التغيير المستعاد لا بد أن يستند إلى الدرس المستفاد من
الخبرات الثورية وحقائق التغيير ومتطلباته والإحياء الثوري ومستلزماته؛ ضمن
قابليات بيئة مواتية للمضادين للثورة. كان من أهم التساؤلات: إذا كان ذلك هو الحال
فما هي الإمكانات الحقيقية الواجب استثمارها في استعادة تلك الثورات باعتبار ذلك
هدفا ثوريا استراتيجيا؟ إن هذه الأسئلة والإجابة عليها تمثل ضرورة في هذه اللحظة
الثورية التي يجب تحويلها ليس فقط إلى حالة ثورية، بل إلى "ملحمة" ممتدة
ذات نفَس طويل، تعرف حقيقة هذه الحالة الثورية ومتطلباتها الأكيدة، استثمارا لحالة
الزخم الثوري من ناحية، وقرب العهد بنا من الثورات العربية باعتبارها فرصة تاريخية
هي وثورات عربية مستأنفة أعلنت فيها الشعوب عن وجودها وتأثيرها، وصارت رقما لا
يستهان به في معادلة التغيير، من ناحية أخرى.
يجب أن تفرض
قوى التغيير وتستثمر بما يحقق أهداف
الثورة؛ حماية،
ومكتسبات، وأهدافا. إن هذا يعني ضمن ما يعني أن الثورة في حقيقتها، لا تنتهي في
أيام سقوط رأس النظام الذي قامت عليه الثورة، ولا يمكن أن يحتويها مكان،
ولا هي جولة استطاعت الثورة المضادة بأدواتها في الدولة العميقة ممارسة بعض
قدراتها، في حشد اصطنعته أجهزة أمنية شكلت رأس هذه الثورة المضادة وتحالفاتها
الوثيقة التي جعلت من هذه الثورة هدفا للتطويق والحصار والإجهاض، فقامت بكل عمل
لتحقيق أهدافها تلك، وبررت بذلك انقلابات سافرة فاجرة متكاملة الأركان جعلتها
تتويجا لعملها، وكأنها تخوض معركتها الأخيرة في هذا المقام. وأخرى استدرجت لما
يشبه الحروب الأهلية وعسكرة الثورات، وصار المستبد يشن فيها حروب إبادة حقيقية.
ولكن هذا النصر الذي حققته قوى المضادين للثورة من دون
فطنة الثورة والثوار إلى العمل المكافئ للحالة الثورية حفاظا عليها وحماية لها، لا
يعد إلا خسارة من هذه الثورة لجولة تستنفر قوى الثورة الحقيقية لعمل موجة ثورية أكيدة، تستكمل فيها
ملحمتها الثورية بكل طاقاتها بلوغا لأهدافها ومقصدها في العدل والمواطنة
والكرامة الإنسانية.
النصر الذي حققته قوى المضادين للثورة من دون فطنة الثورة والثوار إلى العمل المكافئ للحالة الثورية حفاظا عليها وحماية لها، لا يعد إلا خسارة من هذه الثورة لجولة تستنفر قوى الثورة الحقيقية لعمل موجة ثورية أكيدة، تستكمل فيها ملحمتها الثورية
1- ما يزيد على عقد على الثورات العربية.. الفرص
والأزمات والفجوات: شهد هذا العقد
العديد من التحديات المرتبطة بالثورة وما قبلها وما بعدها، وبرز الدور الذي يمكن للإجماع الوطني أن يقوم به في إطار مطلب التغيير، من خلال
توحد مختلف الفصائل والقوى السياسية والشرائح الاجتماعية بما لديها من أهداف ومطالب،
وذلك في إطار من الحريات يجب أن تشير
إلى الوعي بمقتضيات قوانين الضرورة في إطار نظرة متوازنة وازنة للتغيير الحقيقي.
ليس كل شيء في الثورات يتم نيله دفعة واحدة، وليس من المنطقي أن نستدعي كل أزماتنا
لحلها بمناسبة الحالة الثورية، والتي هي في حقيقتها تراكمات قرون خلت لا يمكن حلها
بين عشية وضحاها، مع تعجيز التغيير وعجز أدواته، والتعلق بقضايا يمكن أن تشكل
إجهاضا وإجهادا للحالة الثورية ضمن استدعاءات أيديولوجية وتسييسية؛ مثل قضية
الهوية، تطبيق الشريعة، وحقوق المرأة.
