وصل الأمر بالنسبة للظاهرة الإسلامية إلى ذروته ومنتهاه
ضمن عمليات متراكمة منظمة وممنهجة في محاولة لتهميش وتشويه الظاهرة الإسلامية، بل
والانتقال إلى حالة من التجريم بين تلفيقات ومحاكمات أدت في النهاية إلى استدعاء
أشكال من الانقلابات والحروب الداخلية في دول الثورات، وهو ما أدى في واقع الأمر
إلى المستقبل الذي استطاع فيه كل هؤلاء المضادون للثورة من أن ينسقوا جهودهم ضمن
فعل يحاصر الثورات ويلتف عليها؛ ولا يحاول فقط إجهادها بل الانتقال إلى مرحلة
إجهاضها.
وهذه أمور تعبر في هذا المقام عن كثير من الظواهر التي
أدت إلى حالة تلك الثورات العربية، ولكنها في ذات الوقت لم تكن تلك الحالة مانعة
في أي حال من الأحوال من موجهات احتجاجية أخرى ومن التعبير عن أشواق وآمال تلك
الثورات في عملية
التغيير، وهي أمور في واقع الأمر ظلت تمثل تنازعا بين هؤلاء
الذين يحاصرون التغيير وبين أولئك الذين يدعمون مسألة التغيير القادم بكل أشكاله
وصوره؛ بحيث يعبرون بذلك عن أشواق التغيير والطلب عليه ضمن مساحات متزايدة
ومطالبات تتعلق بالمعاش وكذلك بالتحول الديمقراطي. وظلت هذه الأمور تشكل على نحو
أو آخر طلبا ضمن عملية تغيير لا يمكن بأي حال من الأحوال إيقاف عجلتها، ولكن من
المهم أن نتعرف على أن شروط التغيير وتهيئة السياقات المواتية له إنما يعبر عن
دروس مستفادة لا بد أن نقيم لها الاعتبار ضمن رؤية المستقبل؛ خروجا عن الإطار
الرغبوي والتفكير بالأماني إلى سياقات تتعلق بالإعداد الفعلي لعملية التغيير
الكبير ضمن سنن تدافعية غاية في الأهمية، تحكم وتتحكم في عمليات التغيير ومداخل
الفاعلية والتأثير.
لم تعد قضيّة العلاقةِ بين الإسلاميّين ونظام الحكم الدّيمقراطي مسألة نظريّة، بل مسألة سياسيّة- اجتماعيّة مباشرة وخاضعة للاختبار بامتياز، تطرح أسئلة وقضايا جديدة مختلفة عن قضايا الجدل النّظري والسّياسي
غاية
الأمر في عملنا ونحن بصدد الحديث عن مشاتل التغيير هذا واتساع مساحات البحث فيه؛ أن
نوضح المتطلبات المنهاجية لدراسة هذا الموضوع الذي هو بامتداداته وتعقده حالة
بحثية ودراسية تستأهل مشروعا بحثيا متكاملا، يقوم على دراسة هذه المفاصل الأساسية
والقضايا المحورية المتعلقة بهذه الظاهرة وعلاقاتها وارتباطاتها. ومن الممكن أن
نشير إلى مجموعة من القضايا تكون الأولى بالاهتمام في دراسة تلك الظاهرة، وأهمها
على الإطلاق:
1-
الظاهرة الإسلامية ومفهوم الإسلام السياسي: ذلك أن الجدل الذي دار حول موقف
الإسلاميين من مفهوم
الثورة ومن الثورات كان أمرا حيويا في هذا المقام، ضمن توجهات
عدة حددت الواقع الذي يحيط بالإسلاميين وحدث الثورات العربية المتصاعد، مما أثر
على دور ومستقبل هذه الحركات الإسلامية، وجعل المسألة من بعد ذلك تتعلق بالفترات
الانتقالية التي ارتبطت بالثورات العربية وبما اتسمت به من عمليات الاستقطاب،
ومطالب التوافق السياسي، وهي أمور من شأنها أن تؤثر على أدوارهم وعلى قدرتهم على
القيام بهذا الدور. وربما هنا من الأهمية بمكان أن نشير إلى مسألة محتملة بفجوات
هذا الدور وتوقعاته من جراء أداء الإسلاميين في ظل عالم الأحداث الذي تعلق
بالثورات.
