تشرين الأول/أكتوبر 2025 وصالحة حتى نيسان/أبريل 2027، الأمر
الذي يقرّر له صفة قانونية واضحة وهي ملتمس لجوء، خاضع لحماية دولية، ويحظر تعريضه
للتوقيف أو الاحتجاز التعسفي لمجرّد وضعه كمهاجر أو لاجئ، وفقا لقواعد قانون لجوء
الأجانب 164 لسنة 2024، ولمبدأ عدم الإعادة القسرية وحظر التمييز". واللافت
في بيان المنصة أن هذه الحالة تعد الثانية لسوداني أُوقف في آب/أغسطس 2025 وهو
مجاهد عادل، الذي توفي نتيجة الإهمال الطبي أيضا وبمرض السكري مثل قمر الدين.
هذا
التعامل القاسي مع النازحين من بلادهم، أو الراغبين في اللجوء في مصر، أو اعتبارها
محطة مؤقتة لحين الانتقال إلى دولة أخرى، ليس معزولا عن سياقات متشابكة؛ منها أن
هذه طبيعة النظام السياسي في التعامل مع الفئات التي تعاني من هشاشة وضعها
القانوني أو السياسي، فالنظام الذي يسجن المعارضين ويقتلهم في أماكن القبض عليهم
أو في السجون تحت وطأة التعذيب أو بالإهمال الطبي المتعمَّد، لن يضيره أن يفعل ذلك
مع أجنبي. وأذكر في ذلك السياق أن المؤرخ الفلسطيني عبد القادر ياسين، قال وهو
يفسِّر عنف النظام المصري مع اللاجئين الفلسطينيين عقب النكبة: "كانت حكومتا
النقراشي وإبراهيم عبد الهادي من بعده سيئتيْن في التعامل مع القضية الوطنية
المصرية، فكان طبيعيَّا أن يكون موقفهما من الفلسطينيين سيئا". وهذه قاعدة
جيدة في فهم سلوك الأنظمة المستبدة مع دول تراها ضعيفة سياسيّا.
كذلك
تتزامن حملة القمع الشديدة مع شراكات أوروبية مع مصر ودول الشمال الأفريقي
بمليارات اليورُوَات بغرض قمع الانتقال من دول جنوب المتوسط إلى شماله، حتى وإن
كان قمع عملية الانتقال مرتبط بمليشيات ترتكب جرائم في ليبيا، أو جيوش وطنية تنتهك
قواعد الكرامة وحقوق الإنسان في التعامل مع المهاجرين غير النظاميين.
ولا
يمكن إغفال قانون اللجوء المصري الصادر نهاية عام 2024، ودوره في هذا السياق، إذ
صدر القانون في ظل تهليل إعلامي ورسمي عن فوائده لمجتمعات اللجوء، والحق أن مشروع
القانون منذ أُعلن عنه في حزيران/يونيو 2023، لم يحمل إلا زيادة الأعباء المالية
والقيود الأمنية والإدارية على اللاجئين داخل مصر، والمحاولين الوصول إليها، بل إن
المهاجرين الذين يحملون إقامات رسمية والمسجَّلين لدى مفوضية شؤون اللاجئين للأمم
المتحدة عانوا من القيود الإدارية، وكثير منهم لم يستطع تجديد إقامته فترك مصر أو
اضطر إلى البقاء في وضع غير قانوني أجبرته عليه القيود الإدارية المصرية، دون رغبة
منه في هذا الوضع المفروض عليه، وبالتالي بات مهدَّدا بالاعتقال والترحيل في أي
لحظة.
