أمريكا وإيران.. مصر في قلب الأزمة

عبد الناصر سلامة
"دوام الحال من المحال في عالم السياسة، فقد تبدلت الأحوال خلال السنوات الأخيرة"- الرئاسة المصرية
"دوام الحال من المحال في عالم السياسة، فقد تبدلت الأحوال خلال السنوات الأخيرة"- الرئاسة المصرية
شارك الخبر
بدا أن هناك تغيرا واضحا في العلاقات الخارجية المصرية، خلال السنوات الأخيرة، خصوصا ما يتعلق منها بالعلاقات مع إيران، التي كانت قد شهدت تراجعا وصل إلى حد القطيعة في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، في أعقاب الثورة الإسلامية والإطاحة بالشاه محمد رضا بهلوي عام 1979، ثم استضافته وأسرته بالقاهرة، قبل أن يدفن بها في العام التالي 1980، وما ترتب على ذلك من تسمية أحد أهم الشوارع في العاصمة الإيرانية طهران باسم خالد الإسلامبولي، قاتل الرئيس السادات، ووقوف مصر في خندق واحد مع العراق خلال الحرب العراقية- الإيرانية (1980-1988) وغير ذلك من قضايا، وربما أزمات، شابت العلاقات في فترة حكم الرئيس الراحل حسني مبارك (1981-2011)، اللهم إلا بعضا من العلاقات التجارية المتبادلة، وقليلا من السياحة الدينية الإيرانية لأضرحة آل البيت في القاهرة.

مع بداية حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، ظلت العلاقات كما هي دون تغيير، في وجود علاقات متميزة مع دول الخليج العربية، خصوصا كلا من المملكة السعودية ودولة الإمارات، كأهم داعمين لحالة التحول المصرية بالداخل، عام 2013، وتحديدا لشخص السيسي الذي اتخذ خطوات إلى الخلف في العلاقات مع طهران، لحساب الدولتين، حتى أن تعبير "مسافة السكة" الذي أطلقه في بداية حكمه، كتدليل على الجاهزية العسكرية في دعم دول الخليج، كان يستهدف به إيران في المقام الأول، بعد أن تمت شيطنتها وهّابيا على الخلفية الطائفية، وأمريكيا على الخلفية التوسعية، وفي كل الأحوال كان الكيان الصهيوني عاملا مشتركا، وما عواصم المنطقة إلا أداة تنفيذ.

المتابع للأزمة الإيرانية حاليا مع الولايات المتحدة، والتهديد بالعدوان على إيران، سوف يكتشف حالة الزخم السياسي المصرية مع عدد من العواصم، خصوصا واشنطن وأنقرة والدوحة ومسقط، في محاولة للتوصل إلى حل سياسي

ولأن دوام الحال من المحال في عالم السياسة، فقد تبدلت الأحوال خلال السنوات الأخيرة، سواء فيما يتعلق بالعلاقات السعودية- الإيرانية، التي شهدت تحسنا ملحوظا، أو في العلاقات المصرية- الإيرانية التي شهدت تطورا كبيرا، خصوصا منذ زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للقاهرة في كانون  الأول/ ديسمبر 2024، في أعقاب لقاء جمع رئيسي البلدين على هامش قمة "بريكس" في قازان الروسية، في تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه، وزيارة وزير الخارجية الإيراني للقاهرة عباس عراقجي، قبل أيام من زياة بزشكيان، في أول زيارة لمسؤول إيراني كبير منذ أكثر من عشر سنوات، ثم توالت الزيارات من الجانب الإيراني بشكل خاص، والاتصالات الهاتفية بين الرئيسين، في الوقت الذي استضافت فيه القاهرة أكثر من مرة، محادثات مدير وكالة الطاقة الذرية مع إيران بشأن برنامجها النووي.

وفي ضوء تطور العلاقات السعودية- الإيرانية، وإزالة اسم خالد الإسلامبولي من الشارع موضوع الأزمة، بدا واضحا أن القاهرة لم تعد تجد مبررا لفتور العلاقات مع إيران، في الوقت الذي شهدت فيه العلاقات المصرية- السعودية، طوال العام الماضي، توترا ملحوظا على خلفية اتجاه الرياض لمنح الولايات المتحدة الأمريكية امتيازات عسكرية على البحر الأحمر، تراها القاهرة تهديدا لأمنها القومي، وفي الوقت الذي تشهد فيه العلاقات المصرية- الإماراتية، منذ بداية العام توترا آخر، على خلفية انحياز مصري للسعودية، في أزمة قصف الطيران السعودي شحنة أسلحة إماراتية في ميناء المكلا اليمني، في 30 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، ناهيك عن خلافات أخرى، تتعلق بتدخل الإمارات في شؤون المنطقة بما لا يتوافق مع مصالح مصر وأمنها القومي.