2-
الإسلاميون والحكم، أو الإسلاميون في الحكم (الواقع والدور): تعتبر قضية الحكم من
القضايا الجوهرية التي تعتبر مختبرا ومحكا للحركات الإسلامية في التعامل مع
القضايا السياسية ومع الحكم القائم في هذا المقام. ومن المهم أن نشير إلى أن
الثورات العربية قد أحدثت تغيرات نسبية في الواقع وفي توقعات الدور الذي يمكن أن
تقوم به هذه الحركات الإسلامية، خاصة أنها بعد الثورات نالت ثقة عموم الناس في
استحقاقات انتخابية. وهنا فإن مسألة الحكم ضمن التصورات المختلفة ربما شكلت بهذا
المعمل الحقيقي لبيان واختبار عالم الأفكار الذي ارتبط بهذه الحركات، كذلك الأداء
الذي قامت به ومدى لياقته ومناسبته وتكافئه مع تلك الحالة الثورية والقدرة على
التعامل مع القوى السياسية الأخرى.
مسألة
الحكم كانت مسألة جوهرية، وربما استُغلت من جانب هؤلاء الذين يشكلون خصومة مع
الحركات الإسلامية من جانب، وهؤلاء الذين يشكلون عداء بحكم أنها تلك الفئات التي
قامت عليها الثورة وكان لها من المصالح والتحالفات التي استغلتها في إطار حركة
المضادين للثورة.
لم تعد قضيّة العلاقةِ بين الإسلاميّين ونظام الحكم الدّيمقراطي مسألة
نظريّة، بل مسألة سياسيّة- اجتماعيّة مباشرة وخاضعة للاختبار بامتياز، تطرح أسئلة
وقضايا جديدة مختلفة عن قضايا الجدل النّظري والسّياسي. ومن
الجدير بالذكر أن معظم القوى السياسية ليست على المستوى الواجب أو المطلوب في
متطلبات ومقتضيات عمليات التحول الديمقراطي، وهو أمر يجعل هذه العمليات تجابَه
بمزيد من التحديات التي تتحول بدورها مع وجود حالة الانقسام السياسية والاستقطاب
واستمرارها وتراكمها؛ إلى معوقات تقف في طريق مسار التحول الديمقراطي وإمكاناته.
إن أطراف العملية السياسية في هذا المقام تشكل عناصر مهمة في عملية التحول
الديمقراطي؛ إن تيسيرا وتسهيلا وإن انتقاصا أو تعويقا.
3-
الإسلاميون تحت الاتهام: تعد هذه القضية من القضايا المهمة التي تثار بصدد المآلات
التي حدثت في الثورات العربية بعد مرور عقد من الزمان، والظاهرة الإسلامية التي
حوصرت بشكل أو بآخر بعد تلك الثورات؛ وصل الأمر إلى حد الاتهام والتجريم، وهو أمر
لا شك أثر على واقع هذه الحركات فأصبحت تحت الحصار، وأثر على الدور فأصبح الدور في
هذا هو محاولة الإبقاء على كيان هذه الحركات بعد أن انتشر هؤلاء في المنافي ووُضع
الآلاف في السجون، وتعرض الكثير منهم لمطاردات واغتيالات واختطاف قسري.
ومن
المهم في هذا المقام أن هذه المرحلة تشكلت مع وجود نظم وفئات تحسب على النخبة،
خاصة هؤلاء من ذوي الاتجاه العلماني ليدخلوا في هذا السياق ضمن حملة من الكراهية،
وهو أمر جعل دور تلك الحركات محدودا بل ومقيدا إما بأطر قانونية أو بسياقات واقعية،
وضمن سلطات استطاعت بشكل أو بآخر وبمساعدة المضادين للثورة أن تقوم بإجهاد الثورات
مقدمة لإجهاضها. وإذا كان واقع الثورات قد وفّر للإسلاميين حرية حركة كبيرة في
الميدان السياسي، فإن أمر المضادين للثورة والتحالفات الجديدة، فضلا عن الإطار الإقليمي
والدولي جعل الإسلاميين تحت الحصار وتحت الاتهام معا على مستويات عدة داخل
الإسلاميين أنفسهم، والاتهام من النظم السلطوية، وكذا الاتهام من خصومهم
العلمانيين، والاتهام في الاطار الإقليمي والدولي ضمن الإسلاموفوبيا.
ومع هذه
البيئة والسياق من الفرقة وخطاب الكراهية والاستقطاب والاتهام والتجريم وشيطنة
التيارات الإسلامية، مع وجود قدر غير يسير من الأخطاء المتكررة في المواقف
والسياسات، وحالة من التربص من التوجهات السياسية الأخرى المخالفة؛ وقع الجميع في
المحظور، وخرج حلف المضادين للثورة من جحوره ليمارس عملا التفافيا على الثورات
تمهيدا للانقضاض عليها، وهو ما أتاح للثورات المضادة أن تقوم بأدوارها الخطيرة في
مواجهة هذه الثورات؛ تارة بتمرير الانقلابات العسكرية وأخرى بإشعال بيئة من الحروب
الداخلية.
