إن الحديث عن استشراف المستقبل إنما يمثل دعوة حقيقية لتبني فكرة المستقبل فيما يتعلق بثورات الربيع
العربي، هذا التبني
لا بد أن يترجم إلى كيانات مؤسسية وقضايا بحثية ستعين بالضرورة على التفكير بالمستقبل
واستشرافه بما يليق به؛ فالاستشراف عملية شاقة، تحفها مخاطر محاكمة الواقع الذي يتحكم بنا ويضغط علينا
ويفرض اعتباراته آنيا ويُقسرنا على إملاءاته أحيانا، إلا أن هذه الضغوط يجب ألا تمنعنا
من دراسة مشكلاته بغية تقويمها. ومن ثم فإن الرصد والوصف ورفع الواقع كما هو عملية
ليست باليسيرة؛ إلا أنها مطلوبة ولازمة وضرورية. فهم الواقع ودراسة قضاياه والوعي بموجبات
تغييره وطرائق تقويمه عمليات بعضها من بعض، إنها مهمة أساسية تهدف لإعادة صياغة معادلات
الوعي والسعي وفقا لمتطلبات الحاضر وضرورات المستقبل.
إنه وعي بمسارات التاريخ والتعرف على تراكمات الواقع والحاضر؛ والنظر البصير
إلى حركة الزمن لبناء وصناعة المستقبل، وفي إطار فهم دقيق وعميق للثابت والمتغير والتعامل
معهما وفهم موجبات العلاقة بينهما. لكن يبقى الاستشراف فعلا إيجابيّا يحرك دواعي النقد
والمراجعة ورصدا متواصلا للواقع، ربما يتحول إلى نقطة انطلاق باتجاه عملية التجديد
الحقيقية والإصلاح الجذري الواجب، وموجبات التغيير وسننه المضطردة لإصلاح مساحات وساحات
مفاصل الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وتحقيق ترجمة واقعية وميدانية لقيم
تأسيسية ومقاصد مرعية تتمثل في منظومة قيمية دافعة وفاعلة تتمثل في الوحدة والحرية
والمساواة والعدل والمواطنة الجمعية بالانتماء للأمة؛ هادفة لتحقيق الكرامة الإنسانية،
والحرية الأساسية، والعيش الكريم (العدالة الاجتماعية)، وكذلك العدالة في معناها الواسع
وعلى رأسها قيم العدالة الإنسانية.
يبقى الاستشراف فعلا إيجابيّا يحرك دواعي النقد والمراجعة ورصدا متواصلا للواقع، ربما يتحول إلى نقطة انطلاق باتجاه عملية التجديد الحقيقية والإصلاح الجذري الواجب، وموجبات التغيير وسننه المضطردة
سؤالُ المستقبل كما ترى الدكتورة القديرة الأستاذة نادية مصطفى؛ هو سؤال مآلات
الواقع، ينطلق من الواقع المشهود، متوجها بين مأمولٍ ومحذور. إنه سؤال الترقُّب والتشوُّف
واستشراف الغد. وسؤال مستقبل الثورات العربية في ضوء الصعود الإسلامي في إطار ما تمر
به الثورات من تحديات وأحوال؛ أكبر بكثير مما يطرح المهتمون اليوم من أسئلة آنية ومتابعات
لحظية ـ إن احتياج مثل هذا السؤال إلى الرويّة الفكرية والنظر المنهجي المتمهل مما
يحتاج إلى مزيد بيان، والتعرف على خريطة التحديات وطبيعة المعارك التي يجب خوضها في
مضمار التغيير القادم:
1- معركة الذاكرة: نحن في
الحقيقة في قلب معركة الذاكرة نشهد عمليات خطيرة تنال من تلك الذاكرة ضمن أخطر عملية
تغرير وتزوير، ذلك أن هؤلاء الذين يقومون على الصحف القومية على سبيل المثال قد مسحوا
ومحوا كل ما يتعلق بروايات
الثورة أو أخبارها أو حتى مقالات الرأي فيها عن عمد وسبق
إصرار وترصّد، وكأنهم أرادوا أن يسقطوا تلك الأيام المهمة في تاريخ الثورة المصرية
لاستعادة كرامة المواطن ومكانة الوطن من مسار الأحداث ومن مسيرة التاريخ، وخرج البعض
علينا من مشارب شتى يحاول أن يدبّج رواية للثورة على هواه يحاول أن يرسم صورة لدوره
وكأنه هو من قاد ثورة أو هو مفجرها، هكذا بدت الأمور في عملية محو كبرى لذاكرة الثورة
وعملية طمس أكبر لوقائعها وعملية تزوير أخطر لكل ما يتعلق بقيمها وآمالها وأشواقها.
