دارت
عجلة الأيام بسرعة على وقْع تتابع الأحداث وتلاحقها منذ أن صدحت حناجر بضع مئات
بالهتاف من منطقة ناهيا الشعبية في محافظة الجيزة
المصرية يوم 25 كانون الثاني/ يناير
2011، وانخرط الآلاف في مشهد غير مألوف على الشارع المصري، والأمن المصري كذلك، فكسر
المتظاهرون جميع الحواجز الأمنية، حتى سيطروا على ميدان التحرير، ومع حلول الليل
ووصول تعزيزات شرطية كبيرة انفض الجَمْع، لكنهم استجمعوا إرادتهم على العَوْد،
فكان ما كان على مدى 18 يوما، كانت كفيلة بالإطاحة بأحد أهم الأنظمة القمعية في
المنطقة.
انقسم
الثائرون على مبارك، ما سمح للسيسي بالقفز على السلطة بسلاسة ويُسر، ومن يوم وصوله
المشؤوم إلى السلطة ولم ترَ مصر خيرا في أي ملف من ملفات الحكم والاجتماع، ليستحق
وصف أسوأ حاكم في تاريخ مصر الحديث، ولا ريب في أنه من ضمن قائمة أسوأ حكام مصر في
تاريخها بأكمله.
في
الذكرى الخامسة عشر لثورة يناير وقف
السيسي -كعادته- يهاجم الحراك الجماهيري،
ويزيِّف الوقائع والأحداث، بل ويقوم بدور الموجِّه الإعلامي، إذ لم يجد في محيطه
"جوزيف غوبلز" يثق فيه، فقرر الاعتماد على نفسه في الدعاية والكذب الدائم،
وما دمنا أمام معركة وعي مع هذا النظام، فمن المهم التنبيه إلى نتيجة حكم السيسي الممتد
منذ 2013.
خسرت مصر خسارة كبيرة منذ وصول السيسي إلى الحكم، وبات القرار المصري مرهونا بالمال، ومن يدفع أكثر سيحصل على ما يريد، كأننا أمام غانِيَة؛ لا دولة لها ثقلها السياسي والاستراتيجي على مدار التاريخ، وتطورت الخسارة إلى بيع أراضٍ أو التنازل عنها
وفقا
لتقرير أصدرته منظمة "هيومن رايتس ووتش"، بعد عام من المذبحة، فقد ارتقى
في ميدان رابعة وحده 817 متظاهرا. كما راجعت المنظمة أدلة على حدوث 246 وفاة
إضافية، وثّقها ناجون ومنظمات من المجتمع المدني، أي أكثر من ألف وفاة، بينما جاء في
تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان، المستَنِد إلى بيانات وزارة الصحة المصرية، أنه
قُتل بالرصاص الحي 624 مدنيّا، و8 ضباط شرطة، في ميدان رابعة.
هذا
القتل الهائل يُتصوَّر أن مقابله قوة نارية هائلة صدرت من المعتصمين في الميدان،
لكن البيان الرسمي الذي ألقاه وزير الداخلية -وقتها- محمد إبراهيم، مساء يوم الفض،
قال فيه: "في ميدان رابعة العدوية تحصن عدد من المعتصمين من العناصر
الإرهابية ببعض المباني المرتفعة، وأطلقوا النيران بكثافة عالية من أسلحة ثقيلة
وآلية وخرطوش على القوات التي كانت حريصة على عدم إزهاق أرواح المعتصمين. (..)
وتمكنوا من اقتحام المباني التي يتحصن بها العناصر، حيث تم ضبطهم وما بحوزتهم من
أسلحة، وإحكام السيطرة على الميدان وتأمين خروج المعتصمين منه، وضبط سيارتيْ البث
الإذاعي والعديد من الأسلحة والمضبوطات عبارة عن عدد 9 سلاح آلي، وطبنجة، وعدد 5
فرد محلي، وكميات كبيرة من الطلقات، وكميات من الصداري الواقية والأسلحة البيضاء
وأدوات الشغب. وجار تمشيط المنطقة والمباني المحيطة بها".
