ترامب كنموذج للظاهرة الفرعونية: كيف تكون المواجهة وما هي الخيارات البديلة؟

قاسم قصير
"الظاهرة الفرعونية تعود إلينا اليوم بشكل صريح وواضح من خلال الهيمنة الأمريكية والتي يمثلها اليوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب"- جيتي
"الظاهرة الفرعونية تعود إلينا اليوم بشكل صريح وواضح من خلال الهيمنة الأمريكية والتي يمثلها اليوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب"- جيتي
شارك الخبر
يواجه العالم اليوم ظاهرة جديدة وخطيرة على الصعيد الدولي والعلاقات الدولية والنظام العالمي، وهي الظاهرة الترامبية الأمريكية، هذه الظاهرة تتمثل باللجوء إلى القوة العسكرية والأمنية والاقتصادية والتكنولوجية لمواجهة القوى المعارضة أو المقاومة، وتهدف لفرض السيطرة الأمريكية على العالم بعد بروز قوى دولية وإقليمية ومحلية كانت تحاول تغيير الواقع العالمي وفرض التوازن في النظام الدولي.

والعدوان الأمريكي الأخير على فنزويلا واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكالوس مادورو وزوجته ونقلهما إلى أمريكا للمحاكمة، وتهديد دول أخرى في العالم بالاحتلال والسيطرة، أحد أشكال هذا التسلط الأمريكي على العالم، وهو استكمال لما يقوم به الكيان الصهيوني في المنطقة العربية والإسلامية، وهو الوجه الآخر للهيمنة الأمريكية.

ويمكن تشبيه الظاهرة الترامبية الأمريكية اليوم بالظاهرة الفرعونية التي تحدث عنها القران الكريم، والتي تشرح أسباب التسلط والهيمنة في العالم والنتائج التي تؤدي إليها هذه الهيمنة وكيفية مواجهتها.

يمكن تشبيه الظاهرة الترامبية الأمريكية اليوم بالظاهرة الفرعونية التي تحدث عنها القران الكريم، والتي تشرح أسباب التسلط والهيمنة في العالم والنتائج التي تؤدي إليها هذه الهيمنة وكيفية مواجهتها

ومن أهم مظاهر الاستبداد الفرعوني كما شرحها القرآن الكريم:

أولا: الاستعلاء والاستكبار الناتج عن الهيمنة على كافة السلطات وهو شعور كاذب لا يتناسب والحالة البشرية للإنسان الضعيف في خلقته والمحدود في قدراته، قال تعالى: "وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ" (يونس: 83)، ويترتب على ذلك نشر الخوف والرعب والذل والعبودية والنفاق وغياب المسؤولية. (ترامب اليوم يمثل هذا النموذج الاستعلائي والاستكباري بشخصه ومن خلال الممارسات التي يقوم بها وأسلوبه في الحكم).

ثانيا: ممارسة العنف والفساد والطغيان على المستضعفين، قال تعالى: "إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَة مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ" (القصص: 4). (أمريكا اليوم تمارس العنف وتدعم الكيان الصهيوني الظالم وتحرض على كل الدول التي تقف أمام هيمنتها).

وينتج عن ذلك تمزيق المجتمع وقهره واستثمار التناقضات المصطنعة من أجل البقاء في السلطة وسيادة الأحقاد والضغائن والشحناء والحروب والشتات والتهجير.

ثالثا: الاستحواذ على الثروات وخيرات الأرض، والتصرف فيها تصرف المالك دون شريك أو ضابط يلتزم به، قال تعالى على لسان فرعون: "أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ" (الزخرف: 51)، وقال تعالى: "وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ" (يونس: 83). (ترامب اليوم يريد السيطرة على ثروات العالم دون أن يسمح لأحد بالوقوف في وجهه).

ويترتب على الهيمنة على الثروات من قبل أمريكا وحلفائها التسلط على العالم ومنع أية قوة بالوقوف في وجهها.