2- الثورة والملف المضغوط.. البرامج الأساسية في التعامل
مع ملف الثورة المضغوط: الثورة ليست
18 يوما أو أياما معدودات؛ لماذا نجح الثوار في ثمانية عشر يوما (ثورة الميادين)
وفشلت في ثمانية عشر شهرا؟ الملف المضغوط المكثف له شروط وبرامج لفكه والاستفادة
من معلوماته، إن الحدث الثوري كحدث مفاجئ تلقائي ومكثف (الملف المضغوط) يحتاج برامج
لفتحه؛ كيف يمكن أن تفك روح الثورة في التغيير من حالة ثورية مؤقتة إلى حالة
مجتمعية مؤسسة ومؤسسة، مع ما تتضمن من شروط تؤكد على عملية التغيير وتعقدها،
وقيادة الميادين بحيث تشكل طاقة فعلية عند كل الناس؟
الثورة ضمن الشعارات التي تطلقها لا زالت تطالب بإسقاط
النظام، فكيف تتحول الثورة إلى حالة مجتمعية؟ أي كيفية فهم السياسة وإعادة تعريف
السياسي ضمن الحالة السياسية المصاحبة للثورة، وكيفية التعامل مع خصوم الثورة، والضرورات
الثورية، وطغيان السياسي والقانوني على شروطها ومتطلباتها، والشرعية الثورية
والشرعية القانونية (القانون من يصنعه ولماذا وكيف).. كيف يخطئ هؤلاء حينما
يتصورون السياسة ضمن أشكال تقليدية من انتخابات ودستور وغير ذلك من أمور؟ السياسيون
قد يغفلون أن للناس احتياجات ومعايش وضرورات، لكن الحالة الثورية لا يمكن أن تستمر
ما لم تكن هناك حاضنة شعبية تقوم على وعد الثورة وصناعة الأمل والقدرة على
التغيير، وأن تعطي لذلك أشكالا ورؤى واستراتيجيات وسياسات تؤسس لمعاش الناس.
3- تطوير استراتيجية للخطاب السياسي والثوري: الثورة لم يكن لها خطاب
استراتيجي، وظلت الخطابات
تتنازع في الخفاء أو في العلن مما أحدث خطابا مصاحبا أغفل الثورة، ففرق أكثر مما
جمع. إن افتقاد استراتيجية الخطاب أدى إلى الأمور التي تتعلق بعمليات الخطاب
والاتصال التي لم تكن مكافئة للحالة الثورية، وتحركت عملية التغيير ضمن مسارات
مختلفة بعضها ضل الطريق، وكثير منها زُيّف أو زُوّر. هناك حاجة لبناء استراتيجية
للخطاب تقوم على قواعد الحوار البناء، والمحافظة على بنية خطاب تؤدي إلى تماسك
الجماعة الوطنية واضحة الخصائص والسمات، قادرة على استثمار الإمكانات والقدرات، وكذلك
ضرورة الخروج من حال الخطاب السجالي الاستقطابي؛ الذي يفسد شبكة العلاقات
الاجتماعية ويمكن لخطاب الكراهية والتحريض، ذلك أن خطابا كهذا لا يرسخ حالة ثورية
ولا يمكنه أن يقوم بعمليات تغيير واعية وفاعلة.
4- الثورات وتفكيك الاستبداد: كل
حالة ثورية لها أشكال مختلفة، كما تملك الخبرات الثورية قوانين عامة وجوانب خاصة.
الثورات وخصوصيات حالات الاستبداد تجعل من الضروري أن تكون هناك إدراكات متفحصة
واعية لتشريح الحالة الاستبدادية ووجود خطط لمواجهتها. الثورات معمل لمتطلبات
التغيير الحقيقي وهي من أهم مشاتله، والتغيير الحقيقي ليس قرارا ولكنه حالة تتطلب
مشروعا. الثورات حالة يجب أن تستمر سنوات بل فترات ضمن مسيرة النفس الطويل، ويجب
أن نميز بين معركة الثورة ومعركة التغيير.
