من المهم أن نقوم بعملية رصد ووصف
لموقف التيارات الإسلامية من عملية
التحول السياسي، مستصحبين النقاط الثلاث
اللاحقة في وصف الواقع وتبين السياقات، وهو من الموضوعات التي لها جوانب متعددة
وتحتاج إلى دراسات مستقلة؛ علاقة التيارات الإسلامية بعملية التحول الانتقالي في
مصر بعد
الثورة وبلاد الثورات الأخرى، ودائرة المفاهيم التي تتعلق بعلاقة الظاهرة
الإسلامية بقضية التحول الانتقالي، والثورة وعمليات التحول وإدارة الفترة
الانتقالية.
من الضروري أن نؤكد أن الانتقال
وإدارته؛ هو في حقيقة الأمر إدارة للاستثناء، وللاستثناء قواعده المؤقتة وشروطه
الضرورية، كذلك من المقرر أن عمليات التحول والفترات الانتقالية بعد تغيرات
انتخابية؛ غير تلك التغيرات التي يمكن أن تعقب ثورة من نظام مستبد إلى الرغبة في
بناء نظام شوري ديمقراطي، وهذه الحالة تكرس نمطا من التحول الديمقراطي في وقت كثيف،
حيث أن عملية الانتقال السياسية تكون مصحوبة بانتقال مؤسسي، وهو ما يجعل عمليات
التحول الديمقراطي في خضم الحالة الانتقالية الثورية تختلف بالضرورة عن الحالات
الانتقالية الاعتيادية التي تعقب انتخابات مثل الحال في تركيا وغيرها، لأن المرحلة
الانتقالية التي تأتي عقب ثورة شعبية في هذا المقام تفتح الباب واسعا لعملية إصلاح
سياسي ممتد، وتجعل من التحول الديمقراطي أهم شعارات المرحلة الانتقالية ومحاولة
إرساء قواعدها، إلا أنه في ذات الوقت تشهد حالة من السيولة السياسية وربما
استقطابات سياسية متعددة ونظاما سياسيا مختلطا يجمع بين القديم ومتطلبات الجديد،
وهو أمر قد لا يكون مواتيا لإحداث عملية تحول سياسي عميقة وسريعة في نفس الوقت.
ومن هنا تكون عملية الاصلاح السياسية عملية عليها من الحدود والقيود بحيث تسير ضمن
مسارات الانتقال السياسي والمؤسسي.
المرحلة الانتقالية التي تأتي عقب ثورة شعبية في هذا المقام تفتح الباب واسعا لعملية إصلاح سياسي ممتد، وتجعل من التحول الديمقراطي أهم شعارات المرحلة الانتقالية ومحاولة إرساء قواعدها، إلا أنه في ذات الوقت تشهد حالة من السيولة السياسية
إن دراسة الخبرات السابقة ضمن
مشاتل
التغيير تدعونا للاقتراب من الحالة المصرية التي تعد نموذجا على حالة
الاستقطاب عامة والاستقطاب السياسي خاصة؛ وترويج الهواجس في التعامل السياسي وتآكل
رصيد الثقة بين القوى السياسية المختلفة، وهو أمر من الضروري أن يؤكد أن له تأثيرا
قويا على مسارات التحول وتحقيق غاياته ومقاصده، فالتيارات الإسلامية ومواقفها من
قضية الديمقراطية وعمليات التحول الديمقراطي، وكذا علاقة التيارات الإسلامية
بالتيارات السياسية الأخرى بصدد رؤية التحول الديمقراطي بمساراته وإمكاناته
وتحدياته، وكذا السياقات الواقعية التي أحاطت بواقع الممارسة السياسية بعد
الثورات؛ فمن المهم بمكان أن نؤكد أن مسارات التحول الديمقراطي وعملياته مثلت -للأسف
الشديد- حالة من الاستقطاب، وظلت موضوعاته مجالا للتنازع والخطاب السجالي من مثل:
الدستور، الاستفتاء، الجمعية التأسيسية، الانتخابات، المؤسسات بين البناء والحل،
العلاقة بالمؤسسة العسكرية، التظاهرات والاحتجاجات وتقاطعها مع الانتخابات.. كل
هذه الأمور شكلت مجالا للتنازع السياسي مما أدى إلى تآكل رصيد الثقة المتبادل بين
القوى السياسية المختلفة، وهو ما أثر بالسلب على عمليات التحول الديمقراطي
والتشكيك في بعض متحصلاتها ونتائجها.
