لماذا
لا تحل جماعة الإخوان المسلمين نفسها؟! ولماذا لا تقدم الجماعة على القيام
بمراجعات كتلك التي قامت بها الجماعة الإسلامية في مصر؟!
في
اعتقادي أن فتح النقاش حول السؤالين لا يكون إلا بطرح سؤالين آخرين، سؤال يواجه
سؤالا: لماذا تحل الجماعة نفسها؟ وما هي الأفكار التي يمكن أن تتراجع فيها، كما
فعلت الجماعة الإسلامية؟!
طلب
حل الجماعة نفسها، أو دعوتها للقيام بمراجعات، هو بسبب الوضع السياسي المأزوم الذي
تعيشه البلاد، بسبب قرارها الخاطئ بالإقدام على الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، دون
أن تملك المقومات الواجب توافرها لشغل هذه الوظيفة، ودون أن تدرك تفاصيل الأشياء،
وانتهى الأمر بطردها منه بعد سنة واحدة، ولا يزال الإخوان، كما لا تزال البلاد،
يدفعون ثمن ذلك إلى الآن. وقد اجتمع على من جرَّ الجماعة في هذا الاتجاه؛ من
العذاب ضعفين، هو وعدد من أسرته، وأعني به المهندس خيرت الشاطر!
ولم
ينجُ من العذاب من رأى نهاية التجربة في لحظة اتخاذ القرار، مثل المرشد العام
السابق مهدي عاكف، فتم اعتقاله، ولم يرفقوا به، أو بسنّه، ليموت في سجنه!
كلما اشتدت الحملة الإعلامية على الإخوان، مع عدم وجود بصيص أمل في الخلاص من الأوضاع السياسية البائسة التي تعاني منها مصر، ارتفعت الأصوات تطالب بحل الجماعة كحل وحيد للخروج من هذا المأزق، كما ترتفع الأصوات مطالبة بقيام الجماعة بمراجعات تنهي هذه المرحلة، وتسلِّم بأخطائها، كما فعلت الجماعة الإسلامية!
سمير
العركي.. وتجربة الجماعة الإسلامية:
وكلما
اشتدت الحملة الإعلامية على الإخوان، مع عدم وجود بصيص أمل في الخلاص من الأوضاع
السياسية البائسة التي تعاني منها مصر، ارتفعت الأصوات تطالب بحل الجماعة كحل وحيد
للخروج من هذا المأزق، كما ترتفع الأصوات مطالبة بقيام الجماعة بمراجعات تنهي هذه
المرحلة، وتسلِّم بأخطائها، كما فعلت الجماعة الإسلامية!
صديقنا
سمير العركي مدين لمراجعات الجماعة الإسلامية بحريته، بعد أكثر من عشر سنوات قضاها
في محبسه بتهمة الانتماء إليها، ومن ثم ينظر لجماعته على أنها كانت سبّاقة، وتمثل
المعلم الذي يجب على الإخوان الاحتذاء به، فتقدم على المراجعات لحلحلة أوضاع من في
السجون، وهو لا يملّ عن ذلك!
من
أخطاء جماعة الإخوان أنها لا تقوم بمراجعات أبدا، لأن الاعتراف بالأخطاء ليس من
طبيعة الناس، ولأنه قد يضر بسمعة الجماعة ومن قادوها ولا يزالون، فتنحّي القيادات
التي تسببت في هذه الأخطاء ليس واردا. ولا يمكن أن يتصور خيرت الشاطر نفسه ليس
قياديا للإخوان إذا انتهت المحنة الحالية، وهو ما يعوق فكرة المراجعات والاعتراف
بالأخطاء، فلا تشغله
المراجعة العملية لهذا الخطأ، فيقع في خطأ أكبر، وإن كان ليس
في العمر بقية لمزيد من الأخطاء!
الدعوة
للمراجعات ليست غريبة عن الإخوان ليتم استيرادها من الخارج، فقد دعا لذلك أحد
قياداتها التاريخيين، وهو الدكتور عبد العزيز كامل، بعد عمليات "النظام الخاص"
الذي انحرف عن المسار الطبيعي، وكان ذلك في وقت يقول فيه المرشد المؤسس: لو أنه
استقدم من أمره ما استدبر لأخذ الجماعة في خط الدعوة، ولما دخل مجال السياسة!