وفقا
لبيان وزير الداخلية كان عدد الأسلحة (15 سلاحا)، فما الذي يبرر قتل المئات مقابل
عدد من يحملون السلاح (هذا إن كانت رواية محمد إبراهيم صحيحة)، خاصة أنه ذكَرَ
وجود أسلحة ثقيلة، ولا يمكن تصور خروجها من الاعتصام والميدان محاصر من جميع
الجهات، ولم يعلن إبراهيم ضبط أي قطعة أسلحة ثقيلة؟
اجتماعيّا
زادت معدلات الطلاق بنسبة 35 في المئة في الفترة من 2014-2024، فكانت نحو 180 ألف
حالة، وصارت 274 ألف حالة في عقد واحد، وفقا لأحدث بيانات رسمية صادرة عن الجهاز
المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الخاصة بعام 2024، وكشفت البيانات كذلك، أن عدد
حالات الزواج عام 2024 بلغت 953.1 ألف حالة، وبلغت حالات الطلاق في العام نفسه 273,892
أي بنسبة 30 في المئة تقريبا من إجمالي حالات الزواج التي تمت في هذا العام. واحتلت
مصر المرتبة الخامسة عشر عالميّا في معدلات الطلاق المرتفعة لعام 2024 وفق بيانات
الهيئة العالمية للأسرة والمجتمع (World Family and
Society Organization).
وكانت
الفئات العمرية الصغيرة الأكثر تأثرا بالانفصال، إذ سجلت الفئة العمرية 20-30 عاما
للإناث الفئة الأكثر عرضة للافتراق، بينما كانت بالنسبة للذكور من فئة 25-35 عاما،
وهذه الفئات عاشت مراهقتها أو شبابها في عهد السيسي وما أنتجه من تفتت اجتماعي
وضغوط اقتصادية كاسحة أوصلت المصريين إلى عدم القدرة على تحمل أعباء الحياة، أو
استسهال قرار الانفصال وهدم الأسرة، ويدعم ذلك انخفاض معدل الزواج مقارنة بالطلاق،
إذ شهدت مصر انخفاضا في عقود الزواج بنسبة 2.5 في المئة خلال عام 2024 مقارنة بعام
2023، في حين ارتفعت حالات الطلاق 3.1 في المئة.
اقتصاديّا،
ارتفع الدين الخارجي من نحو 45 مليار دولار إلى 163.713 مليار دولار بنهاية أيلول/
سبتمبر 2025، بل إن خدمة الدين وحدها (أقساط الديون إضافة إلى فوائدها) التي
دفعتها مصر طوال السنوات المالية من 2013-2014 إلى 2022-2023 بلغت 132.7 مليار
دولار. وارتفع التضخم في تموز/ يوليو 2013 من 8.5 في المئة إلى أكثر من 40 في
المئة في تموز/ يوليو2023.
ووفقا
لبيانات بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء
لعام 2012-2013 ارتفعت نسبة الفقراء إلى 26.3 في المئة، ثم إلى 27.8 في المئة في
البحث التالي الصادر عام 2015، قبل أن ترتفع إلى أعلى معدلاتها في عام 2017-2018
إلى 32.5 في المئة، وانخفضت إلى 29.7 في المئة في البحث الأخير الصادر عام 2019-2020.
ويصدر
بحث الدخل والإنفاق كل عامين، إلا أنه لم يصدر منذ البحث الأخير، بسبب رفض الأجهزة
الأمنية لما يتضمنه من ارتفاع في نسب الفقراء، وفقا لما قاله مصدر في الجهاز
المركزي للتعبئة والإحصاء في تقرير لـ"صحيح مصر". ومن المهم الإشارة إلى
أن معدل الفقر الذي تحسبه السلطات لا يتوافق مع المعايير العالمية، إذ يقدِّره
النظام المصري في آخر بحوثه الصادرة بـ10آلاف و279 جنيها في السنة، أو 857 جنيها
في الشهر، وهو ما يوازي 1.7 دولار يوميّا (كان الدولار يساوي نحو 16 جنيها نهاية
عام 2019 واليوم يتجاوز 47 جنيها)، أما البنك الدولي فقد كان يقدره بـ2.15 دولار
يوميّا، وهذه الفروق تزيد من النِّسَب بشكل كبير.
