إيران في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية: هل ينتهي النظام الإسلامي وأي مستقبل للصحوة الإسلامية؟

قاسم قصير
"مراجعة شاملة لكل هذه التجربة ووضع رؤية جديدة قادرة على التكيف مع المتغيرات والتطورات المختلفة"- جيتي
"مراجعة شاملة لكل هذه التجربة ووضع رؤية جديدة قادرة على التكيف مع المتغيرات والتطورات المختلفة"- جيتي
شارك الخبر
في الحادي عشر من شهر شباط/ فبراير من العام 1979 انتصرت الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الإمام الخميني وأسقطت نظام الشاه البهلوي المدعوم من أمريكا والغرب والمتحالف مع الكيان الصهيوني، وبانتصار الثورة الإسلامية الإيرانية دخلت الصحوة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي مرحلة جديدة ومهمة وغيّرت الكثير من الأوضاع السياسية الإقليمية والدولية، وخسر الكيان الصهيوني أهم حليف له في المنطقة.

وفي الأيام الأولى لانتصار الثورة الإسلامية اتخذ الإمام الخميني سلسلة قرارات مهمة، وأبرزها إقفال سفارة الكيان الصهيوني وافتتاح سفارة فلسطين، وكان أول زائر مهم لإيران في الأيام الأولى للانتصار الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات (أبو عمار) بصفته رئيس منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح، وكان لحركة فتح علاقات قوية مع قادة الثورة الإيرانية.

وكان الإمام الخميني التقى في منفاه في باريس قبل العودة إلى إيران بالعديد من قيادات الحركة الإسلامية، وخصوصا حركة الإخوان المسلمين وحزب الدعوة الإسلامية، كما زار إيران العديد من القيادات الإسلامية والوفود الإسلامية وفادة حركات التحرر والمقاومة.

أي استهداف لإيران اليوم من قبل الأمريكيين والإسرائيليين ستكون له تداعيات كبيرة، خصوصا في حال سقط نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو تم اغتيال قائد الجمهورية آية الله السيد علي خامنئي

وشكّلت إيران مركزا لقوى وحركات التحرر والمقاومة، وواجهت الكثير من التحديات والحروب والضغوط الداخلية والخارجية طيلة 47 سنة، لكن يمكن القول إن انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 شكّل مرحلة جديدة في الصحوة الإسلامية، حيث انتعشت الحركات الإسلامية وعادت إلى الأضواء وتطورت على كل المستويات السياسية والجهادية والفكرية خلال هذه المرحلة.

وكانت الصحوة الإسلامية أو عملية الإحياء الإسلامي قد مرت خلال الأعوام المائة الماضية في مراحل عديدة، وأبرزها مرحلة الإحياء الإسلامي والفكري والإصلاحي التي برزت في نهاية مرحلة الخلافة العثمانية، وكانت تهدف لتحقيق الإصلاح في تجربة السلطنة العثمانية ومواجهة الاستعمار الغربي الذي بدأ يتمدد إلى العالم العربي والإسلامي، لكن كل عمليات الإصلاح والتطوير لم تنفع وسقطت الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى وحصول الانتداب الفرنسي– الإنجليزي على العديد من الدول العربية والإسلامية، وكان وعد بلفور البريطاني تمهيدا لقيام الكيان الصهيوني. وكل هذه التطورات شكّلت الدافع لإنشاء حركات إسلامية جديدة؛ كانت أبرزها حركة الإخوان المسلمين التي انطلقت في مصر وامتدت إلى العديد من الدول العربية والإسلامية، كما برزت لاحقا التيارات السلفية ومن ثم حزب التحرير وحزب الدعوة الإسلامية. وكان الهدف الأساسي استعادة الحكم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي والاستعمار الغربي، ونشر الفكر الإسلامي في مواجهة الطروحات الرأسمالية والشيوعية والقومية واليسارية والناصرية.

