أجدني
مشدودا للماضي هذه الأيام، ليس لأنه كان شيئا رائعا، لكن ما وصلنا إليه، وعلى كافة
المسارات، جعلنا نرى فيه ما لم نكن نراه، والضد يظهر حسنه الضد!
لا
نعرف إلى الآن من اختار الدكتورة جيهان زكي وزيرة للثقافة، ليجعل النظام ينتقل من
حفرة إلى أخرى، ومن أزمة وزير التربية والتعليم في التشكيل الماضي إلى أزمتها،
بجانب أزمة أخرى لم تأخذ حظها من النقاش العام، وهي الخاصة بوزيرة الإسكان! جهلنا
بمن اختارها لهذا الموقع لا يعني جهلنا بفلسفة الحكم الحالي، حيث إن دائرة
الاختيار محدودة، في إطار ما وصفناه من قبل بأنها "دولة على الضيق"،
فتوزع المناصب على الأسرة الواحدة، البنت وأبيها، أو الأب وابنه.
ولهذا
يصبح مفهوما أن يقع الاختيار على جيهان زكي عضوا في مجلس النواب في دورتين
برلمانيتين، فلم تظهر خلالهما كرامة (بالمعنى الصوفي). ومع أنها تقترب من الستين
من عمرها، حيث تكبرني بثلاثة شهور، فلم نعرفها إلا بعد ترشيحها للموقع، واللافت
أنها كانت قد عُينت قبل قليل عضوا في مجلس النواب! الأمر الذي يؤكد غياب النظرة
الاستراتيجية، فلو كانت تُعَد للوزارة لما كان هناك مبرر لتعيينها في البرلمان،
وبعد أسبوعين يتم ترشيحها وزيرة، فيكتشف الرأي العام أن خيبة الأمل راكبة جمل، فقد
تفجرت قضية سطوها على كتاب للصحفية في مؤسسة الأهرام سهير عبد الحميد، وذلك عندما
كانت مجرد مرشحة، حيث كان يمكن الاطلاع على ملفها والعدول عن القرار، لا سيما وأنه
لم يتم الإعلان رسميا عن اختيارها! فليس قصورا في المعلومات لدى الجهات التي ترفع
تقاريرها عن الشخصيات المقترح تعيينها للمناصب الكبرى، هذا إن كان يُطلب منها
ملفات أحد، أو أنها تُستشار في الأمر. ولهذا وقع الاختيار على جيهان زكي، بينما
قضيتها حديث الناس على منصات التواصل الاجتماعي، وذلك على العكس من أزمة الدكتوراة
الخاصة بوزير التعليم التي تفجرت بعد اختياره، وقد استمر في
الحكومة الجديدة، مع
أنه يحمل شهاداتٍ وهمية، فما هو الدرس الذي يُراد إيصاله للأجيال الجديدة؟
شلة
باريس.. وأزمة فاروق حسني:
ما هي
الجهة التي تبنت جيهان زكي نائبة ووزيرة؟ وهل الاختيار فقط لأنها شقيقة الأمين
العام المساعد لجامعة الدول العربية حسام زكي؟!
من
حيث التعليم، فلا ينقص جيهان زكي شيئا، فهي حاصلة على الدكتوراة من إحدى الجامعات
الفرنسية، والتعليم والحياة الفرنسية يحملان تقديرا خاصا في أوساط النخبة
المصرية
منذ كتاب "الأيام" لطه حسين. وقد عاصرنا ما وُصف بـ"شلة باريس"
عند الحط منها، أو "مجموعة باريس" بالوصف الموضوعي، في حكومة عاطف صدقي،
الذي حصل على الدكتوراة من جامعة باريس، وقد ترأس الحكومة في الفترة 1986-1996،
واستعان في الحكومة والمناصب الكبرى بعدد من أفراد هذه الشلة!
وإذا
كان الشيء بالشيء يُذكر، فقد شهدنا أزمة اختيار فاروق حسني وزيرا للثقافة، الذي
سبق له العمل ملحقا ثقافيا في السفارة المصرية في باريس!