رابعا: منع الحريات وقمع القوى المعارضة للهيمنة: ومن السمات التي تمتاز بها الظاهرة الفرعونية منع الحريات واحتكار المعرفة والعلم واحتكار صواب الرؤية، وأنَّ أيَّ رؤيةٍ تنبثق في المجتمع وتنافي رؤيتها فلا بدَّ من تصفيتها، يقول القرآن على لسان فرعون: "مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى" (غافر: 29). ويكون ذلك مصحوبا بالإرهاب الفكري، والتنكيل والتعذيب الجسدي وتشويه الفكر المضاد، فحين خرج موسى عليه السلام بدعوته، أي شيء فعل فرعون؟ وكيف خاطب الذين اتبعوا موسى؟ قال: "آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ" (الأعراف: 123)، وهكذا يمارس فرعون أسلوب الإرهاب الفكري، وأسلوب التشويه للفكر المضاد؛ "إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ". وحيث إنه علم أنهم لن يقتنعوا بذلك مارس معهم الإرهاب والوعيد بالتنكيل والتعذيب، فقال: "فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابا وَأَبْقَى" (طه: 71). وهذا ما يقوم به ترامب وأمثاله في العالم.

لا تعني المواجهة فقط بالذهاب إلى الخيار العسكري وامتلاك القوة، مع أهمية ذلك، بل بداية بوعي خطورة ما يجري وتشكيل حالة وعي جديدة في العالم تدرك خطورة هذه الظاهرة على كل العالم

وللظاهرة الفرعونية تأثير بالغ في كافة مجالات الحياة الدينية والفكرية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية والسلوكية وغيرها، وقد تناولها عبد الرحمن الكواكبي في كتابه: "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"؛ هذه الظاهرة الفرعونية التي تحدث عنها القرآن الكريم بشكل مفصل وأرسل الأنبياء لمواجهتها، تعود إلينا اليوم بشكل صريح وواضح من خلال الهيمنة الأمريكية والتي يمثلها اليوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وإذا كانت أمريكا تحاول في السنوات الماضية تغليف هيمنتها على العالم من خلال طرح شعارات إنسانية، كالدفاع عن حقوق الإنسان أو نشر الديمقراطية أو مواجهة الديكتاتوريات أو تقديم المساعدات لدول العالم، فإنها اليوم تتجلى بوضوح وبشكل صريح ودون أي تغليف لدورها أو شعاراتها، فهي تريد الهيمنة على العالم ومنع بروز أية قوة منافسة، ومواجهة قوى المقاومة ودعم الكيان الصهيوني الظالم والوحشي والذي يمارس أبشع الجرائم ضد الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة.

إزاء كل ذلك فليس أمامنا سوى مواجهة هذه الظاهرة الترامبية- الفرعونية ومنع استمرارها أو سيطرتها أو هيمنتها على العالم.

ولا تعني المواجهة فقط بالذهاب إلى الخيار العسكري وامتلاك القوة، مع أهمية ذلك، بل بداية بوعي خطورة ما يجري وتشكيل حالة وعي جديدة في العالم تدرك خطورة هذه الظاهرة على كل العالم، وليس فقط على الشعوب العربية والإسلامية.

وما جرى في فنزويلا، وما جرى سابقا في فلسطين ولبنان وإيران، وما يجري في سوريا والصومال واليمن، يمكن أن يمتد إلى كل العالم، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يخفي أهدافه بالسيطرة العسكرية والاقتصادية على العالم، وشريكه في المنطقة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو هو الامتداد الطبيعي للظاهرة الترامبية في منطقتنا، بحيث يعمل لتحقيق مشروع إسرائيل الكبرى وفرض الهيمنة الإسرائيلية على كل المنطقة العربية والإسلامية.

مواجهة الترامبية- الفرعونية تتطلب تعاونا عربيا- إسلاميا- دوليا أو تحالفا إنسانيا عابرا للقارات والدول والأديان ومشروعا متكاملا علميا واقتصاديا وسياسيا، وإلا فستنجح الترامبية- الفرعونية ومن يتعاون معها في فرض الهيمنة والاستعمار الجديد على العالم.

والله غالب على أمره مهما طغى الطغاة وتفرعن الفراعنة.

x.com/kassirkassem
التعليقات (0)