في انتظار الخطوة الأمريكية الجديدة تجاه إيران

ممدوح الولي
"نفس الأسباب التي أدت إلى مظاهرات مماثلة أواخر عام 2017"- جيتي
"نفس الأسباب التي أدت إلى مظاهرات مماثلة أواخر عام 2017"- جيتي
شارك الخبر
قد يتساءل البعض كيف لدولة بترولية مثل إيران التي احتلت المركز السابع دوليا في العام الأسبق في إنتاج النفط الخام، والمركز الثالث عالميا في احتياطي الخام، وكذلك المركز الثالث دوليا في الإنتاج المُسوق من الغاز الطبيعي في نفس العام، والمركز الثاني عالميا في الاحتياطيات من الغاز الطبيعي، أن تعاني من ارتفاع معدلات التضخم وانهيار العملة المحلية، مما أدى إلى نشوب مظاهرات احتجاجية مؤخرا، أدت إلى مقتل وجرح المئات ترتفع حسب روايات الجهات المعارضة للنظام إلى الآلاف، بخلاف آلاف المعتقلين الذين ذُكر أنهم تخطوا العشرين ألفا.

وهي نفس الأسباب التي أدت إلى مظاهرات مماثلة أواخر عام 2017، بسبب ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية وتراجع القدر الشرائية وزيادة معدلات البطالة، مما أدى لمقتل ما لا يقل عن 25 شخصا، وهو ما تلاه نشوب مظاهرات في منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، بسبب رفع أسعار البنزين المدعم بشكل مفاجئ، مما أسفر سقوط نحو 300 قتيل خلال خمسة أيام واعتقال المئات، بل إن الأخطر من ذلك أن السلطات الإيرانية لا تملك الإمكانات لحل المشاكل الاقتصادية التي تسببت في التظاهرات الأخيرة، مما يعني استمرار أسباب نشوبها.

تكمن أسباب مشاكل إيران الاقتصادية إلى العقوبات الأمريكية والمستمرة منذ قيام ثورتها عام 1979 وحتى الآن، وهي العقوبات التي لا تكتفي معها بمنع الولايات المتحدة استيراد النفط الإيراني وعدم التجارة معها أو الاستثمار بها، بل تضغط الولايات المتحدة على الدول الأخرى بممارسة نفس السلوك مع إيران، بعدم استيراد نفطها أو التجارة معها أو الاستثمار فيها

وتكمن أسباب مشاكل إيران الاقتصادية إلى العقوبات الأمريكية والمستمرة منذ قيام ثورتها عام 1979 وحتى الآن، وهي العقوبات التي لا تكتفي معها بمنع الولايات المتحدة استيراد النفط الإيراني وعدم التجارة معها أو الاستثمار بها، بل تضغط الولايات المتحدة على الدول الأخرى بممارسة نفس السلوك مع إيران، بعدم استيراد نفطها أو التجارة معها أو الاستثمار فيها، بل وتهدد تلك الدول بتوقيع عقوبات أمريكية عليها في حالة عدم التزامها بمقاطعة الاقتصاد الإيراني، والنتيجة تراجع الدول الغربية عن الاستثمار في إيران، وهو الاستثمار اللازم لتطوير حقول إنتاج النفط والغاز الطبيعي واكتشاف حقول جديدة تعوض ما يتم استهلاكه، الأمر الذي دفع السلطات الإيرانية للاعتماد على الشركات المحلية لتطوير الحقول، لكن تلك الشركات تفتقر إلى التمويل اللازم، إلى جانب نقص بعض الإمكانات التكنولوجية التي يصعب توافرها مع الحصار المفروض على إيران.

غالبية إنتاج النفط والغاز يستهلك بالداخل

وسعت إيران إلى الجانب الروسي لتطوير حقولها لكن الأمر تواجهه بعض المشاكل الخاصة بشروط الاتفاق، وتسببت الأسعار المحلية المدعّمة لكل من المشتقات والغاز الطبيعي إلى زيادة كميات الاستهلاك المحلي بدرجة كبيرة، مما قلص الكميات المتاحة للتصدير منهما، إلى جانب تهريب المشتقات البترولية الرخيصة عبر الحدود البرية مع بعض دول الجوار بكميات كبيرة، الأمر الذي أدى لتذبذب الإنتاج الإيراني من الخام خلال العقود الأخيرة.