كانت
أزمة فاروق حسني بعد إعلان
تعيينه وزيرا، وقوبل القرار بعاصفة من الاعتراض من كبار
المثقفين، وكثير منهم محسوب على النظام السياسي، ومع ذلك لم يكتموا رفضهم لهذا
الاختيار. ولأنها أزمة عاتية، فقد استوعبت صحيفة مثل "الأهرام" مقالات
الرافضين من كتابها، ولم تمنع نشرها!
والحال
كذلك، فقد تبرأ عاطف صدقي منه، مع أن الرجل منضبط وعُرف عنه قلة الكلام، حتى صار
صمته مادة ثرية لكاريكاتير جريدة "الأخبار"، وهو فكرة الساخر أحمد رجب،
وبريشة الفنان مصطفى حسين!
قال
عاطف صدقي إنه رشح للرئيس قائمة من ثلاثة (وربما خمسة) أشخاص، وأن اسم فاروق حسني
كان الأخير، وأن الرئيس مبارك هو من اختار هذا الأخير!
وتجربة
فاروق حسني في احتواء هذه العاصفة تُدرس، وقد قال هو عن إنجازاته في نهاية عهده
إنه أدخل المثقفين المصريين حظيرة
وزارة الثقافة، وليس هذا موضوعنا!
خارج
السياق الثقافي:
فالاعتراض
على اختيار فاروق حسني كان لأنه من خارج السياق الثقافي المصري العام، وفي وزارة
تولاها عدد من قمم الثقافة من أمثال ثروت عكاشة، وجمال العطيفي، ويوسف السباعي،
وعبد المنعم الصاوي، وعبد القادر حاتم، فضلا عن أن حسني جاء بعد مثقفٍ كبيرٍ هو
الدكتور أحمد هيكل. وفاروق حسني في مجال الوظيفة هو موظف صغير بالوزارة شمله الحظ
برعايته، فسافر للعمل في باريس وروما، وهو في مجال الثقافة فنان تشكيلي، وليس من
أهل الفكر والأدب!
ورغم
درجة الدكتوراة فإن تخصصها في المصريات يجعل الدكتورة جيهان زكي في حكم فاروق
حسني، فليست من سياق عكاشة، أو السباعي، أو الصاوي، أو هيكل. وما دامت السياسة
غائبة، ونحن أمام حكومات فنية، فإن الأولى بها أن تكون رئيسة للمجلس الأعلى
للآثار، أو وزيرة للسياحة!
وإن
كان يشفع لها أن هذا هو السياق الآن منذ اختيار إيناس عبد الدايم، عازفة الناي،
وزيرة للثقافة، فليست الحياة السياسية الآن امتدادا لما قبل ثورة يناير/كانون
الثاني 2011، فالسياقات مختلفة، والاختيارات في العهد البائد وإن حدثت أحيانا بعيدا
عن السياق العام، فهو الاستثناء وليس القاعدة التي تأسست في هذه المرحلة!
وإذ
وجدنا عاطف صدقي، على تقوقعه حول نفسه، يعلن براءته من الاختيار الذي قوبل بعاصفة
من الرفض، فنحن إلى الآن لا نعرف من اختار جيهان زكي لهذا المنصب الرفيع، وفي
صحيفة سوابقها جناية سياسية تتمثل في حكم القضاء بسحب كتاب لها من الأسواق ومنع
تداوله، لأن نصفه منقول "نقل مسطرة" من كتاب لصحفية "الأهرام"
سهير عبد الحميد، وهو الحكم الذي صدر مستندا إلى تقرير لجنة فنية أثبتت هذه
السرقة، ومن ثم كان القضاء بتعويضٍ قيمته مئة ألف جنيه لصالح زميلتنا في الأهرام!
وبدلا
من أن نجد أحدا في إحساس عاطف صدقي بالمسؤولية، فقد وجدنا تدافعا للدفاع عن الخطأ
من وزير في الحكومة، ومن أفراد محسوبين على الوسط الثقافي والأكاديمي، ليجدوا موقعا
لهم في حظيرة وزارة الثقافة!
الإخوان
والقضية:
ووصل
منسوب الضلال منتهاه عندما يتمطعون بالقول إن الإخوان هم من افتعلوا هذه القضية،
وكأننا لسنا إزاء حكمٍ قضائيٍ يستوجب الاحترام، وتعد هذه النظرة ازدراء له، وهو
أمر مدان قانونا. لكن من يطبق القانون؟!