وفي
الحالة المصرية فإن الانقلاب على الثورة وإنشاء نظام الثالث من يوليو إنما يشكل
نموذجا خطيرا في هذا المقام، والذي قام وفقا لاستراتيجية تتعلق بصناعة الكراهية
ضمن سياسات إعلامية ومجتمعية وإجراءات أمنية كلها تصب للأسف في تسويغ بيئة تلفيق
الاتهامات وشيطنة الإسلاميين واعتبارهم من أهل الشر، مما سوغ حالة من الاعتقالات
والمطاردات والاختطافات والنفي القسري، فضلا عن الاغتيال خارج القانون.
4-
الإسلاميون والمراجعات بعد الثورات العربية وانحسارها: في ظل هذه البيئة التي
ابتدأت بالثورات العربية وقيام الإسلاميين بأدوار كانت محل تقييم، وكذلك ما آلت
إليه تلك الثورات وما صدر من اتهامات ومن تقييمات، فإن المسألة التي تتعلق
بالمراجعات والنقد الذاتي تبقى مسألة حيوية وأساسية، ليس فقط من جانب الإسلاميين
ولكن من جانب كافة القوى التي شاركت في تلك الثورات العربية، لمراجعة كل الأمور
التي تتعلق بالنخبة وأدائها في هذه الثورات، فضلا عن بيئة الفرقة والاستقطاب وعدم
القدرة على القيام بما من شأنه وضع اتفاق الحد الأدنى ضمن استراتيجية التوافق
السياسي، والتوافق ضمن المسائل الأساسية التي تتعلق بهذه الثورات وإمكاناتها في
الوجود والحماية والاستمرار.
ممارسة النقد الذاتي يعد من الأمور الأساسية في هذا المقام، وتقع الحركات الإسلامية في قلب هذه العملية وضرورتها، خاصة بعد أن شهدت بعض هذه الحركات قدرا من التصدعات والانشقاقات وتصاعد الهجوم
ومن
هنا فإن ممارسة النقد الذاتي يعد من الأمور الأساسية في هذا المقام، وتقع الحركات
الإسلامية في قلب هذه العملية وضرورتها، خاصة بعد أن شهدت بعض هذه الحركات قدرا من
التصدعات والانشقاقات وتصاعد الهجوم المفتعل أحيانا والمصطنع أحيانا أخرى، ضمن
عمليات كبرى لصناعة الصورة. ومن هنا فإن بناء الثقة من جديد وقدرة هذه الحركات على
القيام بهذه المسألة لهو من الشروط الجوهرية لأن تتفهم هذه الحركات واقعها
وتحدياتها بالدقة الواجبة، والدور المنوط بها وتطوراته وتحدياته التي تترتب على ما
قام به المضادون للثورة من عملية حصار والتفاف على الثورات وعلى أهلها.
5 -
الإسلاميون والفاعلية: قضية جوهرية تتعلق بتقييم حال الإسلاميين وقدراتهم وأدائهم
ومواقفهم وسياساتهم ومدى الفاعلية المتعلقة بهم وبالتفاعل مع الحالة الثورية.
فدراسة المستقبل للحركات الإسلامية في هذا المقام والظاهرة الإسلامية ومستقبل
المشروع الاسلامي لهو من الأمور المهمة والأساسية، بحيث يمكن البحث في الدور
المستقبلي والمآلات، وكذلك المستقبل بالنسبة لهذه الحركات وأدوارها الفاعلة في
الأمة وضمن علاقاتها بالدول والمجتمع على حد سواء.
وغاية
الأمر في ذلك أن نؤكد على أن دراسة المستقبل ليست بالمسألة الهيّنة، والإسلاميون أو
الظاهرة الإسلامية عانت في الذاكرة من علاقات سلبية بالسلطات والدولة؛ فإنها بذلك
تعبر عن بيئة غير مواتية تحاول تلك الحركات أن تقدم أدوارا تسمح بحمايتها
والمحافظة على كياناتها من التصدع من جانب، وأن تكون قادرة على بناء الثقة داخل
المجتمعات حيالها من جانب آخر. أيضا فإن بعض هذه الحركات من خلال تكويناتها
وأفرادها لا يزالون على تعلق بالفعل الثوري والحالة الثورية. ومن المهم في هذا
المقام أن نشير إلى شباب الحركات الإسلامية الذي بدا منهم تحفظات كبيرة على
قياداتهم وعلى حركتها في ميادين الثورات، والتأكيد على ضرورة أن تتشكل نخب جديدة
تعبر عن مسار الإحياء الثوري واستعادة تلك الثورات والاستعداد للتغيير الكبير
القادم.
x.com/Saif_abdelfatah
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.