ولعل
أفكاره هي نتاج هول المحنة، ولم يمهله القدر لامتحانها، فقد قُتل، ومن سخريات
القدر أن صاحب فكرة المراجعات اعتُقل، وأُعيد اعتقاله في عهد الثورة!
ومع
سعادة زميلنا العركي بتجربتهم في المراجعات، فقد كانت بعد خراب مالطة، ومثلت
العمليات المسلحة أحد معوقات التحول الديمقراطي في مصر، بل ومثلت سلاحا في يد
النظام القائم، فكان الانحياز له لتقوية مركزه في محاربة هؤلاء "الإرهابيين"،
الذين يقتلون الناس دون تفرقة (ويُبعث الناس على نياتهم). وهناك من انحاز
للاستبداد بحسن نية، وإن كانت هناك تيارات استغلت المعركة لتستفيد سياسيا منها،
وتحصل على عطايا في السياسة لم تكن لتبلغها في أجواء عادية يكون الاحتكام فيها
بحسب المكانة في الشارع!
الفرص
الضائعة والمحنة الطويلة:
وقد
أهدرت قيادات الجماعة أصحاب العقول النيرة فرصا عدة للتفاوض مع النظام، والتوقف عن
أحلام اليقظة بالاستيلاء على الحكم بالقوة!
وكان
الثمن المدفوع مئات القتلى، وآلاف المعتقلين لسنوات طويلة، ودفع زميلنا سمير
العركي ثمنا باهظا لهذه التصورات التي تبيَّن بعد سنوات أنها خاطئة. فهل كان الأمر
يستدعي هذه المحنة الطويلة، وكل هذه السنوات من الاعتقالات والمطاردة، حتى يدرك
الشيخ كرم زهدي خطأ الطريق، ويتحول ناجح إبراهيم من أفكار ابن تيمية إلى حكمة ابن
القيم؟!
إن
الأمر لم يكن بحاجة إلى كل هذه السنوات الطويلة من التفكير والبحث والتأمل للوصول
إلى مرحلة المراجعات، فما توصلوا إليه كان أفكارا ملقاة على المائدة أمامهم في
حوارات عدة أجراها معهم علماء الأزهر الشريف، لكنهم ولّوا وأعرضوا! هذا فضلا عن أن
الجماعة الإسلامية عندما قامت بمراجعاتها كانت تنتقل من مرحلة العمل المسلح إلى
الاتجاه الآخر، وقد كانت المراجعات في الوقت الضائع، ولولا أحداث الحادي عشر من أيلول/
سبتمبر لما التفت لهم النظام، ولتركهم في السجون يكلمون أنفسهم، فماذا في أيديهم
من قوة ليخضع لهم بالقول؟!
عندما
تُطلب من الإخوان المراجعات.. فما هي الأفكار الدينية التي يعتنقونها لكي يستلهموا
تجربة الشيخ كرم زهدي في المراجعات، ويتراجعوا عنها؟!
الإخوان
استفادوا من الحملة الأمنية على الجماعة الإسلامية، وفي حديث مع إحدى وسائل
الإعلام الألمانية قال مبارك إن معركته ليست ضد الإسلاميين بشكل عام، ولكن ضد
التطرف، ففي مصر جماعة معتدلة اسمها الإخوان!
المراجعات
المطلوبة من الإخوان هي خاصة بالممارسة، والإقرار بالخطأ في المنافسة على
الانتخابات الرئاسية، دون أن يملكوا الأهلية السياسية لذلك! ولهذا تكون الدعوة إلى
حل نفسها، وقد مرّت طوال تاريخها بفشل بعد فشل، فلم تصقلها التجربة، ولم تتعلم من
طول الأمد!
إن
البعض يرى أن هذا من شأنه أن يدفع الجماعة لحل نفسها، والبعض يرى ضرورة أن تتوقف
عن ممارسة السياسة!
