واقع الظاهرة الإسلامية لا يمكن اقتطاعه من السياقات
العامة للدولة والمجتمع في النظم العربية والإسلامية. إن السياقات الاستبدادية
الجامعة والناظمة لسياسات تلك النظم هي التي تحرك علاقات السلطة مع القوى
الاجتماعية الفاعلة والحركات الاجتماعية المؤثرة، كما لا يمكن بحال فصله عن
السياقات الإقليمية والدولية في تأسيس استراتيجياتها وتوجهاتها ومواقفها وعلاقاتها
وتحالفاتها. كما لا يمكن فهم كل ذلك إلا بفهم هذه الظاهرة الإسلامية والحركات
الاجتماعية الإسلامية الناشئة منها، ورفع واقعها وما أصابها من ضعف وتصدع مع سلسلة
من المواقف والأزمات طالتها وتراكمت. فمع فعل تراكمها وعدم قيامها بمواجهتها أولا
بأول تحولت الى أزمات هيكلية وشبه بنيانية؛ وربما كان لها بعض العذر في ذلك لتوالي
عالم الأحداث الذي اتسم بسيولة منع تلك الحركات من أن تقوم بما عليها من توقف
لتفحص أحوالها ومراجعة أزماتها، فضلا عن الانشغال بالكر والفر في علاقاتها بالنظم
الاستبدادية الداخلية، واشتمالها بمعارك الإسلاموفوبيا في ساحاتها الإقليمية
والدولية.
رغم أن مفهوم الواقع من المفاهيم شديدة الغموض، إلا أن
ربطه بالعديد من القضايا يسهم في تجليه هذا الواقع وفهمه. في الحقيقة أن هذا
المفهوم بما يعبر عنه من تشابكات وامتدادات يتعلق بالقضايا الأخرى لزوما، من
الظاهرة والذاكرة والمفهوم، ومن الدور المنوط بتلك الحركات الاجتماعية الإسلامية
في واقع الحياة وسياقات التفاعلات والعلاقات، وكذلك قضية الخطاب الذي يعتمل في هذا
الواقع، سواء بما تمثله تلك الحركات من خطاب إسلامي تحاول أن تعرض من خلاله خريطة
مفاهيمها الأساسية، وكذلك خرائط العلاقات والمواقف والسياسات التي تتبناها.
مثلت محاولة شيطنة تيار الإسلام السياسي وعلى رأسه جماعة الإخوان المسلمين، صناعة كراهية متعمدة لكل ما هو إسلامي تحت دعوات شتى
وفي النهاية، فإن الواقع وفهمه بالدقة الواجبة والتعرف
على السنن القاضية الحاكمة له يعد مقدمة أساسية في التعرف على المآلات، وكذلك
التدبر والاستشراف المستقبلي للظاهرة الإسلامية وما يرتبط بها من مشروع
إسلامي، كما يحدد موضع تلك الحركات الإسلامية من استراتيجيات
التغيير الكبير
القادم والمنتظر. ومن هنا فإن خرائط الواقع والتعرف عليه ضمن هذه الارتباطات
والعلاقات إنما يؤكد على ضرورة أن نتعرف على مفاصل هذا الواقع، وهو أمر يتعلق
بموضوعات عدة وجب علينا أن نتوقف عندها.
يتشكل
واقع الحركات الإسلامية وظاهرة الثورات العربية كمفهوم غامض وواقع متجدد ومتمدد
ومعقد، حيث يجمع في ثناياه بين الظاهرة والمفهوم، والذاكرة والدور والمستقبل، ويرتبط هذا الواقع بالفئات الأخرى،
متأثرا بذاكرة الواقع ما قبل الثورات العربية والتدافع المستمر بين فعل الثورات
والخبرة السابقة والذاكرة ما قبل الثورات، لا سيما في ظل ما تواجهه هذه الحركات من
عمليات التشويه الممنهجة.
ويتجلى
تعقيد المشهد في طبيعة علاقة الحركات الإسلامية والدولة والحكم، وتوزع أدوارها بين
الداخل والخارج، وصراعها الوجودي بين الدولة العميقة والمجتمع العميق، فضلا عن
اصطدامها بالمضادين للثورة وتحديات عسكرة الثورات العربية. علاوة
على ذلك، يبرز دور الحركات الإسلامية والقوى السياسية الأخرى وتفاعلها مع الإطار
الإقليمي والدولي كعوامل مؤثرة في مسارها، وفي مواجهة الأزمات وتصدعات الحركات
الإسلامية وما يعتريها من إشكالات تنظيمية، تبرز ضرورة تفعيل النقد الذاتي
والمراجعات كسبيل أساسي لتعزيز عمليات الإحياء الثوري واستعادة المبادرة في الواقع
السياسي.