2- معركة المعنى: لا يمكن توضيح المقصود
بمعركة المعنى بالصورة المأمولة إلا بالتفكير فيما قاله وليد سيف في واحدةٍ من أهم
مقالاته: "ليس أفظع من اغتصاب الأرض إلا محاولات اغتصاب التاريخ والرواية.. ولا
أشدّ من التهجير القسري من الوطن، إلا محاولات تهجير الوطن من الذاكرة.. وليس أخطر
من الصراع على الأرض إلا الصراع على المعاني". معركة الذاكرة تقوم على مهمةٍ نضاليةٍ،
تهدف إلى توثيق الحقيقة لمواجهة محاولات الطمس والتزييف والتزوير، بينما معركة المعنى
مهمة نضالية أخرى، تتمثل في حماية قيم الثورة، وانطلاق ثورة القيم في عملية التغيير.
3- معركة المغزى: إن الوعي
بالتاريخ والتأريخ وعملية التوثيق والأرشفة وأهميتها في ذلك الحدث إنما تعبّر عن طاقة
وعي مهمة وعن إطلاع حقيقي بمهمة آن وقتها وحان زمانها، تفتح أعين الوعي على أيام الثورة
ووقائعها، ترصدها تقترب من معينها، تُبرِزُ شخوصها وتجمع شهادات ثورة من أفواه أبنائها
وتجعل الحدث يجري أمام أعين الناس كأنه يكابده ويعايشه ويشهده ويشاهده. يفعل كل ذلك
وهو يعي أن التوثيق هو لب الثورة وعقلها الواعي الذي يتعرف على أيامها ويثقل ذاكرتها،
فبناء حالة من الوعي الكامل بما آلت إليه الثورة من تمكّن الثورة المضادة، والتي يمكن
أن تنتج أسوأ سردية وأقبح رواية عن ثورة يناير، بل إن بعضا ممن شاركوا في هذه الثورة
صار بشكل أو بآخر يتملص منها حينما صارت هذه الثورة المُخلِصةَ والمُخلِّصة عبئا على
تلونات البعض ونفاقهم لسلطة الاستبداد في عهد الانقلاب والحروب الداخلية.. هو معركة في
حد ذاتها لا تقل عن معارك الثورة الأخرى.
فالثورات العربية قصة من التحديات المفروضة ومن الاستجابات
المقابلة بين الداخل والخارج، هي قصة تفاعلية ضخمة. ويقع في قلب جدلية هذه التحديات
والاستجابات، ما يتصل بالمشروع الإسلامي، أو بالإطار المرجعي للحركات الإسلامية ومواقفها
في ظل الثورة، تُجاه قضايا التغيير؛ سواء: الداخلي أو الخارجي، وقدرة هذه الحركات على
مواجهة سلاسل التحديات والمعارك التي يجب الاستعداد لها وخوضها بلا تهيّب مُقعِد أو
تهوّر مُفسد؛ تلك التحديات التي تتوالى عليها ومن الواجب مواجهتها ومدافعتها.
كذلك فمن المؤكد أن النظر إلى المستقبل المتعلق بالثورات
والفواعل فيها يجب ألا يُنظر إليه من منظور ما آلت إليه الثورات من حالة حصار توارى
فيها الفعل الثوري، أو من تضييق الخناق على أي عمليات التغيير في ظل مناخ إقليمي ودولي
خانق؛ تقدم فيه النظم الاستبدادية كل الخدمات لهذه القوى الإقليمية والدولية. كشف عن
ذلك بصورة كاشفة بل وفاضحة فعل حضاري مقاوم تمثل في طوفان الأقصى؛ فافتضح الموقف الإقليمي
والدولي بصورة لم يعرفها المشهد السياسي من قبل. كل ذلك مثّل محاصرة لفعل التغيير،
بل ورأينا مشاهد تتواطأ فيها أنظمة ودول وقوى داخلية وخارجية تواصل
استراتيجية التفكيك
للمنطقة ضمن مشاريع مشبوهة؛ في التقسيم وإثارة النعرات الطائفية والحروب الداخلية بالوكالة
والانقلابات؛ عسكرية كانت أو مدنية.