الاستجابة
لحل الجماعة:
وسواء
كان الطلب بمراجعات تنتهي بالاعتراف بالأخطاء، أو الابتعاد عن السياسة، أو حل
الجماعة كليا، فإن الهدف الأساسي هو إفشال الذريعة لبقاء المسجونين في السجون، وفي
استمرار الاستبداد!
قديما
قيل: إذا أردت أن تُطاع فأمر بما هو مستطاع! فلدى الإخوان استعداد الآن لأن
يعترفوا بالخطأ في الإقدام على خوض الانتخابات الرئاسية، وأن يتوقفوا عن العمل
السياسي لسنوات، لكن المعضلة في الاستجابة للدعوة لحل الجماعة!
النظام الحالي يمكنه أن يتوصل مع الإخوان إلى صفقة يخرجون بمقتضاها من السجن، أو يأتون من الخارج إلى بيوتهم، طوال استمراره في الحكم دون أن ينغصوا عليه وجوده، لكنه يدرك أنه إذا فقد هذا العدو فقد المبرر لاستبداده
الإخوان
لن يمكنهم خوض الانتخابات الرئاسية، على الأقل في الربع قرن القادم، حتى يأتي جيل
جديد ينسى هذه التجربة الأليمة، لكن اعتزال السياسة بالكلية وإلى الأبد معناه أن
نفرغ الجماعة من أهدافها، فيموت الإخواني ولا ينصرف عن السياسة. وهناك من آمنوا
بذلك فانصرفوا إلى جماعة التبليغ والدعوة، مثل الشيخ إبراهيم عزت، لكن كم عدد
هؤلاء؟!
وفكرة
الحل، فضلا عن أنها غير واردة، فإنها دعوة غير عملية، فماذا لو اجتمعت القيادات
وقررت حل
التنظيم؟ هل ستنتهي المشكلة؟!
إن
الأزمة هي أن طبقة حكم تشكلت على أنقاض تجربة جماعة الإخوان في الحكم، بجانب
الدوائر المحيطة. فما هي كفاءة هؤلاء الإعلاميين التي تجعلهم يستمرون في تصدر
المشهد وتخطي الرقاب، ما لم يكن هناك عدو اسمه الإخوان؟!
إن
النظام الحالي يمكنه أن يتوصل مع الإخوان إلى صفقة يخرجون بمقتضاها من السجن، أو
يأتون من الخارج إلى بيوتهم، طوال استمراره في الحكم دون أن ينغصوا عليه وجوده،
لكنه يدرك أنه إذا فقد هذا العدو فقد المبرر لاستبداده، وهو يسجن وينكل بغير
الإخوان. فالقصة هنا أنه لا يريد مزاحما له، ولو افتراضيا، على السلطة، بغض النظر
عن انتماءاته، ولو كان خصما للإخوان. وفي السجون قائمة طويلة من رموز 30 يونيو،
ويشارك بعضهم في الخارج محنة من رفضوا الانقلاب على المسار الديمقراطي!
وعندما
قامت ثورة يوليو/تموز 1952، لم يكن استبدادها في البداية لأن الإخوان ينافسونها
على الحكم، فالإخوان كانوا حلفاء لها في مواجهة عدو مشترك اسمه الوفد.. إنها
السلطة!
أما
حل التنظيم، فلنا أن نعلم أن آلاف الإخوان خرجوا من تجربة عبد الناصر إلى بيوتهم،
وقطعوا صلتهم بالتنظيم إلا قرابة المائتي شخص، هم من أعادوا بناءه. فماذا لو تم
إعلان حل الإخوان، بينما رفضت مجموعة إخوانية قرار الحل واستمرت تتحدث باسم
الإخوان؟!
هناك
إشكاليات خاصة بالكيانات غير القانونية، فيستطيع أي حزب شرعي أن يجمع جمعيته
العمومية ويقرر الاندماج في حزب آخر، أو حل نفسه، والأمر مختلف في الحالة غير
الشرعية!
ليس
لها من دون الله كاشفة.
x.com/selimazouz1