فبعد بلوغ الإنتاج 3.168 مليون برميل عام 1979، فقد انخفض إنتاج الخام إلى 1.8 مليون برميل في العام التالي ثم إلى 1.56 مليون برميل عام 1981، وبعد ارتفاع إنتاج الخام إلى أكثر من 3 ملايين برميل يوميا في عقد السبعينات من القرن الماضي، بل وتخطيه حاجز الأربعة ملايين برميل يوميا ما بين عامي 2005 وحتى 2008، فقد تراجع الإنتاج بعد ذلك حتى هبط عن الثلاثة ملايين برميل يوميا عام 2019 وهبط عن المليوني برميل عام 2020، ثم عاد للتحسن التدريجى خلال السنوات الأربع التالية.

والنتيجة، أنه في عام 2024 ومع بلوغ إنتاج النفط 3.257 مليون برميل يومي، فقد ارتفع الطلب المحلي إلى 1.859 مليون برميل يوميا من المشتقات، ولم يتبق للتصدير سوى 1.566 مليون برميل يوميا من الخام، مما هبط بمركز إيران إلى المركز التاسع دوليا، وتبقى 411 ألف برميل يوميا من المشتقات، مما هبط بمركز إيران إلى التاسع عشر دوليا في تصدير المشتقات.

وتكرر المشهد مع الغاز الطبيعي، فمن بين الإنتاج المسوق البالغ 277.6 مليار متر مكعب عام 2024، استحوذ الطلب المحلي على 268.6 مليار متر مكعب، في المركز الرابع بين دول العالم من حيث الاستهلاك، ليتبقى للتصدير أقل من 9 مليارات متر مكعب، مما هبط بمركز إيران إلى الحادي والعشرين في صادرات الغاز الطبيعي دوليا، كما تسبب الحصار الاقتصادي في عدم الاستطاعة الاستفادة بكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المصاحب حيث يتم حرقها دون استفادة. وهو أمر يرتبط باستحواذ الغاز الطبيعي على نسبة 69 في المائة من مجمل احتياجاتها من أنواع الطاقة خلال نفس العام، مقابل بلوغ نصيب النفط 29 في المائة، في حين بلغ نصيب الطاقة النووية نسبة 6 في الألف، وكل من الفحم والطاقة الكهرومائية 0.5 في المائة لكل منهما، في حين بلغ نصيب الطاقة المتجددة نسبة واحد في الألف.

وكانت إيران قد اتجهت إلى الأسواق الآسيوية لتسويق نفطها الخام بديلا عن إغلاق الأسواق الأمريكية والأوروبية أمامه، حيث استقبلت الصين وحدها نسبة 77 في المائة من نفطها الخام عام 2024، ودول آسيوية أخرى نسبة 19 في المائة، ليصل نصيب القارة الآسيوية إلى حوالي 97 في المائة، مقابل نسبة 3 في المائة لمنطقة الشرق الأوسط، وهو تصدير يتم بطرق خفية وبأسعار تقل عن الأسعار الدولية، إلا أن السلطات الأمريكية قد استمرت في حصار الاقتصاد الإيراني الذي تشكل صادرات النفط والغاز الطبيعي النسبة الأكبر منه، بقرار الرئيس الأمريكي ترامب مؤخرا فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المائة على الدول التي تتعامل تجاريا مع إيران.