ويمكن القول إن الحركات والأحزاب الإسلامية نجحت في تثبيت وجودها الفكري والسياسي والشعبي والاجتماعي على مدار خمسين سنة تقريبا، وتعرضت هذه الحركات الإسلامية إلى عمليات قمع طيلة عشرات السنين، لكن هذه الحركات لم تستطع الوصول إلى الحكم الإسلامي أو إقامة الدولة الإسلامية؛ إلى أن انتصرت الثورة الإسلامية في إيران ووصول الإمام الخميني إلى الحكم عبر ثورة شعبية وليس عبر انقلاب عسكري أو انتظار تبني الأمة للحكم الإسلامي.

وشكّل انتصار الثورة الإسلامية في إيران مرحلة جديدة للصحوة الإسلامية في كل العالم العربي والإسلامي وصولا إلى دول الاغتراب في أوروبا وأمريكا وأستراليا، وخلال 47 سنة من الحكم الإسلامي في إيران شهد العالم العربي والإسلامي تطورات مهمة، وخصوصا عبر بروز المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين وصولا للثورات الشعبية العربية، ووصلت العديد من الحركات والأحزاب الإسلامية إلى الحكم في أفغانستان وتركيا ومصر وتونس والمغرب والسودان والعراق، إضافة إلى تعزيز دور هذه الحركات في العديد من الدول العربية والإسلامية كما حصل في باكستان والأردن والإمارات العربية المتحدة والكويت واليمن وليبيا وغيرها من الدول، كما برزت التيارات الإسلامية السلفية والجهادية وكان أبرزها تنظيم القاعدة وتنظيم داعش وجبهة النصرة وغيرها من التنظيمات الإسلامية المتعددة.

في مواجهة كل هذه التحديات الداخلية والخارجية تحتاج إيران لمراجعة شاملة لتجربتها السياسية والعسكرية، وصولا لطبيعة علاقاتها مع الدول العربية والإسلامية من أجل بناء تحالف إقليمي جديد قادر على مواجهة كل هذه الضغوط

ويمكن القول إن العقود الخمسة الماضية كانت عقودا إسلامية بامتياز، وكما أشرنا في مقالات سابقة فإن كل هذه التجارب الإسلامية تحتاج اليوم إلى مراجعة شاملة وما حققته من نتائج وأسباب الفشل والنجاح.

لكن يبقى لتجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدور المركزي في تجربة الحركات الإسلامية التي وصلت إلى الحكم، مع أهمية تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا والتي حققت نتائج مهمة، ولذلك فإن أي استهداف لإيران اليوم من قبل الأمريكيين والإسرائيليين ستكون له تداعيات كبيرة، خصوصا في حال سقط نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو تم اغتيال قائد الجمهورية آية الله السيد علي خامنئي.

ورغم أنه برزت معلومات في الأيام القليلة الماضية عن تأجيل الضربة العسكرية الأمريكية لإيران والذهاب نحو المفاوضات في تركيا، فإن ذلك لا يلغي حجم التحديات الكبرى التي تواجهها إيران داخليا وخارجيا، وكل هذه التحديات تضع النظام الإسلامي في إيران أمام واقع صعب؛ فإما أن يتخلى عن مبادئه ودوره الإقليمي واستقلاليته، أو أنه سيتعرض للمزيد من الضغوطات والعقوبات وصولا لحرب عسكرية مدمرة.

وفي مواجهة كل هذه التحديات الداخلية والخارجية تحتاج إيران لمراجعة شاملة لتجربتها السياسية والعسكرية، وصولا لطبيعة علاقاتها مع الدول العربية والإسلامية من أجل بناء تحالف إقليمي جديد قادر على مواجهة كل هذه الضغوط.

وعلى ضوء نتائج المواجهة التي تخوضها الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم في الداخل والخارج؛ ستكون الصحوة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي أمام مرحلة جديدة، وهذا يتطلب مراجعة شاملة لكل هذه التجربة ووضع رؤية جديدة قادرة على التكيف مع المتغيرات والتطورات المختلفة والتي تمتد من العام 1928 تاريخ تأسيس حركة الإخوان المسلمين إلى اليوم، ومرورا بكل المحطات والتطورات التي شهدتها الحركات الإسلامية طيلة كل هذه الفترة.

x.com/kassirkassem
التعليقات (0)