المضادون للثورة ينجحون لأنهم ضد التغيير فحسب، ولكن
الثوريين يجب أن ينظروا لأنفسهم على أنهم أدوات تغيير ضمن عملية بناء، وهو ما يؤكد
على عملية التفكيك وعملية التركيب والبناء. الثورات لا تموت ما دامت عواملها لا
تزال تعتمل في الواقع، ولا تزال تتفاعل في الصندوق، ومؤشرات الموجة الثانية تؤكد
على أن الثورة ستظل كامنة في النفوس وفي الأفكار وضمن صناعة الأمل. الثورة ليست
جولة، ولكنها معارك متوالية ومتتالية، والتفكير بمستقبل الثورات جزء لا يتجزأ من
النهوض بعمليات التغيير وإعداد روافعه ضمن أن الثورة ليست فقط إيذانا بيوم أول،
ولكنها تبشير بأيام تالية في صناعة الأمل وبناء عمليات التغيير.
السياقات بما تحمله تؤكد أن التغيير قادم لا محالة، وأن تلك الفترات التي تحمل ضرورات التغيير لا بد أن يكون لدى القوى الفاعلة رؤية واضحة لعمليات التغيير
5- عملية التغييرهي عملية النفس الطويل: خبرات التغيير والخبرات
الثورية لا تُستنسخ؛ ولكنها ما تزال تتعلم من بعضها وعلى بعضها، وهذا هو درس
التاريخ؛ فالتاريخ هو معمل التجارب للعلوم الإنسانية، وكذلك معمل للتجارب في علم
الثورات. فعملية التغيير مستمرة والثورة جولات وليست جولة واحدة، ومعارك التغيير
الكبرى التي تحمل تداعيات وعمليات وتدافعات هي سلسلة من المعارك. الثورات تُفهم
ضمن سلسلة من عمليات التغيير المستمرة والمتواصلة؛ عمليات التغيير البناءة
والمتجددة، وتتعرف بعمق على سنن وأصول التدافع الذي يمكّن لحالات التغيير.
غاية الأمر في هذا المقام وفي ضوء هذه المقدمات المهمة
هو الإعداد لـ"معركة النفس الطويل" و"النصر الأكيد"، "أَتَىٰ
أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ" (النحل: 1)، عملية إحياء ثوري تصطحب
هذه المعاني كلها ضمن رؤية كلية استراتيجية، تسكن فيها المهام والقدرات بما يمكّن
لهذه الثورة من جديد، معركة النفس الطويل بما أنها تنظم بين كل ذلك لتجعل من حالة
الوعي الإدراكي الحركي والثوري مقدمة لعمل رصين مخطط ومحكم يحفز الطاقات الثورية
إلى النشاط والحركة والفعل والفاعلية، بما فيها من إمكانات وقدرات، وخطط وسياسات، وبناء
لعلاقات، وإدراكات واعية وتصورات، وآليات وأدوات، ومقاصد واضحة وغايات، وتصورات
بنائية ومؤسسات.
إن السياقات الدولية والإقليمية تحمل في الأفق تغيرات
وتغييرات دراماتيكية لا يمكن إنكارها أو التغافل عنها ولا يمكن بحال القفز عليها،
ولكن وجب على تلك الحالة التغييرية وفي ذلك التوقيت لا غيره أن تستثمر كل مكامن
الفرصة في هذا الحال، في سياق حراك ثوري (خطابي- ميداني- سياساتي) للتعبير عن حالة
كاملة وشاملة في إطار المواجهة الشاملة والمتكاملة للمضادين للثورات والتغيير
الحقيقي والجذري.
هذه السياقات بما تحمله تؤكد أن التغيير قادم لا محالة،
وأن تلك الفترات التي تحمل ضرورات التغيير لا بد أن يكون لدى القوى الفاعلة رؤية
واضحة لعمليات التغيير، بحيث تشكل تلك الفرصة بأن يكون التغيير لنا وفي صالحنا
ومصلحتنا؛ لا علينا أو يمر من غير تأثير منا. إنها سنة التغيير المضطردة التي تجعل
من وعي الحالة الثورية خطابا وحركة أحد أهم الفاعلين في حركة وتحريك الشعوب، لتجعل
هذه الشعوب بحق رقما صعبا في معادلة التغيير الفاعلة؛ إنها مشاتل التغيير التي يجب
أن تستلهم في هذا المسار المستأنف والمستعاد ضمن قراءة مراجعة وبِنى واعية راشدة؛ إنها
قراءة الاستثمار تُكمل وتتكامل مع أختها بقراءة الاعتبار.
x.com/Saif_abdelfatah