وكان من جملة هذا الاختلاف حينما
تعرض هؤلاء لمسارات التحول الديمقراطي وأولوياته، أن تأثر كل ذلك بوطأة الذاكرة
التي ملئت بالتصورات السلبية المتبادلة؛ بل والاتهامات المستجدة في الممارسة السياسية
على الأرض في الانتخابات وغير الانتخابات، والحوار ما بين التيارات والقوى
السياسية المختلفة بما فيها القوى التي تمثل التيارات الإسلامية. ومن هنا تأتي أهمية
الحوار الوطني كواحدة من الآليات السياسية المهمة بين تنوعات القوى السياسية
والمجتمعية لإدارة التعددية، خاصة حينما يشكل هذا الحوار آلية في بناء توافق سياسي
واجتماعي جديد يتوافق مع الثورة ومكتسباتها واستكمال مسيرتها وأهدافها، وإن عملية
القصور والتقصير في بناء آلية للحوار المستدام كان من الأمور الخطيرة التي جعلت
مساحات الاستقطاب والاستبعاد والإقصاء تمتد وتتمدد، رغم أن الثورة مثّلت طاقة
إيجابية في مسيرة الإصلاح السياسي وضروريات التحول الديمقراطي، وفتح الباب واسعا
لحوار وطني ممتد ومستدام حول القضايا السياسية المختلفة وقضايا الانتقال السياسي
والمؤسسي.
ويبقى هنا تساؤل في غاية الأهمية
حول هل يمكن للتيار الإسلامي أن يشكل قيمة مضافة لعمليات التحول الانتقالي
(المتطلبات ـ الشروط) في ظل تلك السياقات السياسية المحيطة وهو أمر يحسن رؤيته ضمن
مؤشرات البحث رصدا وتوصيفا وتحليلا وتفسيرا وحكما وتقويما، من مثل التيارات
الإسلامية وقضية الدستور، وعلاقة ذلك بعمليات التحول الديمقراطي وتنظيم مساراتها، والعلاقات
بين التيارات الإسلامية وبعضها البعض بين التحالف والتنافس، ومستقبل التيارات
الإسلامية في ضوء عملية التحول الديمقراطي، وعمليات استعجال جني الثمار من دون
مراعاة السياقات وضرورة التوافقات، فضلا عن المتطلبات المقترنة بالحالة الثورية.
ومما لا يمكن تجاهله في هذا
المقام أن الأخطاء بل والخطايا التي ارتُكبت في هذا المضمار يجب أن تُرى ضمن
المقولة الحاكمة "خطأ الكبير كبير وخطأ الصغير صغير"، وكذا مستقبل عملية
التحول الديمقراطي في ظل صعود التيارات وإدارة التحالفات السياسية والتيارات
الإسلامية، التيارات الإسلامية والتحول الديمقراطي منظورا إليها في إطار تأثيرات
وتدخلات الخارج، بل نستطيع أن نلحق في هذه الحالة سؤالا آخر لا يقل أهمية كان من
الواجب أن يقع ضمن إدراكات التيارات الإسلامية جملة: هل سيسمح الخارج بعمليات تحول
ديمقراطي حقيقية، حتى لو أتت بالإسلاميين؟ ما هو شكل العلاقة المحتملة بين الحركات
الإسلامية والخارج والغرب على وجه الخصوص؟ وما هو موقف التيارات الإسلامية إذا ما
كانت في السلطة في العلاقة بين الخارج والمعارضة؟ هل سيتبع نفس سياسات النظام
القديم في تمرير المصالح مقابل السكوت عن هذه العلاقة، أم ستكون هناك معايير واضحة
تطبق على الجميع (أزمة المواقف للتيارات الإسلامية بين جودها في المعارضة أو
السلطة)؟
وتبقى في هذا المقام قضايا أخرى مهمة كانت تستدعى ضمن
بيئة الاستقطاب؛ خطاب التيارات الإسلامية وأثره على عمليات التحول الديمقراطي، والعلاقة
ما بين الجماعة والحزب والرئاسة صياغة جديدة أم علاقات مفروضة، وقبل كل ذلك قضايا
نظرية وواقعية ترتبط بالإسلاميين ومعضلة الدولة والسلطة وتصورات العلاقة بين الديني والسياسي
والمدني. وأخيرا يجب أن
نشير إلى ملاحظة تأسيسية مركبة؛ أولها أن الاهتمام بعملية التحول الديمقراطي
وإدارتها يجب أن تضع في حسبانها أنها عملية تحول بعد ثورة وليست في مسار ممتد، وثانيها
يتعلق بشروط الفاعلية الذاتية الداخلية والخارجية لفاعلية الحركات الإسلامية
وخياراتها الاستراتيجية وما يترتب عليها من مواقف.