سياسيّا،
خسرت مصر خسارة كبيرة منذ وصول السيسي إلى الحكم، وبات القرار المصري مرهونا
بالمال، ومن يدفع أكثر سيحصل على ما يريد، كأننا أمام غانِيَة؛ لا دولة لها ثقلها
السياسي والاستراتيجي على مدار التاريخ، وتطورت الخسارة إلى بيع أراضٍ أو التنازل
عنها، كما فعل السيسي في جزيرتيْ تيران وصنافير، وبيع المناطق الساحلية للدول
الخليجية الثرية،
الإخفاق الكامل لحكم السيسي في كل المجالات يجعله دائم الخوف من فكرة الاحتجاج الشعبي، أو التجمهر المنظَّم، وإذا كان مهووسا بتصورات حب الناس غير المتناهي له، فإنه يدرك على الأقل أن الجميع داخل أجهزة الحكم سيتخلى عنه إذا حدث حراك يمس مصالحهم بقوة
وبيع الموانئ والأصول الصناعية والتجارية المصرية في طول البلاد
وعرضها لمن يدفع، وخرجت مصر من مركز الثقل العربي، وبات دخولها محصورا في الأحوال
الضرورية التي لا يمكن الاستغناء عنها فيها، كما في القضية الفلسطينية باعتبار مصر
دولة حدودية لا باعتبارها ذات وزن سياسي.
كذلك،
أسهم الانقلاب في تقسيم المنطقة إلى محورين؛ محور عربي-أمريكي-صهيوني، وللأسف جعل
السيسي مصر في هذا المحور، وآخر إيراني-مقاوم، وتعد قطر وتركيا دولتين خارج
المحوريْن بشكل عام، وإن كانا أقرب إلى محور المقاومة دون إيران، وهذا الوضع
العربي الجديد صنع صراعات نفوذ أدت إلى تقسيم جغرافي في ليبيا واليمن والسودان،
ويحاول المحور الذي يصطف فيه السيسي أن يصوِّر مطالب الشعوب بالديمقراطية بأنها
سبب التقسيم، بينما كان يُفترض بمؤسسات القمع والعسكرة أن تحافظ على الحدود
والجغرافيا، لكنها هي التي لم تلتزم بوظيفتها عقابا لمطالب الشعوب بتنحيهم عن
مصادر أقواتهم، والكفِّ عن ملء كروشهم بأموال المعدومين والمسحوقين تحت وطأة
الظروف الاقتصادية.
تطول
المؤشرات التي يمكن سردها للتدليل على سوء هذا الحكم، وما جناه نظام السيسي على
المصريين بعدما كانوا على عتبة تغيير ديمقراطي، سيؤدي غالبا إلى تحسن المؤشرات
الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي السياسية، إذ إن وضع الدولة الخارجي مرآة لوضعها
الداخلي، وما دام الشعب لا يتمتع بحقوقه ويتعرض لنهب ثرواته وقمع إرادته، فلا مجال
لتقدم الدولة على المستوى الخارجي إلا في حالات نادرة مثل الصين.
هذا
الإخفاق الكامل لحكم السيسي في كل المجالات يجعله دائم الخوف من فكرة الاحتجاج
الشعبي، أو التجمهر المنظَّم، وإذا كان مهووسا بتصورات حب الناس غير المتناهي له، فإنه
يدرك على الأقل أن الجميع داخل أجهزة الحكم سيتخلى عنه إذا حدث حراك يمس مصالحهم
بقوة، وهو ما سيحدث ولو بعد حين.