ومن أهم المسائل التي يجب التوقف عندها واقع ظاهرة
الثورات العربية وخيارات الحركات الإسلامية وعالم الأحداث التي يحيط بها؛ ثمة
عوامل كثيرة متقاطعة ومتداخلة ما بين مظالم سياسية واقتصادية واجتماعية، إلى
ثورة
اتصالية تكنولوجية ولوجستية عبّأت ونظمت وسهّلت انتشار الحالة الثورية وهيمنة
المزاج الثوري على الشعوب العربية وانتقاله من دولة لأخرى، ولعل عدم معرفة هوية
الطرف المحرك لهذه الحالة الثورية، والتي تختلف من بلد لآخر، هو سبب نجاحها
وديمومتها.
وربما كانت الحركة الإسلامية
المصرية -في
نظر كثيرين- صاحبة الحظ الأوفر من مكاسب ما بعد الثورة المصرية؛ إذ أتاحت لها
الثورة -ولأول مرة- الخروج من أقبية العمل شبه السري والحذر التنظيمي إلى فضاءات
العمل العام، في ظل الارتكان على مناخ ديمقراطي آمن يختلف اختلافا جذريا عن مناخ
القلق والخوف الذي عاشت فيه الحركة الإسلامية لعقود طويلة، والذي أثّر في بنيتها
الفكرية والحركية والتنظيمية؛ حيث لعبت عقود المواجهات السابقة دورا غير مقصود في
إخفاء معالم الضعف الفكري والتشوهات والحركية والتنظيمية التي تسربت للكيان، مما
أوقعها في العديد من الإشكاليات الكبرى التي عطلت العقل الإبداعي فيها وحرمتها من
استدراك ما فاتها في بعض المواقف والسياسات، وهو ما ظهر جليا عقب الانقلاب عليها،
وفشلها في إدارة عملية مواجهة الانقلاب، بغض النظر عن امتلاك القوى الانقلابية
لمصادر دعم داخلية وخارجية غير محدودة.
كما مثلت محاولة شيطنة تيار الإسلام السياسي وعلى رأسه
جماعة الإخوان المسلمين، صناعة كراهية متعمدة لكل ما هو إسلامي تحت دعوات شتى،
تعلق ذلك بالمجازر التي حدثت في رابعة وأخواتها وما تبعها من سياسات للترويع
والتخويف، مما شكل حالة لا إنسانية "خطيرة"، وبدت بعض تبعات هذا الظلم
تمتد، حيث تعرضت القوى المختلفة؛ مدنية كانت أم إسلامية لذلك البطش. هذان الأمران
وباعتبار التوابع التي أعقبت هذه الزلازل، قدما حالة من حالات التخويف وخطابا
مسكونا بروح الانتقام وعمليات التحريض على العنف من جانب النظام الفاشي في مواجهة
معارضيه. ومن جهة أخرى، انزلق بعض هؤلاء إلى مواجهة عنف النظام بمحاولات عنف من
جانبهم.
هذه هي بعض التوابع للزلازل الكبرى التي أحدثت شروخات في
الأبنية بل وتهديم بعضها، وأسهمت في تكريس بعض الأمراض النفسية الجماعية بين عناصر
الجماعة الوطنية، وهو ما أدى إلى حالة الإحباط التي نرى، والركود الذي شاع، والجمود
الذي تفشى، وهو ما حقق لنظام الثالث من يوليو رغم ضعفه مكنة جعلته يخرج رغم سياسات
الفشل وحالة الضعف التي فيه أقوى من ذي قبل، ولا يزال يتقوى ويتمدد في مساحات
فرقتنا وتوحش استقطابنا.
وبدا كذلك من ضرورات التوقف مليا حول ارتباط الثورات
العربية بفشل النظام الإقليمي كشف عن ضرورة التغييرات القادمة (عالم الأحداث كان
فيه أمور كثيرة دفعت للتساؤل عن متى يثور الناس، سواء بالنسبة للقضية الفلسطينية
والذي كان على رأسها حدث طوفان الأقصى الكاشف والفاضح والفارق والذي أبرز هوانا ما
بعده هوان؛ وخذلانا ما بعده خذلان؛ فضلا عن وقوع أحداث كبرى في الدول العربية أو
أحداث النظام الاقليمي العربي والتدخلات الخارجية فيه).