ملاحظة تأسيسية مركبة؛ أولها أن الاهتمام بعملية التحول الديمقراطي وإدارتها يجب أن تضع في حسبانها أنها عملية تحول بعد ثورة وليست في مسار ممتد، وثانيها يتعلق بشروط الفاعلية الذاتية الداخلية والخارجية لفاعلية الحركات الإسلامية وخياراتها الاستراتيجية وما يترتب عليها من مواقف
بين التشققات والاختلافات تسكن
ثعابين الاستقطاب والانقسام؛ هل يمكن بعد تجربة من الفرقة أدت إلى إحكام قبضة
المستبد أن نتحدث معا حول: إدارة الاختلاف، وإدارة التنوع، وإدارة التعدد، وإدارة
المشترك، وما هو الحد الأدنى الذي يمكن الاتفاق عليه (اتفاق الحد الأدنى)؟
ولا يزال الاستقطاب مستمرا؛ فهل
لا يكفي أن تضيع مقدرات البلاد ضمن مخطط ممنهج لبيع الأصول والتفريط في الغاز،
والتنازل عن الأرض والاتفاق بما أضر ويضر بمصالح مصر المائية، وتدهور الحياة
المعاشية وتآكل الطبقة الوسطى (رمانة الميزان في المجتمع) والغلاء الفاحش والأزمة
الاقتصادية الطاحنة، وتآكل القيم والأخلاق في المجتمع، وازدياد درجة العنف
الاجتماعي والمجتمعي، وصناعة الكراهية والانتقام السياسي والمجتمعي، وحالة
الانقسام الطولية في المجتمع، مما جعل محاولات المصالحة الاجتماعية والمجتمعية
أصعب ما يكون.. الخ؟ هل كل تلك الأحوال ما زالت تدفعك إلى أن تقيم في مربعات
الاستقطاب ودوائر الانقسام؟ هل استحال الخروج من حال الانقسام والاستقطاب السياسي
والاجتماع بكل صوره؟
إن السؤال المهم في هذا الإطار
وضمن التفكير بمشاتل التغيير والقدرة على إدارة مسالكه؛ أن نتعرف على ضرورات
التغيير في تلك الحالة الثورية، في إطار التوافق وليس في سياقات الاستقطاب وما
تحدثه. إن هندسة وإدارة التغيير تشكل اختبارا حقيقيا ومحكا أساسيا في التحول من
الانتقال إلى التغيير في معناه البنائي، وهو أمر لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل اتفاق
الحد الأدنى حول التغيير ومساراته؛ ضمن بناء عقد اجتماعي جديد، قادر على استثمار
التيار الأساسي في الأمة، وكذا تحقيق لحمة وتماسك الجماعة الوطنية كأولويات في
مسيرة التغيير. إن الاستثمار في شبكة العلاقات الاجتماعية والسياسية من الأمور
الضرورية والمبدئية في هذا السياق، إنها مشاتل التغيير التي تستهدف التعلم من كافة
الخبرات الثورية السابقة، والشروع في مسارات بنائية في عمليات التغيير.
x.com/Saif_abdelfatah