المحصلة النهائية، أن مصر لم تعد تعول على كل من السعودية والإمارات تحديدا في دعمها اقتصاديا، كما كان الحال فيما بعد 2013 مع بداية ولاية السيسي، في الوقت الذي دأبت فيه هذه وتلك على التغول والتغلغل في السيادة المصرية، بشراء الأصول، من أراض وموانئ وشركات، خصوصا دولة الإمارات التي أصبح الشعب المصري يتعامل بريبة مع ممارساتها في المنطقة ككل، وفي مصر بشكل خاص، في الوقت الذي لا تخفي فيه كلتا الدولتين دعمهما الاقتصادي والأمني والعسكري لإثيوبيا، على الرغم من التوتر الكبير في علاقاتها مع مصر، على خلفية أزمة السد المثير للجدل على مجرى النيل، وهي القضية التي لا تجد فيها مصر مجالا للتسامح أو غض الطرف.

المتابع للأزمة الإيرانية حاليا مع الولايات المتحدة، والتهديد بالعدوان على إيران، سوف يكتشف حالة الزخم السياسي المصرية مع عدد من العواصم، خصوصا واشنطن وأنقرة والدوحة ومسقط، في محاولة للتوصل إلى حل سياسي، تجنبا للإضرار بإيران التي اكتشفت القاهرة حاليا أنها قد تكون الحليف العسكري الأقرب، والأكثر وثوقا، في ظل تهديد الكيان الصهيوني للمنطقة ككل، وهو تطور غاية في الأهمية، قد يقلب خارطة التحالفات في المنطقة بشكل عام، ويغير من الحالة العقائدية أو الطائفية التي خيمت على ثقافة بعض الجماعات في الماضي، نتيجة عوامل متعددة لم يعد لها وجود الآن.

مصر كما كانت طرفا رئيسيا في حرب الإبادة على غزة على مدى عامين كاملين، من خلال رفض تهجير أبناء القطاع إلى سيناء، أصبحت الآن في قلب الأزمة الأمريكية مع إيران

وفي هذا الصدد، أذكر حوارا صحفيا أجريته عام 2013 مع الرئيس الإيراني آنذاك أحمدي نجاد، في العاصمة طهران، قال فيه: نحن الآن في إيران نقوم بتصنيع طائرات حربية، وصواريخ باليستية، وأقمار صناعية، وغواصات، وغير ذلك من أسلحة وتكنولوجيا متقدمة، نضع جميعها في خدمة مصر حال أرادت ذلك، وهو يقصد حال تحسن العلاقات، مشيرا إلى إن الشعب الإيراني "مصريُ الهوى"، على حد تعبيره، في إشارة أيضا إلى وجود العديد من أضرحة آل البيت في مصر، وأذكر في هذا الحوار تأكيد نجاد على أن "إيران الآن دولة نووية بالفعل، وهو أمر أصبح واقعا، لم يعد يجدي معه أية محاولات للتراجع".

على أية حال، يمكن القول إن مصر كما كانت طرفا رئيسيا في حرب الإبادة على غزة على مدى عامين كاملين، من خلال رفض تهجير أبناء القطاع إلى سيناء، أصبحت الآن في قلب الأزمة الأمريكية مع إيران، إيمانا منها بأهمية القوة العسكرية الإيرانية من جهة، وحرصا على استقرار الأوضاع في المنطقة من جهة أخرى، حيث التهديد المحتمل للملاحة في قناة السويس، وحيث المخاوف من إطلاق يد الكيان الصهيوني للعبث بالمنطقة لتغيير خارطتها، حسب تهديدات رئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو، وحيث المشروعات العبثية الأمريكية المعلنة، والتي أصبحت تتجاوز سايكس بيكو قبل أكثر مئة عام.

السؤال الذي يفرض نفسه بشدة هو: هل تستطيع مصر بمساعدة بعض عواصم المنطقة، مواجهة الإعصار الأمريكي- الصهيوني، الذي يستهدف بشكل خاص مقدراتها من مياه النيل عن طريق إثيوبيا، وغاز البحر المتوسط عن طريق اليونان وقبرص وإسرائيل، وقناة السويس عن طريق إثارة الأزمات على ضفتي البحر الأحمر بشكل مستمر، والحدود الغربية مع ليبيا عن طريق المتمرد خليفة حفتر، ناهيك عن الحدود الشرقية مع غزة والكيان؟ هذا ما سوف نراه خلال الأسابيع القليلة المقبلة.
التعليقات (0)

خبر عاجل