ويبدو
على ضفة النهر من قرر أن يستمر في الاختيار، فيجد هناك من يؤوب بالقول إن النيابة
بصدد رد الاعتبار للوزيرة، لا نعرف على أي أساس، ومرة بالإيحاء بأن حكم النقض
سيصدر لصالحها، بما يمثله هذا من تأثيرٍ على القضاة، منهيٍ عنه قانونا. لكن مرة
أخرى، من يطبق القانون؟!
إن
أزمة هذه القضية أن أحدا لن يصدق أنه حكم القانون لو قررت النقض إعادة المحاكمة.
وما هي حاجة الدولة المصرية لهذا كله لولا هذا الاختيار، وكأن المنصب الوزاري
دواءٌ أقره الطبيب لحالة جيهان زكي، فرأى أصحاب القلوب الرحيمة أن يعالجوها به!
أزمة
دكتوراة رئيس الجامعة:
وفي
الماضي كانت السلطة في عهد الرئيس مبارك تتبنى أحد أساتذة الجامعات، فعينته رئيسا
لجامعة مهمة، وكان كثير المشاكل مع بعض الأساتذة الكبار، بمن فيهم وزير سابق وصف
رئيس الجامعة في حوار صحفي بأنه قراقوش العصر الحديث وسوف يخلده التاريخ!
ويبدو
لهذا قام أستاذٌ بالجامعة بالتفتيش خلفه، حتى عثر على أن رسالة الدكتوراة الخاصة
به هي بحثٌ لباكستاني حصل به على درجة الماجستير، فتقدم بالملف إلى المحكمة، والتي
شهدت جلساتٍ عدة، وكان بحسب الظاهر من الأوراق أن الحكم سيصدر ضد رئيس الجامعة
وبسحب الدرجة العلمية منه، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر على سمعة النظام وعلى الذين
اختاروه. وكان التفاوض مع الأستاذ بأن يسحب دعواه في مقابل تعيين رئيس جديد
للجامعة، وكانت هذه قسمة ترضي كل الأطراف، بمن في ذلك المحكمة التي كانت تمد في
أجل الدعوى، مع ما يتبعه هذا من آثار، أخصها النشر الصحفي للجلسات! وكان يمكن
الضغط على الأستاذ فيسحب الدعوى بدون قيد أو شرط، أو على المحكمة لرفضها، لكن كل
هذا ليس مضمون العواقب، ولا داعي لحشد الدولة لنفسها في مواجهة قضية خرجت عن
سيطرتها!
وبعيدا
عن هذا، فقد راعني أن زمرة المثقفين الأراذل لم ينطق أحدهم ببنت شفة، وهم الذين
خرجوا على النظام العام وحاصروا وزارة الثقافة في عهد الرئيس محمد مرسي، ليمنعوا
الوزير المعين من جانبه من دخول الوزارة، في عملٍ مجرمٍ لا يُغتفر، ودون أن يحددوا
الأسباب التي دفعت لذلك، فمرة لأنه أقال "قوت القلوب" إيناس عبد الدايم
من منصب رئيسة الأوبرا، ومرة لأنه قال سيفتح ملفات
الفساد في الوزارة. تصور يا
مؤمن أنهم كانوا لا يريدون فتح هذه الملفات، ويتحدثون عن أن المطلوب منه وضع
برنامجه في الإدارة!
وماذا
في إيناس عبد الدايم من قيمة ثقافية ليكون في عزلها من وظيفتها جريمة تستدعي تحرك
أركان الثورة دفاعا عنها، ويتحول المثقفون إلى شبيحة؟! لقد عُينت إيناس وزيرة
وعُزلت فما تكلموا، وجاء من بعدها وزراء معدومو الكفاءة، فلا برامج ولا سياسات،
فبدوا كما لو كانوا قد فقدوا ألسنتهم في حادث سير! وجاءت وزيرة مدانة بحكمٍ قضائي،
فلا تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا.
لم
تكن شجاعة منهم!
x.com/selimazouz1