وبالنظر إلى مفاصل زمنية عبر هذه السنوات يمكن التمييز بين أربع مراحل فرعية
مرت بها التفاعلات الإقليمية بين القوى وانطلقت هذه التفاعلات من "الثورات
المتعاقبة"، ثم تمحورت حول الانقلابات والثورات المضادة التي حولت الثورات
إلى حرب على الإرهاب، كما تشابكت حول إدارة الصراعات المسلحة العنيفة (حروب أهلية)
في اليمن، وسوريا، والعراق وليبيا؛ وهي حروب، بين نظم أو أشباه نظم وبين قوى
وحركات مسلحة متعددة الأطياف، حروب وضعت على المحك مستقبل الدول القائمة ومستقبل
النظم الحاكمة التي ثارت عليها الشعوب، بقدر ما تختبر مستقبل "الحركات
الإسلامية السياسية" بكافة تياراتها (التي وضعت جميعها في كفة الإرهاب).
التغيير قادم لا محالة، وأن تلك الفترات التي تحمل حتميات التغيير لا بد أن يكون لدى القوى الفاعلة رؤية واضحة لعمليات التغيير، بحيث تشكل تلك الفرصة أن يكون التغيير لنا وفي صالحنا ومصلحتنا؛ لا علينا أو يمر من غير تأثير منا
هناك موجة جديدة من الثورات العربية قادمة لا محالة، فالوضع الاقتصادي بات
أصعب بكثير في الوقت الراهن، ولم يعد في متناول الأنظمة الحاكمة سوى موارد قليلة
لتمويل شبكات المتعاونين معها. وتُظهر الاحتجاجات والصعوبات الاقتصادية المستمرة
في لبنان والعراق أن شهية الجمهور للتغيير الديمقراطي لا تزال مشتعلة بقوة، حتى
بعد عقد من الاحتجاجات الإقليمية المدمرة والنزوح الجماعي واللامبالاة الغربية.
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه لم يعد للديكتاتوريات وسيلة لإعادة عقارب
الساعة إلى الوراء إلى ما قبل عام 2011، ولا توجد رغبة لدى شعوبها في قبول الوضع
الراهن الذي يحرمها بشكل دائم من حقوقها. إنها أكثر تعطشا من أي وقت مضى؛ وتنتظر
الآن الشرارة التالية.
وعلى الرغم من تمكن قوى الثورة المضادة
في الداخل، بمساعدة قوى خارجية عربية وأجنبية، من الإمساك بزمام الأمور، وتحقيق
نتائج ونجاحاتٍ تباينت من حالةٍ إلى أخرى، إلا أن
التغيير قادم لا محالة، وأن تلك الفترات التي تحمل حتميات
التغيير لا بد أن يكون لدى القوى الفاعلة رؤية واضحة لعمليات التغيير،
بحيث تشكل تلك الفرصة أن يكون التغيير لنا وفي صالحنا ومصلحتنا؛ لا علينا أو يمر
من غير تأثير منا، إنها سنة التغيير المضطردة التي تجعل من وعي الحالة الثورية
خطابا وحركة أحد أهم الفواعل في حركة وتحريك الشعوب، لتجعل هذه الشعوب بحق رقما
صعبا في معادلة التغيير الفاعلة.
إن رفع واقع كل ما يتعلق بمشاتل التغيير من أحداث سابقة
أو سياقات لاحقة لهو من فروض وواجبات الوقت التي تؤصل لمسلك أساسي يتعلق بالتأصيل
والتفعيل والتشغيل لحركته الآنية والمستقبلية؛ آخذا في الاعتبار حركة التاريخ
وقوانين انتظامه السنني، والتي تشمل محفزات توقظ "الثورات والطوفان"،
ومسارات تنطلق، وسياقات تدافع وتغييرات تنفتح، وأحداث تفاجئ، وتراكمات تثمر
وتستثمر، ومساع تفشل وأخرى تنهض، وقوى تهبط وأخرى تصعد؛ كل ذلك ضمن قانون التداول
الحضاري "وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ" (آل
عمران:140) الذي يُعد أهم قانون ينتظم في قلبه عالم الأحداث والمتغيرات الجامع بين
الأصلين السنيين الناظمين والجامعين التدافع والتغيير؛ ذلك أن التغيير الاستراتيجي
القادم، ولا بد أن تقام له القواعد، وتشيد فيه الأصول، وتمد له الجسور، وتُعد له
الكوادر والقدرات واستثمار
الخمائر، إنها الخطة الناظمة والجامعة الفاعلة؛ "وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ
لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّة" (التوبة:46).
x.com/Saif_abdelfatah