الخطير
في الحالة المصرية التي باتت شرسة في تعاطيها مع اللاجئين؛ أنها لا تستثني الذين
يحملون أوراقا من مفوضية اللاجئين، ووثقت منصة اللاجئين في مصر حالات ترحيل للاجئين
يحملون أوراق تسجيلهم لدى المفوضية أو أوراق تحديد الموعد، وهذا وضع حماية دولية لحامل
الأوراق، لكن السلطات المصرية تأخذ الأوراق القانونية للمقبوض عليهم، ولا ترفقها
أمام النيابة العامة، وبالتالي يصبح الشخص "مخالفا" لشروط التواجد على
الأراضي المصرية، الوضع الذي يجعل الترحيل مصيرا حتميّا، كما تجبر السلطات بعض
الأشخاص على التوقيع على أوراق تفيد برغبتهم في "العودة الطوعية" إلى
بلادهم، ويجري ذلك في حالات تحت التهديد النفسي أو التعذيب الجسدي، وفق ما وثقته
منظمات حقوقية تعمل في ملف اللجوء والهجرة.
فإذا
كان الجميع في حالة تهديد دائم، سواء كان مواطنا مصريّا، أو حامل جنسية دولة تعاني
داخليّا إما بسبب الأوضاع الاقتصادية أو النزاعات الداخلية المسلحة، فكيف يمكن
لهذا المجتمع أن يحقق تقدما في أي مجال؟
من
المهم التذكير بأن مصر لا تُنفق على المقيمين داخل أراضيها، بل إن مفوضية اللاجئين
تتكفل بالمسجلين لديها بمبالغ هزيلة بالمناسبة، ولا تقدِّم الحكومة المصرية إعانات
للاجئين سواء كانوا مسجلين أم غير مسجلين، بل إنها تطالبهم برسوم باهظة في كل
معاملة، ولا تسمح بعلاجهم في المستشفيات العامة أو دراستهم في المدارس دون
اشتراطات لا تتوفر للغالبية الكاسحة منهم، فضلا عن الرسوم الباهظة التي تُفرض
عليهم مقارنة بالمصري، دون تفرقة لظرف الخروج من البلد نتيجة الحرب أو بسبب
السياحة.
كذلك،
لا تسمح النُّظم المصرية لهم بالتقاضي إذا غابت الوثائق الرسمية للمتقاضي،
وبالتالي تغيب العديد من قضايا الاغتصاب والسرقة والتحرش الخاصة بالأجانب عن
المؤسسة العدلية المصرية، دون اعتبار لحق التقاضي لكل إنسان تعرَّض لمظلمة، فضلا
عن أن النظام القانوني المصري لا يسمح لمن دخل إلى مصر بتسجيل نفسه ملتمس لجوء
لحين البتِّ في طلبه. ومرة أخرى لم تخرج الأغلبية الكاسحة من السودانيين والسوريين
واليمنيين من بلادهم إلا نتيجة صراعات مسلحة في بلادهم، وهم الجنسيات الأكثر تواجدا
في مصر وأغلبهم غير مسجلين لدى المفوضية، وبالتالي لا يتمتعون بوضع
"رسمي" أمام السلطات المصرية. وذِكْرُ هذه الجنسيات الثلاث على السبيل
المثال لا الحصر.
إن
اللاجئ أو النازح من منطقة النزاع ليس شخصا مستحقّا للتعامل بدونِيَّة، فمن بينهم
صفوة العلماء والأطباء والمهنيين في بلادهم، ولو كان النظام يحمل بعض العقل لسعى
إلى الاستفادة من الثروات البشرية المقبلة عليه، خاصة أنه -مرة أخرى- لا يُنفق شيئا
عليهم، بل إن نموذج السوريين أضاف لمصر مليارات الدولارات في الاقتصاد، ووفَّر فرص
عمل لمصريين كثيرين في كل مكان صنعوا فيه نشاطا تجاريّا، فضلا عن الإقبال على
منتجاتهم بكثرة، فموجة النزوح أضافت بُعدا تنمويّا بإنشاء مؤسسات اقتصادية ناجحة،
وأضافت بعدا اقتصاديّا استهلاكيّا للمنتجات التي تصنعها هذه المؤسسات، وتنتفع
الدولة من الاستهلاك في جميع مراحل عمليات الإنتاج والبيع عبر الضرائب، فأين
الخسارة التي ارتبطت بمجتمعات اللاجئين، الذين لا يُحمِّلون الدولة شيئا؟!