التغيير القادم والمتطلبات الأساسية لتأسيس وتشكيل رؤية استراتيجية للأمة؛ يتعلق بوعي مسألة التطورات الاستراتيجية في مثلث اهتمام غاية في الأهمية، وما يمثله من المشروع الاستراتيجي الذي نحمله، والشارع المتلقي لهذا المشروع، والرؤية الاستراتيجية والشرعية لمثل هذه المشروعات
بات المشهد كله خاصة خلال ولاية
ترامب الثانية بعد أن نصّب
نفسه سيدا للعالم؛ يتمثل بفرض المواقف هنا وهناك خاصة في المناطق الضعيفة والرخوة والمنهكة
والمنتهكة. انظر وتأمل مواقف ترامب في غزة، وسياسته في أوكرانيا التي اتخذها ميدانا
لتأديب وفرض المواقف على أوروبا، وتأمل اختطافه لرئيس فنزويلا وزوجته من مقر إقامتهم..
وذلك في غيبة من المؤسسات الدولية، أو توظيفها أو محاصرتها في ظل عملية ترويع كبرى
بالبلطجة من دون أدنى رادع ضمن صناعة الترويع ودخول الجميع في بيت الطاعة الأمريكي.
كل ذلك يُتصور معه أن باب التغيير قد أُغلق وأن زمنه قد ولى، ولكن نرى أن العكس هو
الصحيح في طرق أبواب التغيير الاستراتيجي القادم؛ الذي لم ولن يستثني أحدا. ضمن هذه
الرؤية يجب أن نرى إمكانات الإحياء والتغيير المفعم بثورات مستأنفة تتسم بالحدة والجدة.
إن التغيير القادم والمتطلبات الأساسية لتأسيس وتشكيل رؤية
استراتيجية للأمة؛ يتعلق بوعي مسألة التطورات الاستراتيجية
في مثلث اهتمام غاية في الأهمية، وما يمثله من المشروع الاستراتيجي الذي نحمله، والشارع
المتلقي لهذا المشروع، والرؤية الاستراتيجية والشرعية لمثل هذه المشروعات، في إطارٍ
من القبول الجمعي العام، ما يؤدي إلى بلوغ الأهداف، وتحقيق المصالح.
ومن المهم
في هذا المقام أن نتعرّف على مجموعة من الخرائط، وجب رسمها لرفع الواقع من ناحية، والتعرف
على مفاصله وإشكالاته من ناحية أخرى. ذلك أن الخرائط التي تتعلق بعالم الإمكانية على
سبيل المثال يجب أن تكون واضحة في الأذهان، فالأمر لا يتعلق بعنترية، لكنه يتعلق بعدة
وعتاد، فإن من أهم الخرائط أيضا خرائط القدرات، وهي تخرج من عالم الإمكانية إلى عالم
القدرة والمكنة والتمكّن لهذا المقام. وهذه الخرائط التي تتعلق بالقدرات إنما هي التي
تستثمر عالم الإمكانية، بما لا مزيد عليه، وتوظيفه في مقامه واستثماره في أوانه. ومن
خرائط القدرات لا بد وأن تُبنى خرائط التحالفات، لتؤصل المعنى الذي يتعلق بزيادة القدرة
وتعظيم المنافع وتبادلها في الوقت نفسه.
فإن تلك
التحالفات من أهم الأدوات لمواجهة الخصوم، ضمن صناعة موازين قوى مواتية، تقوم على قواعد
من التأثير والفاعلية. ومن أهم الخرائط أيضا أن نتعلم كيف نرصد خرائط المخاطر والتحديات
التي تحيط بالأمة في امتدادها الجغرافي، وخرائط الفرص والمنح، وكل ما يتعلق بالمساندة
والدعم، وخرائط الاستجابات التي تحقق أفضل تفاعلٍ ممكن، واختيار أفضل البدائل فيما
يتعلق بتحقيق الأهداف الكبرى والفاعلية العظمى، والانتقال
من التعرّف على الخرائط وإمكانات الفعل والفاعلية فيها يفرض علينا أن نحدّد مجالات
الاهتمام الاستراتيجي ومساحاته. ربما هذا
سيكون في التعلم من مشاتل التغيير أن نتحدث عن ضرورة أن يكون هناك عقلا استراتيجيا
للأمة.
x.com/Saif_abdelfatah