الصين والإمارات وتركيا تتصدر التجارة
إذا خشي ترامب من الآثار السلبية في حالة سقوط النظام الإيراني في بلد متعددة الأعراق، من فرس وأذريين وكرد وبلوش وعرب وتركمان وأتراك ولوريين والتي نبهته إليها دول خليجية، فإن السعي الإسرائيلي لرئيس وزراءها نتنياهو لإسقاط النظام الإيراني والإجهاز على قوتها الصاروخية، سيظل ضاغطا على الرئيس الأمريكي لاتخاذ موقف قوى تجاه النظام الإيراني

وحسب بيانات التجارة الخارجية السلعية الإيرانية عام 2022 كآخر بيانات تفصيلية متاحة، فقد تصدرت الصين شركاء التجارة بنسبة 27 في المائة، ببلوغ قيمة تجارتها مع إيران 38 مليار دولار من إجمالي تجارتها مع العالم البالغة 139.6 مليار دولار، وجاءت الإمارات العربية في المركز الثاني بنسبة 17 في المائة، تليها تركيا 8.5 في المائة، والعراق 5.6 في المائة، والهند 3 في المائة، وفي المركز السادس جاءت روسيا ثم باكستان وألمانيا وسلطنة عمان وأفغانستان، ليصل نصيب الدول العشر الأولى إلى 69 في المائة من التجارة الخارجية الإيرانية، وفي المركز الحادي عشر جاءت سويسرا ثم تايلاند فإندونيسيا وإنجلترا وهولندا وإيطاليا وكوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة، وفي المركز العشرين البرازيل، الأمر الذي يضيق الخناق على إيران للحصول على الواردات السلعية التي بلغت قيمتها في عام 2024 نحو 58.7 مليار دولار، للوفاء احتياجيات المواطنين من السلع الغذائية والاستهلاكية المختلفة، والتي ستزيد قيمتها مع ضعف الريال الإيراني، الأمر الذي يعني استمرار العوامل التي تؤدي لارتفاع الأسعار محليا، والذي بلغت نسبة التضخم فيها 48.6 في المائة في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، إلى جانب البطالة التي بلغت نسبتها 7.2 في المائة بالشهر الأخير من عام 2024، لكنها ترتفع بين الشباب إلى 20.2 في المائة بنفس الشهر.

وهكذا لم تكتف الولايات المتحدة بمشاركتها لإسرائيل في العدوان على إيران في حزيران/ يونيو الماضي، وإعلانها تدمير المفاعلات النووية الأمريكية، حيث طالب الرئيس الأمريكي المتظاهرين في إيران بالسيطرة على المؤسسات الحكومية، وذكر أن مساعدته لهم قادمة بالطريق، وسعى لتوصيل الإنترنت إليهم بعد تعطيله من قبل السلطات المحلية، وهدد بالتدخل إذا لم يتوقف قتل المتظاهرين، رغم التأكد لدى الكثيرين من الأيدي الإسرائيلية الأمريكية في تأجيج المظاهرات الأخيرة، ودور عناصر الموساد في كبر عدد القتلى بالمقارنة بعدد ضحايا التظاهرات التي حدثت في السنوات الماضية، وهو دور مكمل لما فعلته من اغتيالات لكبار القادة العسكريين الإيرانيين خلال الحرب الأخيرة.

ورغم هدوء التظاهرات نسبيا إلا أن عوامل استمرارها ما زالت موجودة، ولا يعني هدوء التظاهرات تراجع الرئيس الأمريكي عن عزمه التدخل في إيران للقضاء على برنامجها الصاروخي، الذي تسبب في كثير من الأضرار للمدن الإسرائيلية خلال الحرب الأخيرة على إيران، فقد ناور قبل الحرب الأخيرة بالتفاوض مع إيران لكنه قام بقصف منشآتها النووية، كما يأتي تمكنه من خطف الرئيس الفنزويلي مادور مشجعا له على اتخاذ مواقف أكثر جرأة مع إيران.

وحتى إذا خشي ترامب من الآثار السلبية في حالة سقوط النظام الإيراني في بلد متعددة الأعراق، من فرس وأذريين وكرد وبلوش وعرب وتركمان وأتراك ولوريين والتي نبهته إليها دول خليجية، فإن السعي الإسرائيلي لرئيس وزراءها نتنياهو لإسقاط النظام الإيراني والإجهاز على قوتها الصاروخية، سيظل ضاغطا على الرئيس الأمريكي لاتخاذ موقف قوى تجاه النظام الإيراني، أما عن ماهية ونوعية هذا التدخل المرتقب فهو ما ستسفر عنه الأيام المقبلة.

x.com/mamdouh_alwaly
التعليقات (0)