أن المصريين يمثلون كتلة فائقة الحجم في مجتمعات الهجرة في دول الخليج وأوروبا، ولا بد من عكس الأسئلة هنا للنظام السياسي ولعموم أهلنا الطبيبين في مصر، فماذا سيكون الحال إذا كان انتهاك كرامة المصري سمة أساسية في أي دولة؟ وهل من المقبول أن تُنتهك كرامة المصري
في
السياق ذاته، بدأت تتصاعد حملات إعلامية مرتبطة بالنظام السياسي ضد اللاجئين
ومجتمعاتهم، وبغض النظر عن أنها تحفل بالأكاذيب، وبالعديد من الجرائم التي يعاقِب
عليها الشرع والقانون، مثل الازدراء والتحقير والتهم المشينة والمخلة بالشرف، فإن
هذه الحملات ربما بدأت تلامس موقعا لدى المصريين البسطاء، وأبرز دعوى هي أن غير اللاجئين
أخذوا وظائف المصريين بمَقْدِمِهم، وهذا إغفال لحقيقة أنهم أضافوا لفرص العمل ولم
يأخذوا منها، وأنهم يشترون من المصريين في جميع عمليات الإنتاج وبالتالي تزدهر
تجارة أبناء الوطن وتزيد فرص العمل لا العكس.
وتجدر
الإشارة كذلك إلى أن المصريين يمثلون كتلة فائقة الحجم في مجتمعات الهجرة في دول
الخليج وأوروبا، ولا بد من عكس الأسئلة هنا للنظام السياسي ولعموم أهلنا الطبيبين
في مصر، فماذا سيكون الحال إذا كان انتهاك كرامة المصري سمة أساسية في أي دولة؟
وهل من المقبول أن تُنتهك كرامة المصري في عملية الاعتقال والاحتجاز حتى وإن كان
مخالفا؟ هل من المقبول أن يُهمل علاج المصري في الاحتجاز حتى يموت؟ هل من المقبول
تهديد السعودية لمصر بإعادة نحو 3 ملايين مصري إلى بلدهم فجأة أو في فترة قصيرة،
ما سينتج عنه اضطراب اقتصادي كبير في مصر نتيجة وجود ملايين العاطلين عن العمل
فجأة؟
إذا
كانت الإجابة هي "لا" فالأوْلى أن يقف المصريون في وجه الدعاوى الحكومية
الكاذبة تجاه اللاجئين، وفي وجه المعاملة غير الإنسانية للمخالفين لشروط الإقامة،
والطلب من الحكومة أن تسهِّل إجراءات اللجوء، والعمل على دمج اللاجئين والاستفادة
من خبراتهم العملية والثقافية والمهنية.
إن
مصر التي تحتضن الأزهر بين رحابها، هي الأجدر بأن تفهم معنى التنوّع الثقافي
والإنساني، إذ أوجب الأزهر على بلده أن يكون قِبلة لكل راغب في التزود من العلوم، ومصر
تحتضن آثار الحضارة المصرية القديمة التي توجب على بلدها أن تكون مقصِدا للراغبين
في التعرف على حضارة شديدة التقدم في زمن سحيق، ومصر التي قصدها معظم المثقفين العرب
في إحدى مراحل حياتهم؛ ينبغي أن تكون أكثر فهما ووعيا بالدور الثقافي للجنسيات
المختلفة، لكن للأسف يحكم مصر اليوم شخص لا يعرف شيئا عن مقومات الدول وكيفية
نهوضها وارتقائها، بل لا يتوارى عن الأنظار وهو يقول "أنا مش لاقي آكل، مش
عارف أعَلِّم، مش عارف أعالج، مش عارف أشغَّل، مش عارف أسكِّن"، وبينما يجهل
كل ذلك، فإنه يجهل أيضا كيف يحوِّل دخول غير المصري إلى نقطة قوة للاقتصاد
والصناعة والثقافة.